هارون بشاره يكتب لوطن: إقحام "المقدس" في خدمة التطهير العرقي

29/09/2026

 ليست الصدفة هي التي جعلت هجمات المستوطنين تتنقل كالنار في الهشيم بين قرى شرق رام الله وجنوب نابلس في آن واحد. فمن اقتحام قرية أبو فلاح وحرق مركبة ومحاولة إحراق منزل على أصحابه، إلى الاعتداء المتزامن الذي طال قرية جالود، وصولاً إلى ليلة الرعب في قرية المغير؛ حيث أُحرقت ست مركبات ونال المنزل الذي خُطّت عليه الشعارات نصيبه من الحرق الجزئي.. كل شيء يفصح عن خطة متكاملة المعالم، لا تكتفي بفرض واقع ميداني أو مصادرة مساحة جغرافية، بل تسعى بشكل صريح إلى إقتلاع الوجود الفلسطيني برمتِه من هذه القرى.

غير أن التطور الأشد إيلاماً وخطورة في مجريات أحداث المغير، لا يقف عند حدود النيران التي التهمت الحديد والشجر والحجر، بل يتجلى في العبارة التي خُطت بالعبري تحت نافذة المنزل المحترق جزئياً: "לא מפרקים סוכה" (لا نُفكّك العريشة).
هنا تحديداً، نكون أمام لحظة مكشوفة من السقوط الأخلاقي؛ حيث يُستجلب النص والرمز الديني قسراً لشرعنة الجريمة، وتُغلف محاولات التطهير العرقي بلبوس عقائدي "مقدس".
مسخ الطقس العبادي إلى سلاح أيديولوجي
تزامن هذا الهجوم مع عيد العرش (سوكوت)، وهو المناسبة التي يقيم فيها اليهود عريشة مؤقتة ("السوكة") تُستخدم للطقوس والتعبّد، ويُحظر في الفقه التلمودي تفكيكها طوال أيام العيد السبعة. غير أن هؤلاء المتطرفين لم يتعاملوا مع "السوكة" كرمز ديني للعباده أو الإيمان، بل قاموا بتجريدها من معناها الأخلاقي وتطويعها كسلاح أيديولوجي وميداني حاد.
لقد قاموا بسحب هذا المحظور الديني المتعلق بالعريشة وإسقاطه مجازياً على وجودهم الاستيطاني، وعلى البؤر والخيام التي ينصبونها على أراضي القرى. وبدلاً من أن تكون العريشة طقساً تعبدياً مؤقتاً، أصبحت شعاراً لإضفاء "القدسية" على الباطل؛ وكأن حرق المنازل والمركبات، وإرهاب الأطفال، والتضييق على القرى، والاعتداء على الزيتون، أضحت مجتمعة "واجبات إلهية" يُحرم التراجع عنها أو تفكيكها.
إن هذا الاقتران الصريح بين حرق البيوت والمركبات وبين كتابة الشعارات المستمدة من المناسبات الدينية يمثل تطوراً أيديولوجياً على غاية من الخطورة؛ فهو محاولة مكشوفة لتجريد الجريمة من بشاعتها الضميرية والضمور الأخلاقي. فحين يُغلف الترهيب  بغلاف ديني، يحاول المعتدي إيهام نفسه ومجتمعه بأنه لا يرتكب "جريمة ضد الإنسانية"، بل يؤدي "واجبات عقائدية". هذا التوظيف يُجرد المستوطن المعتدي والمجتمع الذي يدعمه من أي رادع إنساني، ويمنحه غطاءً داخلياً لممارسة أفظع أشكال العنف دون أدنى شعور بالذنب أو المساءلة الأخلاقية.
الانزلاق الأخلاقي: الجريمه باسم "المقدس"
تتفق كافة الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية الجامعة على حرمة الاعتداء على الأبرياء، وحرق البيوت والممتلكات، وسلب حقوق الإنسان في أرضه وبيته. وإن التذرع بمصطلحات دينية لبرير إحراق السيارات وترهيب العائلات الآمنة في بيوتها هو تسويف أخلاقي ومنافاة صارخة لأبسط القيم الإنسانية.
حين يصبح "الرمز الديني" أداة تُستخدم لتغطية آثام حرق منزل وسياره في أبو فلاح بالامس، أو حرق ست سيارات ومنزل في المغير اليوم وبالتزامن اعتداءات وحرق في جالود، فإن الدين هنا يُسلب جوهره الأخلاقي، ليحل محله خطاب استعلائي يرسم الآخر الفلسطيني كعائق أمام "الواجب المقدس"، مما يشرعن سحقه وإزالته بكل الأساليب الفاشية.
من مصادرة الأرض إلى التطهير العرقي المباشر
عند قراءة هذه الشعارات في سياق الجغرافيا الميدانية الممتدة بين رام الله ونابلس تحديدا والضفه الغربيه عموماً، يتضح السبب الرئيسي خلف هذا الشحن العقائدي. ففي ظل سيطرة التجمعات الاستيطانية المجاورة (مثل "جوش شيلو" والبؤر التابعة لها) على معظم التلال والأراضي الفاصلة بين القرى، لم يعد الهدف الاستيطاني اليوم يقتصر على مصادرة اراضي هنا أو اقتطاع قمة جبل هناك؛ لقد تجاوز المخطط مرحلة نهب الأرض إلى مرحلة التهجير القسري المباشر والتطهير العرقي للقرى.

هدفهم اليوم هو إحالة حياة السكان المحليين في المغير وغيرها إلى ظروف طارده غير قابلة للحياة، عبر جعل كلفة بقاء الفلسطيني في أرضه هي النيران، والترهيب، والاعتداءات اليومية المتواصلة، لدفع الناس إلى الرحيل القسري. ويأتي استجلاب الشعار الديني ليُضفي على عملية التطهير العرقي هذه "شرعية عقائدية" تجعل ارهاب المستوطنين أكثر شراسة وعنفاً.
إن حرق السيارات في المغير، ومحاولات إحراق المنازل في أبو فلاح، والاعتداءات المتزامنة على جالود، ورش الشعارات المستمدة من التراث الديني، ليست مجرد سلوكيات انفعالية أو تصرفات عشوائية؛ بل هي استراتيجية تطهير عرقي ممنهجة تُحاول التستر خلف عباءة الدين.
إن التصدّي لهذه الظاهرة الخطيرة يتطلب منا تعرية هذا الانحطاط الأخلاقي والتوظيف الديني الخبيث أمام العالم، وإثبات أن استجلاب الدين لتبرير التطهير العرقي وإرهاب المدنيين هو اعتداء صارخ على الإنسانية، وأن صمود الأهالي وثباتهم في حقولهم ومنازلهم هو الرد الميداني والأخلاقي الحقيقي الذي يُسقط كل هذه الشعارات.