
وطن للأنباء: في قطاع غزة، لم تقتصر آثار الحرب على تدمير المنازل والبنية التحتية والخدمات الأساسية، بل امتدت إلى واحدة من أهم ركائز المجتمع وهي منظومة العدالة.
ومع تضرر وتدمير نسبة كبيرة من مرافق العدالة تصل الى 90%، وتوقف أو تعطل عمل العديد من المؤسسات القضائية والقانونية، أصبح الوصول إلى العدالة أكثر صعوبة بالنسبة إلى آلاف المواطنين الذين يحتاجون إلى حل نزاعاتهم في ظروف استثنائية ومعقدة.
في هذا الواقع، تبرز الوسائل البديلة لحل النزاعات، مثل الوساطة والتحكيم، باعتبارها أدوات يمكن أن توفر مسارات أكثر مرونة لحل الخلافات، خصوصا عندما تواجه المحاكم والمؤسسات الرسمية صعوبات كبيرة في أداء وظائفها المعتادة.
فالوساطة، على سبيل المثال، تقوم على تدخل طرف محايد يساعد أطراف النزاع على الوصول إلى حل توافقي من دون الحاجة إلى المرور بكل مراحل الدعوى القضائية، وفي مجتمع يعيش تحت ضغط الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات وتوقف الأعمال، يمكن لهذا النوع من الحلول أن يكون مهما في التعامل مع نزاعات مدنية وتجارية وأسرية وغيرها، وفقا لطبيعة كل حالة والإطار القانوني الناظم لها.
وتزداد أهمية هذه الوسائل عندما تكون البنية المادية للعدالة نفسها متضررة. فالوصول إلى المحكمة يحتاج إلى مبنى وتجهيزات وموظفين وملفات وإجراءات واتصالات، وهي عناصر تعرضت بدورها لآثار الحرب والتدمير.
أما بعض الوسائل البديلة، وخصوصا الوساطة المجتمعية، فيمكن أن تكون أكثر قدرة على التكيف مع الظروف الطارئة، وأن تتم في أماكن بديلة وبإجراءات أبسط، ما دام ذلك يجري ضمن ضمانات قانونية واضحة.
لكن أهمية الوسائل البديلة في غزة لا ترتبط فقط بسرعة حل النزاع. فالحرب خلّفت أوضاعا اجتماعية واقتصادية شديدة التعقيد، وقد يؤدي تراكم النزاعات غير المحلولة إلى زيادة التوتر داخل المجتمع.
ومن هنا، يمكن للوساطة أن تساهم في منع تحول الخلافات اليومية إلى نزاعات أكثر تعقيدا، خصوصا في المجتمعات التي تعيش أصلًا تحت ضغط النزوح والفقر وفقدان الموارد.
وفي الوقت ذاته، لا ينبغي النظر إلى الوسائل البديلة باعتبارها بديلا مطلقا عن القضاء. فهناك قضايا وحقوق لا يمكن اختزالها في اتفاق بين طرفين، كما أن بعض النزاعات تتطلب حكما قضائيا وإجراءات رسمية تضمن حماية الحقوق والمساءلة.
لذلك فإن تطوير الوسائل البديلة ينبغي أن يسير بالتوازي مع إعادة بناء منظومة العدالة الرسمية وليس على حسابها.
وتحتاج غزة، في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، إلى منظومة متعددة المسارات لحل النزاعات، تجمع بين القضاء الرسمي والوساطة والتحكيم والمساعدة القانونية، فكلما اتسعت قنوات الوصول إلى العدالة، زادت قدرة المواطنين على حماية حقوقهم وحل خلافاتهم.
في قطاع أنهكته الحرب، قد لا تكون العدالة مرتبطة فقط بوجود مبنى للمحكمة، وإنما أيضا بقدرة الناس على الوصول إلى حل عادل وفعال لنزاعاتهم. وهنا تتحول الوسائل البديلة من خيار إضافي إلى إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد المجتمع على استعادة قدرته على إدارة خلافاته، إلى جانب إعادة بناء مؤسسات العدالة الرسمية.