المنهاج الفلسطيني في عصر الذكاء الاصطناعي

29/09/2026

كتب ثروت زيد الكيلاني: طفل في سنواته الأولى، لم يتعلم القراءة بعد، يسأل الذكاء الاصطناعي عن أشياء قد يعجز والداه عن الإجابة عنها. لا يقرأ، لكنه يتعلم. لا يحمل كتابا، لكنه يدخل إلى المعرفة. وقد يجد إجابة أسرع وأوسع مما يستطيع محيطه الأسري توفيره.

قد يبدو المشهد عابرا، لكنه يكشف تحولا عميقا: المعرفة لم تعد تنتظر المدرسة، ولا حتى القراءة، كي تصل إلى الإنسان. وإذا كان الطفل يستطيع أن يدخل إلى فضاء المعرفة قبل أن يتعلم القراءة، فإن السؤال التربوي لم يعد متى ندخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة، وإنما كيف نعيد بناء التعليم في عالم تغيرت فيه شروط التعلم والمعرفة نفسها.
أولاً: من أداة جديدة إلى تحول في وظيفة التعليم
الذكاء الاصطناعي أداة جديدة في التعليم، لكنه في الوقت نفسه يعيد تشكيل البيئة التي يحدث فيها التعلم. فهو يغير كيف يصل الإنسان إلى المعرفة، وكيف يسأل عنها، ويفحصها، وينتجها، ويستخدمها في اتخاذ القرار. ومع هذا التحول تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة، وبين المعلم والمحتوى، وبين المدرسة والعالم.
وهنا يعود السؤال إلى أي إنسان نريد أن نبني؟ وما المعرفة التي يحتاجها؟ وما القدرات التي ينبغي أن يمتلكها في عالم تستطيع فيه الآلة أن تجيب وتلخص وتنتج وتترجم وتقترح خلال لحظات؟
فالمنهاج، في جوهره، يتجاوز قائمة من المفاهيم والمعارف والمواد الدراسية، ليجسد تصور المجتمع للإنسان والمعرفة والقيم والمستقبل. لذلك يبدأ مستقبل المنهاج في عصر الذكاء الاصطناعي بإعادة النظر في خبرات التعلم التي يحتاجها الإنسان، ويمتد إلى بناء قدرته على السؤال والفهم والتحليل والتحقق والمقارنة وبناء الحجة والتجريب والإنتاج والحكم.
وفي عالم تتغير فيه المعرفة وطرائق إنتاجها أسرع من دورات بناء المناهج ومراجعتها، لم يعد كافيا أن ننظر إلى المنهاج بوصفه بناء مكتمل العناصر ينتظر المراجعة بعد سنوات، وإنما يحتاج إلى أن يصمم منذ البداية بوصفه منظومة تعلم قابلة للتجدد، تحافظ على غاياتها ومرجعياتها، وتجدد محتوياتها ومواردها وخبراتها في ضوء البحث والميدان والتحولات الجديدة.
وبناء المنهاج مسؤولية وطنية، يترجم خيارات المجتمع وأولوياته إلى خبرات تعلم تتشكل في حياة الطلبة. وفي الحالة الفلسطينية، تزداد هذه المسؤولية وضوحا؛ فالتعليم يحتاج إلى أن يظل راسخا في الهوية والمرجعيات والقيم، ومنفتحا على المعرفة العالمية، وقادرا على خدمة أولويات التحرر والتنمية وبناء الإنسان، وإعداد أجيال تعي واقعها، وتقرأ تحولاته بعمق، وتشارك في صياغة مستقبله، وتصون خصوصيته.
المقصود هنا تجاوز إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المنهاج بوصفه أداة جديدة داخل بنية تعليمية قائمة، وإعادة النظر في تجربة التعلم نفسها: ما الذي يحتاج إلى حضور المعلم، وما الذي يمكن أن تدعمه البيئة الرقمية، وما الذي ينبغي أن يحدث داخل الصف وخارجه، وكيف تتكامل هذه المساحات في خبرة تعلم واحدة.
وفي ظل الجهود الجارية لإعادة النظر في المنهاج الفلسطيني وإعداد إطار وطني جديد، تبرز الحاجة إلى بوصلة وطنية واضحة توجه هذا المسار، وتحدد غاياته ومرجعياته وأولوياته، وتستوعب منذ الآن التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. وبوصلة كهذه تتيح الإفادة من الخبرة العالمية وتكييفها مع احتياجاتنا، مع بقاء القرار التربوي واتجاه المنهاج ومعناه نابعين من فلسطين.
ثانياً: المتعلم في عصر الإجابة الجاهزة
حين تصبح الإجابة متاحة خلال ثوان، تتغير قيمة المعرفة في التعلم؛ فالمعيار الأهم يصبح قدرة المتعلم على التعامل معها: صياغة السؤال، وفهم السياق، وفحص المصدر، واكتشاف الخطأ والتحيز، والمقارنة، وبناء الحجة، وتجريب البدائل، واتخاذ القرار. وبذلك ينتقل تصميم المنهاج تدريجيا من التركيز على مقدار المحتوى الذي ينبغي تغطيته إلى نوع التعلم الذي ينبغي أن يحدث لدى المتعلم، والخبرات التي تبني قدرته على الفهم والتحليل والإنتاج والحكم.
ومع هذا التحول، تصبح سيادة القرار المعرفي غاية تربوية تتصل بقدرة المتعلم على اختيار المعرفة والتحقق منها والحكم عليها وإنتاجها، وعلى الإفادة من المعرفة العالمية مع امتلاك القدرة على تفسيرها في سياقنا وتوظيفها في معالجة أسئلتنا واحتياجاتنا.
وتتطلب سيادة القرار المعرفي وعيا بشروط المعرفة ومعاييرها: من يحدد ما يصل إلينا، وكيف ترتب المعرفة وتقدم، وما الذي يجعل إجابة ما موثوقة، وما البيانات التي تستند إليها النظم الذكية، وما الحدود التي ينبغي أن تحكم استخدامها. فاختيار المعرفة والحكم عليها يرتبطان بفهم البيئة التي تشكلها والمعايير التي تمنحها قيمتها.
وتمنح البوصلة الوطنية للمعرفة هذا القرار اتجاهه؛ فتوجه الاختيار والبحث نحو أولويات المجتمع وخصوصية فلسطين ومستقبل أجيالها، مع انفتاح واع على المعرفة الإنسانية. فالقيمة المعرفية لا تقاس بامتلاك أكبر قدر من المعرفة، وإنما بقدرتنا على تحديد ما نحتاج إليه، وفهم أسبابه، وتوظيفه في بناء القدرة والإنتاج.
ثالثاً: المعلم والتقويم من جديد
يتغير دور المعلم مع تغير علاقة المتعلم بالمعرفة، ويظل جوهر دوره فيما يضيفه إلى التعلم من معنى إنساني وفكري؛ فهو يبني السؤال، ويصمم خبرة التعلم، ويقرأ تفكير المتعلم، ويناقش الأدلة، ويكشف الالتباس، ويوجه الحوار، ويساعد الطالب على بناء موقف معرفي يستطيع الدفاع عنه. ولا يدخل المعلم في منافسة مع الآلة في سرعة الاستجابة، فالقيمة التي يضيفها تتصل ببناء الفهم، وتنمية التفكير، وتوجيه الحكم، وصناعة المعنى.
ويفتح الذكاء الاصطناعي مجالا للانتقال من التعليم الموحد في مساره وسرعته إلى تعلم أكثر تفريدا، يستجيب للفروق بين المتعلمين واحتياجاتهم وقدراتهم، ويتيح للمعلم إمكانات أوسع في التخطيط وإنتاج المحتوى وتحليل أعمال الطلبة ومتابعة تقدمهم. وتبقى القيمة التربوية لهذه الإمكانات مرتبطة بما تضيفه إلى تعلم الإنسان وقدرته، وبمدى إسهامها في بناء تعلم أكثر عمقا وفاعلية.
وهذا التحول يقتضي إعادة بناء التطوير المهني للمعلم، بحيث تتسع قدرته على قراءة المحتوى الذي تنتجه النظم الذكية ونقده والتحقق منه، واختيار ما يلائم أهداف التعلم وخصوصية المتعلمين، إلى جانب تطوير معارفه التربوية والرقمية في تصميم التعلم والتقويم، وفهم حدود الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات استخدامه، وحماية خصوصية المتعلمين.
أما التقويم، فيحتاج إلى التحول من استرجاع إجابات تستطيع الآلة إنتاجها بسهولة إلى الكشف عن الفهم والتفكير والتحليل والتطبيق والإنتاج، وعن قدرة المتعلم على تفسير اختياراته والدفاع عنها، وتحليل الأخطاء، ونقد مخرجات الذكاء الاصطناعي. وهنا يصبح السؤال الحاسم: هل أنجز الطالب المهمة، أم تعلم فعلا؟
رابعاً: من المنهاج المتجدد إلى المنظومة الوطنية
تدخل فلسطين هذا التحول وهي تحمل أزمات متراكمة في التعليم والاقتصاد والمؤسسات والمجتمع. وفي الوقت الذي نحاول فيه معالجة تحديات قائمة، تتقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتتسع قدرة الدول والمجتمعات الأكثر امتلاكا للموارد والمعرفة على تطويرها وتحديد شروطها ومعاييرها.
وتفرض سرعة هذا التحول على الأنظمة التعليمية أن تستعد له قبل أن تتسع الفجوات القائمة؛ فضعف الاستعداد قد يفتح فجوة جديدة في الذكاء الاصطناعي، ويزيد الاعتماد على معرفة وتقنيات لا نملك شروط إنتاجها أو معايير الحكم عليها، ويدخل إلى المدرسة أدوات جديدة قبل أن تتوافر لها القدرة التربوية والمؤسسية على توجيهها.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إطار وطني لمنظومة التعليم يعيد وصل فلسفة التعليم وغاياته ومرجعياته وسياساته بالمناهج والممارسة التعليمية، ويتضمن إطارا وطنيا للمناهج يحول هذه المرجعيات إلى غايات تعلم وكفايات وخبرات قابلة للتجدد. فالتحولات المتسارعة في المعرفة، وما يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانات جديدة للتعلم، تقتضي منهاجا مرنا قادرا على تجديد خبرات التعلم، واستيعاب الفروق بين المتعلمين، وفتح مسارات أكثر تنوعا أمامهم، مع بقاء الغايات والمرجعيات الوطنية ناظمة لهذا التجدد. وبذلك يتكامل الإطار الوطني والمنهاج والممارسة والتقويم ضمن منظومة قادرة على التعلم والتجدد، ويصبح الذكاء الاصطناعي مجالا لتوسيع قدرة التعليم على التطور، لا قوة تحدد اتجاهه.
ويحتاج هذا الإطار إلى سياسات وتشريعات وموارد تؤسس بيئة تعليمية ورقمية قادرة على الاستجابة والتحول، وتصون البيانات والخصوصية، وتضمن مراجعة المنهاج وتطويره في ضوء الأدلة والبحث والميدان. ويحتاج كذلك إلى قدرة وطنية على الرصد والاستشراف، ترصد التحولات في المعرفة والمجتمع والتكنولوجيا، وتستبق آثارها قبل أن تتحول إلى فجوات في التعلم أو تبعية في إنتاج المعرفة. ويقوم تجدد المنهاج على بناء متدرج يتعلم من الخبرة، ويختبر أثره في الميدان، ويراجع ممارسته، ويصحح مساره، ويضيف إلى ما تحقق دون انقطاع؛ بحيث يصبح التغيير قدرة مؤسسية مستدامة في حياة المنهاج، لا استجابة مؤقتة لكل موجة جديدة.
وتتجسد السيادة التربوية في أن يبقى هذا التجدد نابعا من فلسطين، منفتحا على المعرفة الإنسانية ومستفيدا من الخبرة الدولية، مع قدرة وطنية على الاختيار والتكييف وإعادة البناء. وبهذا يدخل الذكاء الاصطناعي في مسار نملكه ونوجهه، وتظل مرجعية المنهاج ومعناه واتجاهه بيدنا.
خامساً: مجتمع الخبرة وأجندة المستقبل
يحتاج الإطار الوطني للتعليم والمناهج إلى مجتمع خبرة وطني ذي وظيفة استشارية، يستند إلى تراكم المعرفة والتجربة في التعليم وما يتصل به، ويقدم للقطاع التحليل والمشورة في قضاياه وسياساته ومناهجه وتوجهاته. وتكمن قيمته في وصل الخبرة بالبحث، وإبقاء القرار التربوي على صلة بما ينتجه الميدان من معرفة وأسئلة.
ومع الذكاء الاصطناعي وتسارع المعرفة، تبرز الحاجة إلى أجندة بحثية فلسطينية تستجيب لأسئلة التعليم الفعلية، وترصد ما يستجد في التعلم والتعليم والمناهج واللغة وإنتاج المعرفة، وتحول نتائج البحث إلى معرفة قابلة للاستخدام في صياغة السياسات والتشريعات ومراجعتها. وتكتسب الأجندة البحثية قيمتها حين تتحول نتائجها إلى مدخلات للقرار، فيصبح القرار أكثر استنادا إلى الدليل وأقدر على الاستعداد للمستقبل.
وتمنح البوصلة الوطنية لهذا المسار اتجاهه، فتصل الخبرة بالبحث، والبحث بالقرار، والاستشراف بالأولويات الفلسطينية. وبهذا يغدو مجتمع الخبرة رافدا استشاريا مستداما للتعليم، يسهم في فهم الذكاء الاصطناعي وتوجيه حضوره، ويدعم بناء خيارات تربوية تستند إلى معرفة فلسطينية ومنفتحة على الخبرة الإنسانية.
سادساً: البوصلة قبل الأداة
الاستعداد الحقيقي لا يكون بملاحقة كل جديد، وإنما بامتلاك القدرة على فهمه، واختيار ما يلائمنا، وتحديد شروط استخدامه، ومراجعة أثره. والاستعداد الاستباقي في جوهره حكمة تربوية: أن نبحث قبل أن نقرر، ونبني القدرة قبل أن نقتني الأداة، ونحدد الغاية قبل الوسيلة.
لقد بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل حياة الطفل قبل أن يدخل المدرسة، وربما قبل أن يعرف الطفل معنى المدرسة نفسها. ومن هنا تتحدد مسؤولية المنهاج الفلسطيني في أن يبني إنسانا يعرف واقعه وتاريخه، يصون روايته وهويته، ويمتلك القدرة على السؤال والتفكير والتحقق وإنتاج المعرفة، ويستخدم التقنية دون أن يتنازل لها عن حقه في التفكير والاختيار.
بدأ المسار بطفل يسأل الذكاء الاصطناعي قبل أن يعرف القراءة؛ وينبغي أن ينتهي بإنسان يعرف لماذا يسأل، وكيف يحكم، وما الذي يختار، ولأي غاية يستخدم قدرته. فمستقبل المنهاج لا تحدده الأدوات التي تدخل إلى حياة الطفل، وإنما الإنسان الذي نبنيه بها، والمعرفة التي نمنحه القدرة على إنتاجها، والبوصلة التي تحفظ هويته واتجاهه وهو ينفتح على العالم.