
كتبت أ. منال الصفدي: في علم الاجتماع والسياسة ، تُبنى القوائم الانتخابية لتمثيل نبض الشارع والنهوض بالأوطان المنكوبة . لكن في “ الكتالوج “ السياسي الفلسطيني المعاصر ، يخضع الأمر لقانون فيزيائي عجيب لاتدركه سوى النخب: ”قانون الجاذبية نحو الرقم 1”
البلاد تضيع ، والحواجز تلتهم ماتبقى من الضفة الغربية ، وركام غزة شاهدٌ على إبادةٍ لم يشهد التاريخ لها مثيلاً حيث يبحث الناس هناك عن خيمة من قماش تقيهم حر الشمس أو شربة ماءٍ نظيفة ... بينما يتفرغ “فرسان الوطن “ لخوض حرب داحس والغبراء خلف الأبواب المغلقة .
لا لتدراك الكارثة ، ولا لصياغة خطة إنفاذ وطنية ، بل لحسم معضل الوجودية الكبرى : “ من الذي يتُطبع صورته فوق الجميع ؟ ومن سيكون رأس الحربة في قائمة البشاوات ؟”
صدمة “ الرقم 2” : كبرياء لا يحتمل التنازل.
تخيل معي المشهد في غرف المفاوضات العتيدة ينسحب مرشح جهبذ ويهدد بفرط التحالف ونسف القائمة بأكملها ، لا اعتراضاً على برنامج سياسي يفتقر الكرامة ، ولا غضباً لدم الشهداء النازف كل لحظة والمشردين من أبناء الوطن ! بل لأن اللجنة الموقرة اقترحت وضعه في الرقم2
الرقم اثنان عزيزي في عرفهم يُعتبر إهانة شخصية لاتُغتفر ، وخدش ٌلمكانة العائلة وكسرٌ لبرستستيج الرمز والقيادي كيف يظهر اسمه تحت اسم فلان ؟ وبأي وجه سيواجه قاعدته الانتخابية إن لم يكن هو الكابتن الذي يقود سفينةً غارقة بالأصل ومثقوبة من كل اتجاه ؟
المواطن في كوكب ... والسباق في مجرةٍ أخرى
المفارقة المضحكة المبكية في آنٍ واحد تكمن في المسافة الفلكية بين اهتمامات هذا المرشح ، وأوجاع المواطن الفلسطيني الذي يُفترض أن يمنحه صوته.
فالمواطن في الضفة يفكر كيف سيعبر الحاجز صباحاً دون اذلال أو رصاصة طائشة ، كيف سيتصدى لاقتحام المستوطنين ، وكيف سيدبر قسط ابنه الجامعي في ظل اقتصاد منهك .
أما عند الحديث عن المواطن في غزة المنكوبة بين أنقاض بيته وكل لحظة تمر عليه مممكن ان تكون نهاية قصته وطابور الخبز والتكية ان وجدت ، كل أ حلامه تقتصر على وقف الإبادة ، كفنٍ لشهيد ، وسقفٍ يؤوي أطفاله من برد الشتاء القارس .
المرشح العتيد يضرب الطاولة بيده محتجاً : لن أقبل بأقل من الترتيب الأول ! أنا رصيدي التاريخي لا يسمح بأن أكون في الظل .
يالسخرية القدر ! يبحثون عن صدارة كراسي مهترئة فوق بلدٍ تئن وكأنهم يتنافسون على حجز الجناح الملكي في سفينة التيتانك ! وهي تغوص في قاع المحيط .
هوس الأولية وعقدة الزعامة
يبدو أن السادة المرشحين لم يسمعوا بعد بأن القيادة في زمن الكوارث هي مغرم لامغنم وتكليف تحترق فيه الأعصاب لا تشريف يُلتقط فيه السيلفي .
الكل يريد ان يكون الرقم واحد لأن المركز الاول يضمن له الميكروفون أمام الكاميرات ويوفر له هيبة المتحدث الرسمي باسم الشعب الذي لم يفوضه أصلا للحديث عن جوعه وقهره أما البرنامج الانتخابي ؟ فهو تفصيلُ تافه يمكن نسخه ولصقه في خمس دقائق من شعارات عامة عن الصمود والتحدي والتنمية المستدامة .
للاسف يبدو انهم لايدركون أن الشارع الفلسطيني الذي صقلته المآسي والدماء ماعادت تعنيه المسرحيات الهزلية بمراحل انهم يبحثون عمن يقف معهم في الميدان لا عمن يتسلق على أكتافهم ليصل إلى واجهة البوستر الانتخابي .