تعلم وتعليم الكبار: حين يصير التعليم بيتاً واحداً… رؤية فلسفية استشرافية

28/09/2026

كتب نسيم قبها:  لا يمكن الحديث عن تعلم وتعليم الكبار حديثاً يحمل معنى التمكين والتعلم المستدام مدى الحياة، بمعزل عن حال التعليم العام؛ فالارتباط بينهما عضوي لا تجزيئي، كالارتباط بين الجذر والثمرة، أو بين النهر ومصبه. إن أي محاولة لإصلاح وتطوير منظومة تعليم الكبار بمعزل عن إصلاح التعليم العام هي محاولة لبناء طابق ثانٍ على أساس متصدع. التعليم منظومة واحدة، إما أن تكون حية متجددة، أو جامدة متآكلة.

التعليم بوصفه حقاً وجودياً لا خدمة عرضية

لطالما نظرت الفلسفات التربوية الكبرى إلى التعليم لا كخدمة تُقدَّم، بل كحق وجودي يصنع الإنسان. من "التربية كفعل حرية" عند باولو فريري، إلى "التعلم مدى الحياة" عند إدغار موران، إلى "رأس المال البشري" عند الاقتصاديين التنمويين، يتقاطع الجميع على حقيقة: التعليم ليس مرحلة عمرية، بل حالة وجودية مستمرة.

وهنا تكمن جوهر فلسفة تعلم و تعليم الكبار: إنه ليس تعويضاً عن فوات، بل استثمار في حاضر متجدد. إنه انتقال من "محو الأمية" بمعناها الضيق إلى "محو العجز" بمعناه الواسع؛ عجز الفرد عن فهم ذاته، وعجز المجتمع عن إنتاج معرفته، وعجز الأمة عن امتلاك مستقبلها.

من الأندروجوجيا إلى علم التعلم مدى الحياة

لقد أسست الأندروجوجيا (تعليم الكبار) مبدأً جوهرياً: أن الكبار يتعلمون حين يرون المعنى، لا حين يُفرض المحتوى. غير أن هذا المبدأ لا يصح أن يبقى حبيس تعليم الكبار؛ إنه صالح للتعليم كله. فالطفل أيضاً يتعلم حين يرى المعنى. وهكذا يتحول تعليم الكبار من حقل خاص إلى مختبر رائد يُلهم التعليم العام ليصبح تعلم مستدام.

إن ما نسميه اليوم "علم التعلم مدى الحياة" ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو الفلسفة التربوية القادرة على توحيد مسار التعليم من الطفولة إلى الشيخوخة. إنه ينسف الفصل المصطنع بين "زمن التعلم" و"زمن العمل"، وبين "المدرسة" و"الحياة". وكما قال جون ديوي: "التربية ليست إعداداً للحياة، بل هي الحياة نفسها."

وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة التراث التربوي العربي والإسلامي بروح جديدة؛ فمفهوم "طلب العلم من المهد إلى اللحد" ليس شعاراً بلاغياً، بل هو جوهر رؤية إسلامية للتعلم المستدام. وما "الرحلات في طلب العلم" قديماً إلا صورة رائدة للتعلم مدى الحياة. إن استعادة هذا الوعي الجذري كفيلة بمنح مشروعنا التربوي العربي عمقاً حضارياً وأصالةً معرفية، بدل الاستيراد المتكرر للنماذج الجاهزة.

التمكين: جوهر المشروع التربوي العربي

في السياق العربي، يكتسب تعلم وتعليم الكبار بعداً تحررياً خاصاً. فمجتمعاتنا تعيش تحولات كبرى: رقمية، واقتصادية، وقيمية. والفرد العربي الذي لا يمتلك أدوات التعلم المستدام يجد نفسه خارج التاريخ، لا في هامشه فقط. لذلك، فإن تعلم وتعليم الكبار في نسخته الحديثة هو مشروع تمكين: تمكين المرأة، وتمكين الشباب، وتمكين المجتمعات المحلية، وتمكين الأمة من إنتاج معرفتها بدل استهلاكها.

لكن هذا التمكين لا يتحقق إلا إذا أُعيد تعريف التعليم العام نفسه: من تعليم للتلقين إلى تعليم للتفكير، ومن تعليم للمنافسة الفردية إلى تعليم للتضامن المجتمعي، ومن تعليم لسوق العمل إلى تعليم للحياة الكريمة.

رؤية استشرافية: نحو "مجتمع التعلم"

أستشرف مستقبلاً عربياً يقوم فيه "مجتمع التعلم" بدل "مجتمع المعرفة" فحسب. فالمعرفة وحدها لا تكفي؛ نحتاج إلى قدرة مجتمعية على التعلم المستمر، وإلى بنية تحتية للتعلم تمتد من المدرسة إلى الجامعة إلى مكان العمل إلى الفضاء الرقمي إلى المسجد والمركز الثقافي والنادي الرياضي.

في هذا المستقبل، يصبح المعلم ليس ناقل معرفة بل مهندس بيئات تعلم. ويصبح المتعلم ليس وعاءً يُملأ بل شريكاً في بناء المعنى. ويصبح تعليم الكبار ليس ملحقاً بالتعليم العام، بل قلبه النابض وذاكرته الحية ومختبره المستقبلي.

التعليم بيت واحد… فأين الجدران؟

إن الفصل بين تعلم وتعليم الكبار والتعليم العام هو أحد أكبر أخطاء السياسات التربوية العربية. فالطفل الذي يُعلَّم بلا معنى يصبح راشداً بلا دافعية. والراشد الذي لا يجد فرصة للتعلم المستدام يصبح مواطناً مهدوراً. والحل ليس في مضاعفة البرامج، بل في توحيد الفلسفة: فلسفة التعليم كحق، والتعلم كحياة، والتمكين كمصير.

آن لنا أن ندرك أن بناء الإنسان العربي لا يبدأ في الصف الأول ولا ينتهي عند باب الجامعة؛ إنه رحلة تمتد من المهد إلى اللحد. ومن هنا، فإن تطوير حقل تعلم وتعليم الكبار عربياً ليس خياراً تربوياً فحسب، بل هو شرط وجودي لنهضة عربية حقيقية.