جمال زقوت يكتب لـوطن: الانتخابات الإسرائيلية: بين فزاعة الأمن وحسابات نتنياهو

02/10/2026

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، لا يبدو أن السؤال الحاسم هو ما إذا كان الإسرائيليون قد أصبحوا أقل يمينية. المعطيات المتاحة لا تقول ذلك. السؤال الأهم ربما هو ما إذا كان بنيامين نتنياهو لا يزال قادراً على احتكار تمثيل اليمين والأمن، أم أن جزءاً من الناخبين بدأ يبحث عن قيادة أخرى من داخل المنظومة الأمنية والسياسية نفسها.

تكشف الاستطلاعات عن اهتزاز احتكار نتنياهو لملف الأمن، وإن لم يكن ذلك قد تحول بعد إلى حسم انتخابي. ففي أحدث استطلاع لـ"كان 11"، تقدمت "يشَر" بزعامة آيزنكوت بـ23 مقعداً مقابل 21 لليكود، فيما أظهر استطلاع "معاريف" الأخير تقدّم "يشَر" بـ22 مقعداً مقابل 18 لليكود، وتراجع معسكر نتنياهو إلى 49 مقعداً. وفي المقابل، لا يزال نتنياهو متقدماً بفارق ضئيل على آيزنكوت في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة في استطلاع "كان" 39% مقابل 38%.

ورغم تباين النتائج بين الاستطلاعات، فإنها لا تشير إلى انتقال إسرائيل من اليمين إلى الوسط. ما قد يكون آخذًا في التغيّر هو شيء آخر: العلاقة بين الناخب ونتنياهو نفسه، وقدرته على الاحتفاظ باحتكار تمثيل الأمن والخبرة السياسية الذي طالما شكّل أحد أعمدة قوته الانتخابية.

هل يتغير اليمين أم تتغير القيادة؟

وهنا يعود 7 أكتوبر باعتباره السؤال الذي لم يُغلق بعد. فقد جعل نتنياهو من الأمن أحد أهم مصادر شرعيته السياسية. لكن الإخفاق الأمني في ذلك اليوم قلب المعادلة. فلم يعد السؤال فقط من يستطيع حماية إسرائيل، بل كيف وقع هذا الإخفاق في ظل قيادة جعلت من خبرتها الأمنية أساساً لشرعيتها، ومن يتحمل مسؤوليته السياسية.

وقد لا يكون التعب من نتنياهو تعبيراً عن رغبة في التخلي عن اليمين، بقدر ما يكون رغبة في تغيير القيادة. فالحرب الطويلة تستنزف الجيش والاحتياط والمجتمع والاقتصاد، والخلاف حول تجنيد الحريديم يضيف إلى الإحساس بعدم توزيع أعباء الدولة بصورة متساوية. كما ترك الصراع حول القضاء ومؤسسات الدولة أثراً يتجاوز الخلاف التقني حول المحكمة العليا إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحكم والعلاقة بين الحكومة ومؤسسات الدولة.

في هذا السياق تكتسب ظاهرة آيزنكوت دلالتها. فهو ليس مرشحاً يأتي من خارج الإجماع الأمني الإسرائيلي، بل رئيس أركان سابق يقدم نفسه بوصفه بديلاً في القيادة من داخل المؤسسة الأمنية. وهذه بالضبط هي المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها ناخب يريد تغيير نتنياهو من دون أن يشعر بأنه يتخلى عن أولويات الأمن.

حين تصبح فزاعة الأمن إطاراً للحكم

ومن هنا يبدو أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح في هذه الانتخابات هو: من يحتاج إلى الحرب، ومن يوظف فزاعة الأمن أكثر: الإسرائيليون أم نتنياهو؟

ثمة فرقٌ بين مجتمع يبحث عن أمن مستدام، وقيادة تجعل الخطر الدائم إطاراً للحكم والسياسة. وقد يصبح هذا الفرق أكثر وضوحاً كلما طال أمد الحرب وازدادت كلفتها، من دون أن تنتج عنها بالضرورة حالة مماثلة من الاستقرار أو الشعور بالأمن.

وهنا ينبغي النظر إلى نتنياهو أيضاً من زاوية ما راكمه سياسياً خلال السنوات الأخيرة. فالمسألة لم تعد تقتصر على غياب رؤية لتسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. فقد دفعت سياساته وتحالفاته نحو توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتعميق الاستيطان، ورفض قيام أفق سياسي يستند إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. وفي غزة، ارتبطت الحرب بدمار هائل ونزوح واسع، فيما وصفت جهات دولية وحقوقية ما جرى بأنه إبادة جماعية وتطهير عرقي. ولا يمكن فصل هذه السياسات عن أثرها المتزايد في مكانة إسرائيل وعلاقاتها مع عدد من حلفائها الغربيين. وبالنسبة إلى خصوم نتنياهو، أصبحت هذه السياسات جزءاً من تفسير أوسع لمأزق إسرائيل، لا مجرد سلسلة من القرارات الأمنية المنفصلة.

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في دلالة الانتخابات. حتى إذا غادر نتنياهو، فهذا لا يعني أن إسرائيل ستغادر اليمين، ولا أن البديل سيعيد تعريف علاقتها بالفلسطينيين. وقد لا تنتج الانتخابات أصلاً حكومة واضحة؛ فإذا تعذر على أي معسكر بلوغ 61 مقعداً، فقد تُطرح حكومة وحدة أوسع، وربما من دون سموتريتش وبن غفير، أو تدخل البلاد في أزمة تشكيل حكومة قد تقود إلى انتخابات جديدة.

ويضاف إلى ذلك سؤال الصوت العربي، لا بوصفه مسألة عدد المقاعد فقط، بل جزءاً من معادلة تشكيل الحكومة. فمحاولات إقصاء القوائم العربية، بذريعة ما بعد 7 أكتوبر، تضع المشاركة السياسية العربية أمام اختبار جديد. والسؤال الأهم بعد الانتخابات؛ إذا احتاج آيزنكوت إلى "الموحدة"، فهل سيتحدى هذا السقف، أم سيبقى أسيراً لهواجس ائتلافه؟ هنا سيظهر ما إذا كان الصوت العربي سيُعامل كشريك مشروع في المعادلة البرلمانية، أم سيظل محكوماً بمنطق الإقصاء العنصري.

اختبار التغيير: ماذا يعني ذلك للفلسطينيين؟

وهنا تحديداً تقع المسألة الفلسطينية. لا ينبغي للفلسطينيين أن يبنوا رهانات وهمية على رحيل نتنياهو، كما لا ينبغي أن يعتبروا بقاءه قدراً سياسياً. فالمعيار الحقيقي لأي تغيير هو ما إذا كان سيكسر العلاقة التي جرى بناؤها بين الأمن واستمرار السيطرة على الفلسطينيين.

في غزة، لا يكفي أن تتغير الحكومة أو أن تتوقف الحرب بصيغتها الحالية. السؤال هو ما إذا كان سيظهر مسار سياسي ينهي الحرب والاحتلال والضم والتهجير، ويعترف بأن للشعب الفلسطيني وجوداً وحقوقاً وطنية لا يمكن إلغاؤها باسم الأمن.

فربما يكون السؤال الحقيقي للانتخابات الإسرائيلية أقل ارتباطاً بمن سيحكم إسرائيل، وأكثر تعلقاً بما إذا كانت إسرائيل مستعدة لإعادة تعريف أمنها؛ هل يبقى الأمن مرادفاً لاستمرار الحرب والسيطرة، أم يصبح مدخلاً إلى استقرار لا يمكن أن يتحقق على حساب وجود شعب آخر وحقوقه الوطنية على الأقل كما عرفتها الشرعية الدولية، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال وتقرير المصير.