
يبدو أن ساسة العالم وخصوصا في الشرق الأوسط لا يصدقون ان القدر صناعة الهية حصرية وإلا لما طأطأوا رؤوسهم للولايات المتحدة لهذه الدرجة
لعلّ أخطر درس تعلّمته الولايات المتحدة من هزيمتها في فيتنام هو ألّا تخوض حروبها بنفسها، وإن اضطرت، فلا تخوضها وحدها، ومع الوقت، تحوّل هذا الدرس إلى فلسفة في إدارة الصراعات: تُشعل الحرب أو تدفع باتجاهها، ويقاتل الآخرون ويدفعون الكلفة، بينما تبيع واشنطن السلاح وتحتفظ لنفسها بدور الوسيط وصانع التسويات، ومن أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، تبدو هذه الفلسفة حاضرة اليوم بأشكال مختلفة.
ولذا فإنه ليس من الضروري أن تبقى الولايات المتحدة في المنطقة بآلاف الجنود وقواعدها العسكرية كي تظل صاحبة التأثير الأكبر فيها، فالقوة الأمريكية، تاريخياً، لم تعتمد على الوجود العسكري وحده، وإنما على مزيج من النفوذ المالي، والعقوبات، والتحالفات الأمنية، والتحكم في مفاصل النظام المالي الدولي، والقدرة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة، فضلاً عن شبكة واسعة من الشركاء والخصوم الذين تتقاطع مصالحهم معها بدرجات مختلفة.
ولعل العراق يقدم المثال الأوضح على هذا التحول.
ففي مطلع عام 2026، نقلت الولايات المتحدة أكثر من 5700 من عناصر تنظيم داعش المحتجزين في شمال شرق سوريا إلى عهدة العراق، في عملية استمرت 23 يوماً، وجاء ذلك بالتزامن مع التحولات الكبرى التي شهدتها العلاقة بين واشنطن و" قسد " والحكومة السورية، وفي نهاية سبتمبر 2026 اكتمل الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق بعد أكثر من عقدين من الوجود العسكري المباشر، غير أن انتهاء الوجود العسكري لم يعنِ انتهاء النفوذ الأمريكي، إذ ما تزال واشنطن تتمتع بنفوذ مهم في النظام المالي الذي تمر عبره عائدات النفط العراقي، وهي عائدات تشكل نحو 90% من موازنة الدولة العراقية بحسب تقرير لرويترز.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق التوقف: هل تغادر الولايات المتحدة المكان فعلاً، أم تغير فقط شكل وجودها فيه؟، ففي العراق، تزامن الانتقال من الوجود العسكري المباشر مع ضغط متزايد على الفصائل المسلحة لكي تنزع سلاحها أو تدمج نفسها في مؤسسات الدولة، وقد أعلن وزير الخارجية العراقي أن بغداد تعمل على إقناع الفصائل المرتبطة بإيران بإلقاء السلاح أو الانضمام إلى القوات الرسمية، بينما تحدثت تقارير عن ضغوط أمريكية مباشرة وغير مباشرة في الاتجاه نفسه.
وفي الوقت ذاته، بقيت المخاوف من احتمال عودة نشاط تنظيم داعش حاضرة، وقد حذرت تقارير عقب الانسحاب الأمريكي من احتمال أن يؤدي الفراغ الأمني إلى زيادة قدرة الخلايا النائمة على الحركة، وإن كان ذلك لا يثبت أن واشنطن تعمدت خلق هذا الخطر.
وهذه نقطة مهمة: ليس المطلوب أن نثبت أن الولايات المتحدة صنعت كل أزمة حتى نناقش استفادتها من نتائجها، ففي السياسة الدولية قد يكون توظيف الأزمة بعد وقوعها أكثر واقعية من افتراض أنها صنعتها منذ البداية.
وإذا انتقلنا من العراق إلى الإقليم الأوسع، تصبح الصورة أكثر تعقيداً.
إيران تواجه ضغوطاً متزايدة، فيما تعرض حلفاؤها في المنطقة لتحولات عميقة، لبنان يعيش أزمة مركبة تتداخل فيها مسألة سلاح حزب الله مع الضغوط الإسرائيلية والأمريكية والأزمة الداخلية، واليمن أصبح جزءاً من الصراع على أمن البحر الأحمر والممرات التجارية، أما سوريا، فقد دخلت بعد سقوط نظام الأسد مرحلة جديدة شديدة السيولة، مع استمرار التوترات الأمنية والسياسية وتداخل المصالح التركية والإسرائيلية والأمريكية والإيرانية والعربية.
وفي غزة، لم يعد الحديث عن مستقبل القطاع مقتصراً على وقف إطلاق النار، بل أصبح مطروحاً مشروعاً لإعادة تشكيل الإدارة والأمن فيه، ويشارك نيكولاي ملادينوف، بصفته الممثل الأعلى لغزة في " مجلس السلام " في هذا المسار، فيما تنص الخطة المدعومة أمريكياً على إدارة انتقالية تمهد، وفق التصور المعلن، لعودة سلطة فلسطينية إصلاحية إلى الحكم في غزة، بالتوازي مع ترتيبات لنزع سلاح الفصائل.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو غزة، في الحسابات الإقليمية، أكثر من مجرد جبهة عسكرية: إنها جزء من إعادة ترتيب سياسي وأمني أوسع للمنطقة، وقد لا تكون مصادفة ان يأتي ملادينوف على ذكر دور السلطة الفلسطينية في غزة متزامنا من انتشار ظاهرة نزع السلاح أو حصره من كل قوى المقاومة في المنطقة.
وفي البحر الأحمر والقرن الأفريقي ظهرت بدورها تحولات يصعب تجاهلها، فقد اعترفت إسرائيل رسمياً بأرض الصومال في ديسمبر 2025، لتصبح أول دولة تقوم بهذه الخطوة، وهو تطور أثار اعتراض الصومال ومصر وتركيا وجيبوتي والاتحاد الأفريقي، وبغض النظر عن دوافع الأطراف المختلفة، فإن دخول إسرائيل بصورة أكثر مباشرة إلى معادلات القرن الأفريقي يضيف متغيراً جديداً إلى منطقة شديدة الحساسية، فهي تقع على مقربة من باب المندب وخطوط الملاحة الدولية.
أما إثيوبيا ومصر والسودان، فإن أزمة سد النهضة لم تعد قضية مائية محضة، بل أصبحت جزءاً من منظومة أمن إقليمي تتداخل فيها الحسابات المصرية والسودانية والإثيوبية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي السودان وليبيا، لا تبدو مؤشرات الاستقرار حاسمة حتى الآن، بل إن الصراع السوداني أوجد بالفعل مسارات عابرة للحدود، وأظهرت تحقيقات صحفية أن جنوب شرق ليبيا تحول إلى ممر لوجستي مؤثر في الحرب السودانية، في وقت لا تزال فيه ليبيا نفسها منقسمة بين مراكز قوى متنافسة.
وحتى في شمال أفريقيا، فإن التوتر المغربي ــ الجزائري لم يختفِ، وإن شهدت المنطقة محاولات لخفض بعض التوترات غير المباشرة، وهذا يعني أن البيئة الإقليمية المحيطة بمصر والجزائر والمغرب وليبيا والسودان والقرن الأفريقي تظل قابلة للاهتزاز، بدرجات متفاوتة.
لكن السؤال الأهم هو: هل هذه الأزمات كلها أجزاء من خطة أمريكية واحدة؟
هنا ينبغي الحذر.
لا توجد أدلة كافية تسمح بالجزم بأن واشنطن صنعت كل هذه الصراعات أو أنها تتحكم في كل مساراتها، فلكل أزمة جذورها المحلية والتاريخية ومصالح أطرافها الإقليمية والدولية، كما أن الولايات المتحدة نفسها لا تتحكم دائماً في نتائج السياسات التي تبدأها.
لكن يمكن طرح فرضية أكثر دقة: أن السياسة الأمريكية قد تستفيد من بيئة إقليمية مجزأة، وأنها تملك أدوات تسمح لها بإدارة الأزمات أكثر مما تملك أدوات حلها نهائياً.
وهذا فرق جوهري.
فالولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تنتصر في كل أزمة، إذ يكفي، في بعض الحالات، ألا يسمح مسار الأزمة بقيام توازن إقليمي مستقل ينافس نفوذها، أو بقيام تحالفات استراتيجية مستقرة بين خصومها، ومن هذه الزاوية يصبح إبقاء التوتر تحت سقف الحرب الشاملة، مع منعه في الوقت نفسه من التحول إلى تسوية نهائية، خياراً استراتيجياً يمكن أن يخدم مصالح قوة كبرى كالولايات المتحدة.
وهنا تدخل الصين وروسيا في الحساب.
الصين لم تغب عن الشرق الأوسط اقتصادياً، بل على العكس، حافظت على مصالح تجارية وطاقة واسعة، كما لعبت دوراً دبلوماسياً مهماً، ومن أبرز أمثلته رعايتها للاتفاق السعودي ــ الإيراني عام 2023. ولذلك فإن القول إن واشنطن " أبعدت الصين عن المنطقة " قد يكون مبالغا فيه، لكن يمكن القول إن واشنطن تسعى إلى منع تحول الحضور الاقتصادي الصيني إلى نفوذ أمني وسياسي موازٍ للنفوذ الأمريكي، وفي المقابل، أعلنت بكين خلال الأزمات الأخيرة استعدادها للعب دور في خفض التصعيد، ما يدل على أن المنافسة الأمريكية ــ الصينية في المنطقة لم تُحسم.
أما روسيا، فقد أصبحت الحرب في أوكرانيا عبئاً استراتيجياً طويل الأمد على أوروبا، ودفعت الدول الأوروبية إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية والاستعداد لاحتمالات مواجهة ممتدة مع موسكو، وهكذا أصبحت أوروبا منشغلة بجبهة أمنية كبرى في شرقها، بينما تظل الولايات المتحدة لاعباً مركزياً في بنية الأمن الأوروبي.
وفي شرق آسيا، تظل شبه الجزيرة الكورية والتوترات المحيطة باليابان والصين جزءاً من منظومة دولية مختلفة، لكنها تدخل في النهاية في المنافسة الأوسع على توزيع القوة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
وبذلك يمكن النظر إلى المشهد من زاوية واحدة: كلما تعددت ساحات التوتر، أصبحت قدرة القوى الكبرى على تركيز مواردها محدودة، وأصبح على كل دولة أن تنشغل أولاً بجبهتها المباشرة.
وهنا تكمن خطورة العراق.
فالعراق ليس دولة عادية في هذه المعادلة، إنه نقطة التقاء أمريكية ــ إيرانية، وعربية ــ كردية، وتركية ــ إيرانية، وسورية ــ عراقية، فضلاً عن موقعه بين الخليج والشام، وفيه دولة رسمية تسعى إلى الحفاظ على توازن صعب، وفصائل مسلحة تمتلك قدرات كبيرة، وإقليم كردستان له حساباته الخاصة، وحدود مفتوحة على ساحات صراع متعددة.
لذلك فإن أي اضطراب عراقي كبير لن يبقى عراقياً.
قد تتحول أزمة السلاح، أو العلاقة مع إيران، أو الخلافات الكردية ــ الاتحادية، أو عودة نشاط داعش، إلى أزمة إقليمية أوسع، ومن هنا يصبح العراق، إذا اختل توازنه، ليس مجرد ساحة صراع، بل مسرحاً يمكن أن تتقاطع فيه معظم أزمات المنطقة دفعة واحدة.
والأمر نفسه ينطبق بدرجات مختلفة على سوريا ولبنان.
فإذا تحول الصراع حول الجنوب السوري والجولان وجبل الشيخ، أو مستقبل العلاقة بين دمشق وحزب الله، إلى مواجهة أوسع، فلن تكون القضية سورية أو لبنانية فقط، وقد شهد عام 2026 بالفعل اتصالات سرية بين مسؤولين سوريين وممثلين عن حزب الله، بوساطة تركية، في محاولة لمعالجة قضايا أمنية تتصل بالحدود والسلاح ولبنان وسوريا.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
الولايات المتحدة أثبتت تاريخياً أنها قادرة على توريط خصومها في صراعات طويلة ومكلفة، كما أنها قادرة على استخدام العقوبات والاقتصاد والتحالفات والسلاح والدبلوماسية في وقت واحد، لكن تحويل هذه الملاحظة إلى القول إن كل حرب أو أزمة في العالم هي مؤامرة أمريكية معدة سلفاً يفقد التحليل السياسي قوته بدلاً من أن يزيده.
الأكثر خطورة، وربما الأكثر واقعية، هو احتمال آخر:
أن لا تكون هناك غرفة واحدة ترسم كل الحرائق، وإنما قوة كبرى تعرف كيف تتحرك داخل عالم تشتعل فيه حرائق كثيرة، وكيف تستفيد من بعضها، وكيف تمنع خصومها من تحويل الأزمات إلى نظام إقليمي جديد.
إذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال لم يعد: هل وضعت الولايات المتحدة كل هذه الخطط، أم أن هناك فرصا لقوى أخرى، تسعى لامتلاك مكانا ما في السياسة والاقتصاد العالمي؟
السؤال الأخطر هو:
هل تدرك دول المنطقة أن اجتماع أزماتها، حتى لو لم تكن جميعها مصنوعة في واشنطن، قد ينتج في النهاية البيئة التي تحتاج إليها واشنطن وحلفاؤها لإعادة تشكيل المنطقة؟
فحين تنشغل إيران بحدودها، والعراق بسلاحه، وسوريا بجنوبها وشمالها، ولبنان بأزمته الداخلية، وغزة بمستقبلها، ومصر بأمنها المائي وحدودها، والسودان بحربه، وليبيا بانقسامها، والمغرب والجزائر بخلافاتهما، وأوروبا بالحرب في شرقها، وآسيا بالتنافس الأمريكي ــ الصيني، يصبح الجميع مشغولاً بالجميع.
إلا أن السؤال الحقيقي يبقى: من الذي يملك القدرة على إدارة هذا الاشتباك كله؟
قد تكون هذه هي المعركة الحقيقية التي لم تبدأ بعد.
فالمسألة ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إشعال كل هذه الحرائق؛ فهذا افتراض يتجاوز ما يمكن إثباته، مع ان الوقائع جميعها تشير اليه، إلا ان المسألة هي ما إذا كانت دول المنطقة ستبقى تتعامل مع كل حريق باعتباره أزمة منفصلة، أم ستكتشف أن تزامنها نفسه أصبح واقعاً استراتيجياً يجب التعامل معه.
وهنا يصبح السؤال الأخير أكثر إلحاحاً من كل الأسئلة السابقة:
هل ستستيقظ هذه الأطراف قبل أن يتحول تشتتها إلى مصير مشترك، فتقرأ ما يجري باعتباره إعادة تشكيل لتوازنات المنطقة، أم ستواصل خوض حروبها المنفصلة إلى أن تكتشف، متأخرة، أن الجميع كان يربح جبهة ما شكلا أو لغة ويخسر الإقليم كله واقعا ونتائج، ترى هل هناك من يدرك، وإذا ادرك فهل يتعظ، وإذا إتعظ فهل يستطيع ان يواجه تيار الولايات المتحدة، بصناعة جبهة مواجهة لا يمكن كسرها بسهولة؟