
وطن للأنباء: ناقشت الحلقة الثانية من برنامج "صوتكم مهم"، الذي يُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، ملف الصحة النفسية في ظل الأوضاع الراهنة، بمشاركة الأخصائية النفسية والاجتماعية د. عفاف ربيع، والمستشارة النفسية والاجتماعية نهاية أبو ريان، واخصائي الدعم النفسي والاجتماعي المدرب المعتمد محمد طه، حيث تناول الضيوف الآثار النفسية للأزمات والصدمات المتكررة، وانعكاساتها على الأطفال والبالغين والأسر، إلى جانب واقع خدمات الدعم النفسي والاجتماعي وسبل الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
وتناولت الحلقة مفهوم "الأزمة الصامتة"، التي قد يعيشها الإنسان دون أن تظهر معاناته بصورة مباشرة، لكنها تنعكس على انفعالاته وسلوكه وعلاقاته ونمط نومه، وقد تظهر أحياناً في صورة أعراض جسدية أو انسحاب اجتماعي أو نوبات غضب وعصبية.
ضغوط متراكمة وصدمات متكررة
وقالت الأخصائية النفسية والاجتماعية د. عفاف ربيع إن المجتمع الفلسطيني يمر منذ سنوات بصدمات وأزمات متكررة ومركبة، مشيرة إلى تداخل عوامل عدة، بينها تداعيات جائحة كورونا، والحرب، والظروف الاقتصادية والسياسية.
وأوضحت ربيع أن هذه الظروف رفعت مستويات الخوف من المستقبل والقلق والتوتر والاكتئاب لدى شرائح مختلفة من المجتمع، لافتة إلى تزايد الحاجة إلى الاستشارات المتعلقة بكيفية التعامل مع الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
وأضافت أن استجابة الأفراد للأزمات تختلف من شخص إلى آخر، تبعاً لما يمتلكه الفرد من موارد ومناعة نفسية، إلى جانب الدعم الأسري والاجتماعي المتوفر وقدرته على الاستفادة منه.
"الأزمة الصامتة".. حين يخفي الإنسان ألمه
من جهتها، أوضحت المستشارة النفسية والاجتماعية نهاية أبو ريان أن "الأزمة الصامتة" تتمثل في استمرار الإنسان بأداء أدواره اليومية وتحمل مسؤولياته رغم تراكم الضغوط، ما يجعل معاناته غير واضحة للمحيطين به.
وبيّنت أن آثار هذه الأزمة قد تظهر في الانفعالات داخل الأسرة والعلاقات الاجتماعية، أو في النشاط اليومي ونمط النوم، إضافة إلى الانعزال والانسحاب الاجتماعي أو زيادة العصبية والاندفاع والعنف.
وأكدت أبو ريان أهمية التدخل المبكر، موضحة أن استمرار الأعراض وتكرارها وشدتها تعد مؤشرات تستوجب الانتباه والتعامل معها قبل تفاقمها.
الأطفال والمراهقون.. استجابات مختلفة للصدمة
وفي حديثه عن الأطفال، قال اخصائي الدعم النفسي والاجتماعي المدرب المعتمد محمد طه إن الأطفال الذين يتعرضون للحدث الصادم نفسه لا يستجيبون بالضرورة بالطريقة ذاتها، إذ تختلف قدرتهم على التعامل مع الضغوط وفقاً لمستوى المناعة النفسية والموارد والدعم المتوفر لهم.
وأوضح أن بعض الأطفال قد يتمكنون من تجاوز الأحداث الصعبة دون آثار واضحة، بينما قد يكون آخرون أكثر عرضة لاضطرابات نفسية نتيجة ضعف قدرتهم على امتصاص أثر الصدمة.
وأشار إلى أن العوامل الأسرية والمجتمعية تلعب دوراً مهماً في الحالة النفسية للأطفال، لافتاً إلى أن بعض السلوكيات التي تظهر عليهم قد تكون مؤشرات تستدعي الانتباه، وليس مجرد "دلال" أو سلوك مرتبط بمرحلة المراهقة.
البكاء والحزن.. التعبير عن المشاعر ليس ضعفاً
وفي هذا السياق، شددت د. عفاف ربيع على أن مطالبة الأشخاص الذين يعيشون ظروفاً قاسية بعدم البكاء أو الحزن ليست بالضرورة مساندة صحيحة، مؤكدة أن الإنسان يحتاج إلى مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره.
وأوضحت أن القلق والخوف والحزن والغضب تعد استجابات طبيعية في مواجهة ظروف غير طبيعية، وأن كبت هذه المشاعر قد يؤدي إلى ظهورها لاحقاً بأشكال أخرى، مثل الانسحاب الاجتماعي أو التغيرات السلوكية والانفعالية.
وأكدت أن التدخل يصبح ضرورياً عندما يتحول السلوك إلى خطر على الشخص نفسه أو الآخرين، خصوصاً في حالات إيذاء الذات، مشددة على أن الهدف في هذه الحالات هو توفير الحماية ومنع الضرر.
الوصمة الاجتماعية تعيق طلب المساعدة
وتطرقت نهاية أبو ريان إلى التحديات التي تواجه الحصول على خدمات الصحة النفسية، مشيرة إلى أن الظروف الاقتصادية قد تجعل هذه الخدمات صعبة الوصول بالنسبة إلى كثير من الأسر، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الخدمات المتخصصة يحتاج إلى تكاليف مادية.
وأضافت أن الوصمة الاجتماعية تمثل عائقاً آخر أمام طلب المساعدة، إذ يخشى بعض الأهالي من أن يُنظر إلى أبنائهم على أنهم يعانون من مشكلة نفسية، ما يدفعهم أحياناً إلى تأجيل طلب المساعدة إلى أن تتفاقم المشكلة.
وأكدت أهمية نشر الوعي بالصحة النفسية وكسر الوصمة المرتبطة بها، إلى جانب توفير خدمات متخصصة ومهنية يمكن للأسر الوصول إليها بأمان.
الحاجة إلى تنظيم خدمات الدعم النفسي
وشددت د. عفاف ربيع على ضرورة تنظيم قطاع الخدمات النفسية وتعزيز الرقابة والتأهيل المهني للعاملين فيه، محذرة من التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها مجالاً يمكن لأي شخص تقديم خدماته فيه دون تأهيل متخصص.
وأشارت إلى أهمية التأكد من كفاءة مقدمي الخدمات ومراقبة الممارسات المهنية، خصوصاً في ظل انتشار الإعلانات عن خدمات نفسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
المدارس والجامعات.. تحديات في تقديم الدعم
وناقش الضيوف واقع خدمات الدعم النفسي في المؤسسات التعليمية، حيث أشارت د. عفاف ربيع إلى وجود تحديات أمام المرشدين النفسيين والتربويين في المدارس والجامعات، من بينها ضغط العملية التعليمية وصعوبة توفير الوقت والمساحة الكافية للقاء الطلبة وتقديم الدعم لهم.
بدورها، أوضحت نهاية أبو ريان أن المرشدين أنفسهم يعيشون الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ذاتها التي يعيشها الطلبة والأسر، وبالتالي يحتاجون هم أيضاً إلى الدعم والرعاية والتفريغ النفسي.
وأكد الضيوف أن توفير خدمات الدعم النفسي للأطفال والطلبة يتطلب تطوير آليات العمل داخل المؤسسات التعليمية، وتوفير عدد كافٍ من المختصين، إلى جانب تدريب الكوادر وتعزيز قدرتها على التعامل مع الحالات المختلفة.
الأسرة ودورها في اكتشاف الأزمة مبكراً
وأكد محمد طه أن ملاحظة التغيرات في سلوك الأطفال تمثل خطوة أساسية في اكتشاف المشكلات النفسية مبكراً، مشيراً إلى أن بعض المؤشرات قد تظهر بصورة واضحة في سلوك الطفل وعلاقته بمحيطه.
وشدد الضيوف على أهمية أن ينتبه الأهل إلى التغيرات المستمرة في سلوك أبنائهم، وعدم الاكتفاء بتفسيرها باعتبارها جزءاً من مرحلة عمرية أو نوعاً من الدلال، خصوصاً عندما تكون التغيرات شديدة أو مستمرة.
دعم الداعمين.. ضرورة لا تقل أهمية
وفي ختام الحلقة، أكد الضيوف الثلاثة أن مقدمي الدعم النفسي والاجتماعي يحتاجون بدورهم إلى الدعم والإشراف والتفريغ، باعتبارهم يعملون في بيئة مليئة بالضغوط ويتعاملون بصورة مستمرة مع أشخاص يعانون من الأزمات.
ودعوا إلى تعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة، وإتاحة مساحات آمنة للتعبير عن المشاعر، وكسر الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية، وتوفير خدمات متخصصة وآمنة يمكن الوصول إليها في الوقت المناسب.
وخلصت الحلقة إلى أن مواجهة "الأزمة الصامتة" تبدأ بالاعتراف بالمشاعر وعدم كبتها، مروراً بالدعم الأسري والمجتمعي، وصولاً إلى طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة، بما يعزز قدرة الأفراد والأسر على التعامل مع الأزمات والصدمات المتكررة.