محمود كلّم يكتب لوطن: غزة تنزف دماً.. والخذلان العربي يكتب فصول العار

29/09/2026

ليست مأساة غزة في حجم الدمار والضحايا وحده، بل في أنها تجري أمام نظام إقليمي ودولي يمتلك أوراقاً سياسية واقتصادية ودبلوماسية واسعة، من دون أن تتحول هذه الإمكانات إلى ضغط فعلي يوقف المأساة ويحمي المدنيين. فغزة لا تحتاج إلى مزيد من بيانات التضامن بقدر ما تحتاج إلى مواقف قادرة على التأثير في الواقع.

حين تحدث جورج غالاوي عن عجز الأمة الإسلامية أمام ما يجري في غزة، فإنه يطرح سؤالاً يتجاوز حدود الخطابة: كيف يمكن لدول تملك الثروة والنفوذ والعلاقات الدولية أن تظل محدودة التأثير عندما يتعلق الأمر بحماية الفلسطينيين ووقف معاناتهم؟

المطلوب من الدول العربية والإسلامية ليس الدخول في حروب لا تريدها أو لا تستطيع تحمل تبعاتها، وإنما استخدام الأدوات التي تمتلكها؛ الضغط السياسي والدبلوماسي، والمساعدات الإنسانية، والعلاقات الدولية، والمواقف المشتركة، وربط المصالح بمطالب واضحة لحماية المدنيين وضمان وصول الغذاء والدواء والمياه، ووقف استهداف البنية المدنية.

وهنا يجب التفريق بين الشعوب وحكوماتها. فقد عبّرت الشعوب العربية والإسلامية، في مناسبات كثيرة، عن تضامنها مع الفلسطينيين، وخرجت في مظاهرات وجمعت المساعدات ورفعت أصواتها ضد الحرب. ولذلك ينبغي أن يتجه النقد إلى السياسات الرسمية وموازين المصالح والقرارات الحكومية، لا إلى الشعوب.

لكن القضية الفلسطينية لا تواجه الاحتلال وحده. ففي الضفة الغربية تتواصل، عمليات الهدم ومصادرة الأراضي واعتداءات المستوطنين والقيود على الحركة، بما يؤدي إلى نزوح فلسطينيين وتعطيل حياتهم ومصادر رزقهم.

وهكذا يجد الفلسطيني نفسه أمام واقع مركب: احتلال يهدد أرضه وبيته وحياته، وأزمة سياسية فلسطينية داخلية تزيد شعوره بالعجز وانعدام الحماية.

وفي هذا السياق، تبرز قضية الشهيد نزار بنات بوصفها إحدى القضايا التي أثارت أسئلة كبيرة حول المساءلة داخل سلطة رام الله. ففي فجر 24 حزيران/يونيو 2021، اقتحمت قوة من الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة رام الله المنزل الذي كان ينام  فيه نزار بنات، واعتدت عليه أثناء اعتقاله، ثم قُتل تحت  التعذيب بعد وقت قصير من اختطافه.

لم يكن نزار بنات مجرد اسم في حادثة أمنية؛ فقد كان ناقداً للسلطة، وتحولت قضيته إلى اختبار لمفهوم المساءلة وسيادة القانون وحرية التعبير. لذلك لا ينبغي أن تختزل القضية في سؤال: من قتله؟ بل يجب أن تمتد إلى سؤال أعمق: من يملك القرار، ومن يحاسب صاحب القرار عندما تتجاوز السلطة حدود القانون؟

فالاحتلال جريمة بحق الفلسطيني، لكن قمع الفلسطيني لأنه ينتقد السلطة لا يصبح مقبولاً لأنه صدر عن فلسطيني. فالمواطن يحتاج إلى حماية من الاحتلال، ويحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات تحترم حقه في التعبير والنقد والمساءلة.

وفي القدس لا تنفصل قضية المسجد الأقصى عن هذا المشهد. فالقيود والإجراءات التي تمس حياة الفلسطينيين وحرية الوصول والعبادة تجعل القدس جزءاً أساسياً من الصراع على الأرض والهوية والحقوق. ولا يكفي أن تبقى القدس والأقصى حاضرين في البيانات والخطب؛ فالمواقف السياسية تُقاس بما تتركه من أثر على أرض الواقع.

أما غزة فهي تختصر المأساة كلها؛ شعب يعيش تحت وطأة الدمار والنزوح وانهيار الخدمات، فيما تستمر القيود التي تعرقل وصول المساعدات وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا لا تتحول الإمكانات العربية والإسلامية والدولية إلى سياسة أكثر فاعلية؟

القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى استراتيجية سياسية واضحة؛ حماية المدنيين، دعم صمود الفلسطينيين، مواجهة التهجير ومصادرة الأراضي، حماية القدس ومقدساتها، والدفع نحو حل سياسي يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية وفق القانون الدولي.

أما التاريخ فلن يسجل عدد البيانات التي صدرت فقط، بل سيسجل حجم التأثير الذي أحدثته تلك البيانات والقرارات في حياة الناس.

فالتاريخ يطارد الدول كما يطارد الرجال، ولا ينسى مواقف المتخاذلين. وسيطارد العملاء والخونة إلى الأبد، مهما طال الزمن ومهما حاولوا الهروب من الحقيقة.

سيكتب التاريخ أن غزة صرخت حتى خنقها الألم، وأن أطفالها رحلوا تحت الأنقاض، وأمهاتها دفنَّ قلوبهنَّ مع أبنائهنَّ، فيما ظلَّ العالم يتفرَّج. وستبقى دموع الأمهات وصرخات الثكالى شاهدةً على زمنٍ مات فيه الضمير، وتُركت فيه غزة وحدها تواجه الموت.