
وطن للأنباء: كشفت وكالة بيت مال القدس الشريف عن توجه جديد في عملها خلال الفترة 2027-2030، يقوم على الانتقال التدريجي من الدعم المباشر والمساعدات الإنسانية إلى التمكين الاقتصادي والاجتماعي وبناء أثر مستدام في القدس، مع التركيز على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الحكامة والرقمنة وتنويع مصادر التمويل.
وقال المدير المكلف بتسيير الوكالة، محمد سالم الشرقاوي، في حديث بمناسبة اختتام زيارته إلى فلسطين، إن اللقاءات التشاورية التي عقدها على مدى ثلاثة أيام في رام الله والقدس مع المؤسسات والهيئات الاقتصادية والاجتماعية والمرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية، شكلت أساسا لبلورة مخطط عمل الوكالة للفترة المقبلة، انطلاقا من مبدأ "الاستدامة في التخطيط والعمل".
وأوضح الشرقاوي أن المشاورات شملت دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير ، ووزارة شؤون القدس، ومحافظة القدس، والمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، والهيئات الإسلامية والمسيحية، ومديرية التربية والتعليم، وشبكة مستشفيات القدس الشرقية، والغرفة التجارية والصناعية، واتحاد الجمعيات الخيرية، والائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس، وجامعة القدس، إلى جانب بنك فلسطين.
وأشار إلى أن اللقاءات أظهرت ترحيبا فلسطينيا بالمقاربة التشاركية التي تتبناها الوكالة، لا سيما تشكيل لجنة استشاريين من خبراء فلسطينيين للمساهمة في إعداد الخطة، بما يشمل التمويل وآليات الحكامة والتتبع وتقويم أثر المشاريع على الأرض.
وأكد أن مختلف الأطراف التي شاركت في المشاورات ترى أن الانتقال من برامج المساعدة الإنسانية المباشرة إلى مشاريع التمكين ودعم القدرات يمكن أن يسهم في تمكين المستفيدين من أدوات تحقق لهم دخلا مستداما، من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يطرحونها على المؤسسة.
ثلاثة محاور و10 برامج
وقال الشرقاوي إن رؤية الوكالة حتى عام 2030 ترتكز على ثلاثة محاور استراتيجية، تشمل تفعيل آليات الحكامة الإدارية والرقمنة والالتزام بمواصفات الجودة العالمية، وتحسين موارد الوكالة وتنويع مصادر التمويل، إلى جانب مخطط عمل مندمج لدعم القطاعات الاجتماعية خلال الفترة 2027-2030.
وأوضح أن الخطة تتضمن 10 برامج تجمع بين مواصلة تدخلات الوكالة الأساسية وفتح مجالات جديدة تستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، بميزانية أمان سنوية تبلغ 7 ملايين دولار، تضاف إليها الموارد التي ستتمكن المؤسسة من تعبئتها في إطار الخطة.
وتشمل البرامج منظومة مندمجة لدعم التعليم والتدريب، تركز على المدارس والكليات والطلبة وتحسين البنية والتجهيزات التعليمية، وبرنامج الصحة والصحة الرقمية والحماية الاجتماعية، الذي يستهدف تطوير الخدمات الصحية والبنية والتجهيزات وتوفير الأدوية الضرورية.
كما تتضمن الخطة تطوير منصة "بيت مال بلاس" لجمع التبرعات والاستفادة من التحول الرقمي، واحتضان مشاريع الشباب وتطوير منصتي "الدلالة" و"هيا"، إلى جانب مواصلة دعم الإسكان وترميم البنايات وإعادة الاعتبار للبلدة القديمة وتحسين ظروف عيش السكان.
وتشمل البرامج أيضا دعم المبادرات الأهلية للتنمية البشرية وحماية الموروث العمراني والديني وصيانة المباني الأثرية والمساجد والبنايات القديمة، والتنمية الاجتماعية وحملات الدعم الإنساني الموجهة إلى العائلات المعوزة والفئات الهشة والمؤسسات التي تكفل أشخاصا في وضعية صعبة.
كما خصصت الخطة برنامجا لدعم الصناعات الثقافية والأبحاث والإعلام والتوثيق، بما يشمل المراكز الثقافية والفنون والبحث والتوثيق وصيانة الذاكرة والتراث والهوية الفلسطينية، إلى جانب برنامج لخدمة المرأة والشباب والطفولة والرياضة، يركز على تنمية القدرات وتوفير فضاءات آمنة ودعم المؤسسات المجتمعية.
وأكد الشرقاوي أن حيازة العقارات وتنمية الوقف تمثل أولوية في الخطة لحماية العقارات وتثبيت السكان، من خلال اقتناء المباني ووقفها لخدمة التعليم والصحة والأعمال الثقافية والاجتماعية، مشيرا إلى عقار الزاوية النقشبندية كنموذج في هذا المجال.
وتتضمن الخطة كذلك برنامج دعم التجارة والسياحة والخدمات، بهدف تنشيط الحركة التجارية والسياحية ودعم الصناعة التقليدية والحرفيين وتسويق منتجاتهم في البلدة القديمة.
التمويل وقياس الأثر
وقال الشرقاوي إن أحد مبادئ الخطة يتمثل في اعتماد قاعدة "الرصيد قبل المساعدة"، بحيث يترك كل تبرع أثرا مستداما، ويصل إلى المستفيدين وفق أولويات العمل وخصوصيات القدس.
وأوضح أن قياس أثر المشاريع على المستفيدين سيمكن الوكالة من التدخل في الوقت المناسب والتأكد من إيصال الأموال إلى مستحقيها، مشيرا إلى أن طلبات التمويل المقدمة من الأفراد والجمعيات والمؤسسات تخضع لمعايير تتعلق بالشفافية والنزاهة والمحاسبة والتتبع والتقويم.
وأضاف أن الوكالة تضع ضمن أولوياتها ما توفره المشاريع من فرص للتشغيل الذاتي وخلق الثروة والعمل، مع الاستثمار في الموارد البشرية والرياديين وجيل الثورة الرقمية، وتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم والرفاه الاجتماعي للفئات المحتاجة، خصوصا في ضواحي القدس وقرى المحافظة.
وأشار إلى أن مرصد "الرباط" للملاحظة والتتبع والتقويم، التابع للوكالة في القدس، يوفر مؤشرات آنية حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المدينة، بما يساعد على تحديد أولويات التدخل، لافتا إلى أن برامج المساعدة والتمكين الاجتماعي لا تزال في صدارة عمل الوكالة في ظل صعوبات الوضع الاقتصادي في القدس وتداعيات الحرب على الاقتصاد الفلسطيني.
وشدد الشرقاوي على أن الفاعلين المقدسيين سيكونون شركاء في التخطيط والتنفيذ وليسوا مجرد مستفيدين، مؤكدا أن مجالات التدخل ستركز على الحفاظ على الرصيد التاريخي والحضاري والتراثي للمدينة وتعزيز صمود سكانها عبر برامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي.
تعبئة الموارد
وقال إن نجاح الخطة يرتبط بقدرة الوكالة على تعبئة الموارد والإمكانات المادية والخبرات والشراكات وتحويلها إلى مشاريع وبرامج ملموسة لفائدة المقدسيين.
وأوضح أن الوكالة تعمل على تطوير منصة جمع التبرعات الإلكترونية، واستثمار الأموال والوقف المنتج، وإطلاق علامة "صنع لأجل فلسطين"، والاستفادة من عوائد المسؤولية الاجتماعية للشركات، إلى جانب توسيع قاعدة الشركاء والمتبرعين واستكشاف آليات جديدة للتمويل.
وأكد أن التمويل الموجه إلى وكالة بيت مال القدس الشريف "مغربي بالكامل" منذ عام 2011، وأن الوكالة لم تتلق منذ ذلك الحين تمويلا من أي جهة أخرى.
وقال الشرقاوي إن الوكالة ستواصل تدخلاتها في القدس عبر الجمع بين برامج الإسناد الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجا ومشاريع التمكين الاقتصادي والتنمية البشرية ودعم المقاولات الناشئة في مجالات التجديد والابتكار، بهدف تحويل الموارد والخبرات والشراكات إلى مشاريع ذات أثر مستدام تستجيب لاحتياجات المدينة وسكانها.