
كتب اسماعيل جمعة الريماوي: عندما يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، سيكونون قد عاشوا أكثر من ثلاث سنوات منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في واحدة من أطول الفترات العسكرية المتواصلة والأكثر اتساعاً في تاريخ إسرائيل، وفي ظل حرب امتدت إلى أكثر من جبهة، وأعادت الأمن والجيش إلى قلب الحياة السياسية الإسرائيلية، وهذه الانتخابات ستكون الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر، ما يجعلها اختباراً سياسياً مختلفاً عن الانتخابات السابقة، ليس فقط بسبب الصراع على السلطة، وإنما بسبب الأسئلة التي فرضتها سنوات الحرب على المجتمع الإسرائيلي نفسه.
الحرب الطويلة غيّرت أولويات الناخب الإسرائيلي. فالأمن الذي كان دائماً أحد العناوين الأساسية في الانتخابات الإسرائيلية أصبح أكثر حضوراً، لكن المفارقة أن ارتفاع أهمية الأمن لم يؤد بالضرورة إلى ارتفاع الثقة بالقيادة السياسية، فالمؤسسة العسكرية ما زالت تتمتع بمستوى مرتفع من الثقة، بينما تبدو الثقة بالمستوى السياسي أقل بكثير ، وفي أبريل/نيسان 2026، أظهر استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي أن 78 في المئة من الإسرائيليين أعربوا عن ثقة مرتفعة بالجيش، مقابل مستويات أقل بكثير من الثقة بالمؤسسات والشخصيات السياسية.
وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات إسرائيل بعد السابع من أكتوبر: الجيش الذي يمثل عنوان القوة والأمن ما زال يحظى بثقة واسعة، بينما أصبحت السياسة نفسها موضع مساءلة أكبر ، وهذه الفجوة يمكن أن تفسر جزئياً لماذا أصبحت الشخصيات ذات الخلفية العسكرية أكثر حضوراً في المشهد الانتخابي، ولماذا يحاول عدد من الجنرالات والقادة السابقين تقديم أنفسهم للناخبين بوصفهم أصحاب خبرة مباشرة في إدارة الملفات الأمنية.
فصعود غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، إلى مركز المنافسة السياسية ليس حدثاً منفصلاً عن هذه البيئة ، كما ظهرت قوى سياسية جديدة تستند بصورة واضحة إلى خبرات العسكريين والاحتياط، في محاولة لتحويل تجربة سنوات الحرب والخدمة العسكرية إلى رصيد سياسي ، وحتى أحزاب جديدة دخلت السباق الانتخابي وهي تقدم شخصيات عسكرية سابقة باعتبارها جزءاً من تصورها للمرحلة المقبلة.
لكن السؤال الأهم هنا ليس ما إذا كان الإسرائيليون يريدون الجيش في السياسة، وإنما لماذا أصبحت الخلفية العسكرية مرة أخرى مصدراً مهماً للشرعية السياسية؟
الإجابة ترتبط بطبيعة المرحلة ، فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد المسألة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي مجرد كيفية خوض حرب جديدة، بل كيفية إدارة واقع أمني دائم، وكيفية اتخاذ القرارات في ظل تعدد الجبهات، وكيفية التعامل مع آثار الحرب على المجتمع والاقتصاد والجيش والاحتياط والعلاقات الدولية ، ولذلك فإن الناخب الذي ينظر إلى سنوات الحرب قد لا يبحث فقط عن السياسي الأكثر تشدداً فقط ، وإنما عن الشخص الذي يعتقد أنه يمتلك الخبرة اللازمة لإدارة هذه المرحلة المعقدة.
غير أن انتقال الثقة من السياسي إلى العسكري يعني أن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو اليمين والتعطش لسفك الدماء ، هذه نقطة أساسية في قراءة الانتخابات المقبلة ، فالقادة العسكريون الذين دخلوا السياسة لا يمثلون بالضرورة تياراً سياسياً واحداً، وبعضهم يحمل مواقف أمنية متشددة، والاختلاف بينهم وبين نتنياهو قد يكون في أسلوب إدارة الملفات، وفي ترتيب الأولويات، وفي العلاقة بين المؤسسة السياسية والأمنية، أكثر مما هو اختلاف جذري حول مفهوم القوة العسكرية أو الأمن الإسرائيلي.
ولهذا فإن الانتخابات المقبلة قد تكون اختباراً لأكثر من شخص ، إنها اختبار للنموذج السياسي الذي حكم إسرائيل خلال سنوات الحرب، واختبار للعلاقة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية، واختبار لقدرة النظام السياسي على استعادة الثقة بعد واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ الدولة.
فالسؤال الذي يطرح نفسه داخل إسرائيل لم يعد فقط: من يستطيع أن يقود الحرب؟ وإنما أيضاً: من يستطيع أن يدير اليوم التالي للحرب؟ ومن يستطيع أن يعيد بناء الثقة بين المجتمع والسلطة؟ ومن يستطيع أن يتخذ قرارات أمنية كبرى من دون أن تتحول المؤسسة العسكرية إلى بديل عن القرار السياسي؟
وهنا تدخل الديمقراطية نفسها إلى قلب النقاش الأمني ، فمعهد الديمقراطية الإسرائيلي يرى أن الانتخابات المقبلة ستجري في ظل علاقة شديدة التشابك بين الأمن والديمقراطية الزائفة ، بعد سنوات من الانقسامات الداخلية والحرب ومحاولات إعادة تشكيل مؤسسات الحكم، وأن التحدي أمام القيادة المقبلة لا يقتصر على استخدام القوة العسكرية، وإنما يشمل أيضاً كيفية اتخاذ القرارات ومن يملكها ومدى خضوعها للمساءلة.
ولذلك فإن طول الحرب قد ينتج مفارقة أخرى: كلما ازدادت مكانة الجيش في نظر الجمهور، ازدادت الحاجة إلى التأكيد على أن الجيش لا يملك القرار السياسي، وأن المسؤولية النهائية عن الحرب والسلام والسياسة الخارجية والأمنية تبقى بيد القيادة السياسية المنتخبة ، فالاعتماد على الجنرالات كرموز للخبرة والكفاءة الأمنية يمكن أن يعكس أزمة ثقة بالسياسة، لكنه لا يحل بالضرورة الأزمة السياسية نفسها.
كما أن المجتمع الإسرائيلي لا يدخل الانتخابات موحداً خلف رؤية واحدة ، هناك انقسامات حول الحرب، والدين والدولة، والخدمة العسكرية، والاقتصاد، وطبيعة النظام السياسي، ومستقبل العلاقة بين المؤسسات، إلى جانب ادارة الخلافات بين اليمين والوسط واليسار، ولذلك سيكون من الصعب اختزال الانتخابات في استفتاء بسيط على شخص بنيامين نتنياهو وحده.
ومع ذلك، يبقى نتنياهو في مركز المعركة السياسية بحكم موقعه الطويل في الحكم ومسؤوليته السياسية عن المرحلة التي بدأت في السابع من أكتوبر، وقد أشارت تقارير انتخابية إلى أن الحرب وما رافقها من أحداث أضعفت صورته الأمنية لدى قطاعات من الناخبين، في وقت ما زال فيه الأمن نفسه يحتل موقعاً مركزياً في حساباتهم.
وهذه هي المفارقة الكبرى التي سترافق الانتخابات: المجتمع الذي يثق بالجيش بدرجة كبيرة قد لا يمنح هذه الثقة نفسها للسياسيين الذين يديرون الدولة ، ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا أصبحت الخلفية العسكرية ورقة انتخابية مهمة، ولماذا يحاول مرشحون من اتجاهات سياسية مختلفة تقديم أنفسهم باعتبارهم رجال خبرة وأمن، لا مجرد سياسيين تقليديين.
لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً حتى يوم الاقتراع هو: هل يريد الإسرائيليون تغيير القيادة فقط، أم يريدون تغيير طريقة إدارة الدولة والحرب؟ وهل ستكون الانتخابات بحثاً عن وجه جديد للقيادة، أم بحثاً عن استراتيجية جديدة؟ وهل يستطيع السياسيون ذوو الخلفية العسكرية أن يقدموا تصوراً يتجاوز إدارة الحرب إلى معالجة أسباب الأزمة ونتائجها؟
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد الحرب مجرد خلفية للانتخابات الإسرائيلية؛ لقد أصبحت جزءاً من تكوينها السياسي ، فالجيش، والاحتياط، والضحايا، والرهائن، والجبهات المتعددة، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، والخلافات الداخلية، كلها ستدخل إلى صندوق الاقتراع مع الناخب.
ولهذا فإن انتخابات أكتوبر قد تكشف تحولاً مهماً في السياسة الإسرائيلية: ليس بالضرورة انتقالاً من اليمين إلى اليسار، ولا من الحرب إلى السلام، وإنما انتقالاً من الثقة بشخصية سياسية إلى البحث عن نموذج قيادة جديد ، وربما يكون هذا هو السؤال الأعمق الذي تفرضه سنوات الحرب الطويلة: عندما يفقد السياسي جزءاً من رصيده، ويحتفظ الجيش بثقة واسعة، هل يبحث المجتمع عن سياسي جديد، أم عن سياسي يحمل معه صورة الجنرال؟
في النهاية، لن يكون الاختبار الحقيقي في عدد الجنرالات الذين يدخلون الكنيست، بل في قدرة القيادة التي ستنبثق عن الانتخابات على الفصل بين القوة العسكرية والقرار السياسي، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وتحديد أهداف قابلة للتحقق، وإنهاء حالة الحرب الدائمة التي جعلت الأمن الإسرائيلي عنواناً دائماً للسياسة، وأصبح معها السؤال عن مستقبل الدولة مرتبطاً بالسؤال عن مستقبل الحرب نفسها.