د. أمجد شهاب يكتب لوطن: الانتخابات الفلسطينية: بين غياب الحلول وحضور المبررات للتأجيل

29/09/2026

كلما صدر مرسوم رئاسي يتعلق بتنظيم الانتخابات الفلسطينية، حضرت معه قائمة طويلة من الاسباب والمبررات: الاحتلال، القدس، الانقسام، قطاع غزة، والتعقيدات القانونية والسياسية والامنية. ولا شك ان هذه تحديات حقيقية ومعقدة لا يمكن تجاهلها، لكن السؤال الذي لم يعد من الممكن تأجيله هو: هل يتم التعامل مع هذه التحديات باعتبارها مشكلات يجب ايجاد حلول عملية لها، ام باعتبارها مبررات جاهزة لتأجيل الانتخابات؟

فالانتخابات لا تجري عادة في عالم مثالي، ولا تنتظر الدول والمجتمعات انتهاء ازماتها وحروبها وانقساماتها حتى تمنح المواطن حقه في اختيار ممثليه. وفي الحالة الفلسطينية تحديدا، فان انتظار الظروف المثالية يعني عمليا انتظار ظرف قد لا يأتي ابدا.

لقد شهد الفلسطينيون خلال السنوات الماضية سلسلة من المواعيد والاعلانات المتعلقة بالانتخابات، من 2019 و2020 و2021 وصولا الى 2026، كما شهدوا جولات طويلة من الحوارات في عواصم عربية واسلامية واجنبية، وتفاهمات واتفاقات واعلانات متكررة، ثم عاد الاستحقاق الانتخابي في كل مرة الى دائرة التأجيل. ومع كل تأجيل، لا تتراجع ازمة الثقة، بل تتسع المسافة بين المواطن والمؤسسات السياسية، ويصبح السؤال عن المسؤولية السياسية أكثر الحاحا.

لذلك لم يعد السؤال الحقيقي فقط: ما الذي يمنع اجراء الانتخابات؟ بل أصبح السؤال الاهم: ماذا فعلت المنظومة السياسية لإزالة هذه العقبات؟ وما البدائل التي جرى اعدادها؟ وهل شكلت لجان سياسية وقانونية وتقنية لوضع سيناريوهات عملية للتعامل مع كل عقبة؟

هنا تكمن المشكلة الاساسية.

فالأزمة لا تتعلق فقط بوجود عقبات، وانما بطريقة التعامل معها. إذا كانت هناك مشكلة في القدس، فهناك بدائل قانونية وسياسية وتقنية يمكن بحثها. وإذا كانت هناك مشكلة في غزة، فهناك ترتيبات واليات يمكن التفاوض عليها. وإذا كان الاحتلال يضع قيودا على العملية الانتخابية، فهناك ادوات سياسية وقانونية ودولية يمكن استخدامها للتعامل معها.

اما ان تكون النتيجة في كل مرة هي العودة الى التأجيل، فهذا يطرح سؤالا مشروعا حول ما إذا كانت المشكلة في العقبة نفسها، ام في غياب الارادة السياسية للبحث عن البدائل.

والأخطر من ذلك ان استمرار تأجيل الانتخابات خلق واقعا سياسيا تصبح فيه المؤسسات القائمة مستفيدة من غياب التجديد الانتخابي، بينما يبقى المواطن خارج دائرة القرار الفعلي. وهنا تتحول الانتخابات من حق سياسي ودستوري للمواطن الى ملف يخضع لحسابات القوى السياسية وموازين المصالح والتوافقات بين الفصائل.

وهذه ليست مشكلة مرتبطة بموعد انتخابي واحد، بل هي اشكالية أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني واليات انتاج الشرعية السياسية.
فمنذ عقود طويلة لم تصبح الانتخابات الالية الاساسية والمنتظمة لإنتاج الشرعية السياسية الفلسطينية. وحتى على مستوى المجلس الوطني الفلسطيني، لم تجر انتخابات شاملة لاختيار اعضائه منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وبقي تشكيل المجلس يعتمد بدرجات مختلفة على التعيين والتوافق والتمثيل الفصائلي، في الوقت الذي يمثل فيه المجلس الوطني أحد اهم اطر النظام السياسي الفلسطيني.

وهنا يبرز السؤال الاكثر اهمية: هل يمكن لمنظومة سياسية ان تستمر في انتاج شرعيتها عبر التعيينات والتوافقات الفصائلية، بدلا من العودة بصورة دورية الى الشعب باعتباره المصدر الحقيقي للشرعية؟

ان التوافق الوطني مهم ولا يمكن التقليل من قيمته، خصوصا في ظل الانقسام والظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، لكنه لا يمكن ان يكون بديلا دائما عن ارادة الناخبين.

فالحوار بين الفصائل، على اهميته، لم يتمكن خلال أكثر من 18 عاما من انهاء الانقسام او بناء منظومة سياسية متفق عليها وقابلة للتجديد. بل ان استمرار الدوران في حلقات الحوار نفسها جعل الحوار في بعض الاحيان يبدو وكأنه بديل عن الانتخابات، مع ان وظيفته الاساسية يفترض ان تكون تهيئة الظروف لأجراء الانتخابات وليس الغاء الحاجة اليها.

كما ان عقد اجتماعات الفصائل في القاهرة وغيرها من العواصم، رغم اهميته السياسية، يطرح سؤالا جوهريا: ما حجم التمثيل الشعبي الفعلي لكل فصيل؟ وما مقدار تأثيره الحالي في الشارع الفلسطيني؟

مع الاحترام الكامل لتاريخ جميع الفصائل الفلسطينية ودورها الوطني، فان التاريخ وحده لا يمكن ان يكون بديلا عن التفويض الشعبي المتجدد. فالأوزان السياسية والشعبية تتغير، والمجتمعات تتغير، والناخبون تتغير خياراتهم وقناعاتهم، ولا توجد وسيلة أكثر وضوحا لمعرفة اتجاهات المجتمع من انتخابات حرة ونزيهة وشفافة.

ولهذا فان الانتخابات ليست مجرد وسيلة لتوزيع المناصب، وليست مجرد اجراء شكلي لإعادة ترتيب مواقع القوى السياسية. الانتخابات هي الالية التي تسمح للمجتمع بتجديد شرعيته السياسية واختيار ممثليه ومحاسبتهم واستبدالهم.

ومن يدعي امتلاك الشعبية، فان الطريق الطبيعي لأثبات ذلك هو صناديق الاقتراع وقبول نتائجها.

وهنا ربما تكمن احدى اهم المشكلات الحقيقية: فالانتخابات قد لا تنتج بالضرورة التوازنات السياسية التي تريدها الحوارات المغلقة بين الفصائل، وقد تعيد توزيع النفوذ السياسي بصورة مختلفة عما هو قائم. ولهذا فان الخوف من نتائج الانتخابات لا ينبغي ان يتحول الى سبب لتعطيلها، لان جوهر الديمقراطية هو قبول نتائج الاختيار الشعبي، وليس تصميم العملية السياسية مسبقا لضمان نتائج محددة.

ولا يمكن تجاهل المخاوف المتعلقة بتكافؤ الفرص، وحرية الدعاية الانتخابية، والضمانات القانونية والسياسية، وحرية الترشح والتصويت، وضمان نزاهة العملية الانتخابية. هذه قضايا جوهرية يجب ان تكون في صلب اي عملية انتخابية، لكنها يجب ان تتحول الى شروط وضمانات للأجراء، لا الى اسباب دائمة لمنع اجرائه.

فالخوف من انتاج المشكلة نفسها يجب الا يقود الى استنساخ المنظومة السياسية الحالية، بل يجب ان يكون دافعا لإعادة بناء قواعد اللعبة السياسية على اساس واضح من النزاهة والشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.

كما ان الانتخابات الرئاسية والتشريعية باتت جزءا من حاجة اوسع لإعادة بناء المؤسسات السياسية وتجديد شرعيتها وتعزيز المساءلة والرقابة وفتح المجال امام اصلاحات ادارية ومالية وسياسية واسعة.

فغياب الانتخابات لا يعني فقط غياب صندوق الاقتراع، بل يعني ايضا غياب واحدة من اهم ادوات المحاسبة السياسية. وعندما لا يكون المواطن قادرا على تغيير ممثليه من خلال انتخابات دورية ونزيهة، تصبح اليات المساءلة أضعف، وتصبح المؤسسات أكثر ابتعادا عن الرقابة الشعبية.

ومن هنا فان السؤال لا ينبغي ان يكون: كيف نحافظ على شكل المنظومة السياسية الحالية؟ بل: كيف نعيد بناء منظومة سياسية تستند الى شرعية شعبية حقيقية ومتجددة؟

ان استخدام شماعة الحوار الوطني لا يمكن ان يستمر الى ما لا نهاية. الحوار مهم، والتوافق مطلوب، لكن الشعب الفلسطيني هو مصدر الشرعية، وليس اجتماعات الفصائل وحدها. ولا يمكن لمجموعة من القوى السياسية، مهما كان تاريخها ودورها، ان تتحدث الى ما لا نهاية باسم مجتمع كامل من دون العودة الى هذا المجتمع ومنحه الفرصة لاختيار ممثليه.

ان الانتخابات النزيهة والشفافة هي الالية التي تستطيع الاجابة عن كثير من هذه الاسئلة. فهي التي تكشف الحجم الحقيقي للقوى السياسية، وتجدد شرعية المؤسسات، وتمنح المواطن فرصة الاختيار والمحاسبة، وتضع حدا للجدل حول من يمثل من.

ولهذا فان استمرار المماطلة لا يحل المشكلة، بل يعمق ازمة الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية، ويجعل السؤال حول شرعية النظام السياسي أكثر الحاحا.

لقد جرب الفلسطينيون خلال السنوات الماضية سلسلة طويلة من الوعود والمواعيد والتفاهمات والتأجيلات. وفي كل مرة تظهر مبررات جديدة، ثم تبدأ جولة جديدة من النقاش والحوار، ثم تعود القضية الى النقطة نفسها.
لكن الديمقراطية لا تعني انتظار الظروف المثالية، لان الظروف المثالية لا تأتي في السياسة.

الديمقراطية تعني البحث عن الحلول داخل الظروف الصعبة، وابتكار اليات تسمح للمواطن بممارسة حقه، وليس استخدام صعوبة الظروف لتعطيل هذا الحق.
ومن هنا فان جوهر الازمة اليوم ليس فقط في موعد الانتخابات، ولا في اجراءات التسجيل او الترشح او شكل القوائم، وانما في السؤال السياسي الاكبر: هل هناك قرار حقيقي بالذهاب الى الانتخابات، ام ان الانتخابات ستبقى فكرة مؤجلة الى حين توفر ظروف قد لا تأتي؟

المواطن الفلسطيني يريد اجابة واضحة.

اما ان تجري الانتخابات وفق قواعد نزيهة وشفافة وضمانات سياسية وقانونية واضحة، واما ان يقال للرأي العام بوضوح لماذا لن تجري، وما هي العقبات الحقيقية، وما البدائل التي جرى بحثها، ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن استمرار غيابها.

فالانتخابات ليست منحة تقدمها السلطة للمواطن، وليست ملفا يمكن فتحه واغلاقه وفقا للظروف السياسية وموازين القوى.

الانتخابات حق للمواطن، والسلطة السياسية وظيفتها ان تبحث عن الوسائل التي تمكنه من ممارسة هذا الحق.

وبين غياب الحلول وحضور المبررات، يبقى السؤال الاهم قائما: متى يصبح المواطن الفلسطيني هو صاحب القرار في تحديد من يمثله؟