
كتب اسماعيل الريماوي: أي وقاحة هذه التي تُمارس من فوق منبر الأمم المتحدة؟ وأي إهانة للعالم أن يُخاطَب ممثلو دوله بهذه اللغة؟
أن يقف بنيامين نتنياهو على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم يصف عشرات المندوبين الذين غادروا القاعة بـ«الجبناء أخلاقياً»، ويدعو من بقي منهم إلى المغادرة أيضاً، فهذه ليست مجرد عبارة في خطاب سياسي، بل مشهد يكشف إلى أي حد وصلت لغة التحدي والاستخفاف بالمؤسسات الدولية، فقد شهدت قاعة الجمعية العامة انسحاب أعداد كبيرة من الوفود مع بدء خطاب نتنياهو، بينما بقيت مقاعد كثيرة فارغة، قبل أن يهاجم نتنياهو المغادرين بهذه اللغة.
المشكلة هنا ليست في أن يختلف رئيس حكومة مع دول العالم، ولا في أن يدافع عن سياسات بلاده أو يرفض الاتهامات الموجهة إليها، الخلاف السياسي مشروع، والدبلوماسية بطبيعتها تقوم على اختلاف المواقف، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا يعني أن يتحول منبر المؤسسة التي يفترض أنها تمثل النظام الدولي إلى ساحة لمهاجمة ممثلي هذا النظام وإهانتهم ، ومن شخص مطلوب للعدالة الدولية كمجرم حرب ومن ممثل لدولة مارقة ترتكب الإبادة الجماعية.
الأمم المتحدة ليست ملكاً لدولة، ولا منصة خاصة بحكومة، ولا مسرحاً لمن يريد أن يفرض روايته بالقوة، إنها المؤسسة التي تجتمع تحت سقفها دول العالم، وتُطرح على منبرها القضايا التي تتعلق بالحرب والسلم والقانون الدولي وحقوق الشعوب كما يقال ، ولذلك فإن التعامل مع ممثلي الدول باعتبارهم «جبناء» لأنهم اتخذوا موقفاً سياسياً لا ينسجم مع موقف إسرائيل، يحمل دلالة أكبر من مجرد الكلمات التي قيلت.
لقد كان مشهد خروج الوفود في حد ذاته رسالة سياسية واضحة من دول اختارت ألا تستمع إلى خطاب من مجرم حرب ، بينما اختار نتنياهو أن يرد على هذا الاحتجاج بمزيد من التصعيد اللفظي، وهنا تبدو المفارقة: وفود تغادر القاعة احتجاجاً، وخطاب يهاجمها لأنها غادرت، فيما يتحول المنبر الدولي إلى مساحة مواجهة بين روايتين؛ رواية إسرائيل التي تقول إنها تدافع عن نفسها، ورواية دول ترى أن حجم الدمار والضحايا في غزة والسياسات الإسرائيلية في المنطقة لم يعد بالإمكان التعامل معها باعتبارها مجرد خلاف سياسي عابر.
لكن الأخطر من كل ذلك هو السؤال الذي يجب أن يُطرح على العالم نفسه: ماذا بقي من هيبة النظام الدولي إذا استطاع شخص كهذا ان يقف أمام الجمعية العامة وأن يخاطب ممثلي الدول بهذه الطريقة، ثم يستمر كل شيء وكأن شيئاً لم يكن ؟
ليست القضية في شخص نتنياهو وحده ، القضية في منظومة دولية تبدو عاجزة عن تحويل القانون الدولي وقرارات المؤسسات الدولية إلى قوة فعلية عندما يتعلق الأمر بحليف قوي تدعمه دول كبرى ، فحين تصبح قرارات الأمم المتحدة محل تحدٍّ، وحين تتكرر الحروب والانتهاكات بينما تبقى المحاسبة محدودة أو غائبة، فإن الخطر لا يقع على الفلسطينيين وحدهم، بل يمتد إلى فكرة النظام الدولي نفسها.
والأشد إيلاماً أن العالم الذي يفترض أن يحمي هيبة القانون يجد نفسه أحياناً مستمعاً إلى من يتحدى مؤسساته من فوق منبرها، وهنا لا يعود السؤال: هل كان نتنياهو وقحاً أم لا؟ بل يصبح السؤال الأكبر: هل ما زالت هناك هيبة حقيقية للمؤسسات الدولية، أم أن ميزان القوة أصبح أقوى من القانون، وأن قدرة الدول على فرض إرادتها باتت أهم من قرارات المنظمات التي أنشأها العالم لمنع منطق القوة؟
إن خروج الوفود من القاعة يمكن قراءته باعتباره احتجاجاً سياسياً، أما الكلمات التي وُجهت إلى من غادروا فتفتح باباً آخر يتعلق بمستقبل الدبلوماسية الدولية نفسها ، فإذا كان الاحتجاج داخل قاعة الأمم المتحدة يقابل بالإهانة، وإذا أصبح احترام المؤسسة الدولية لا يفرض احتراماً لمنبرها، فإن الأزمة لم تعد أزمة خطاب أو مسؤول، وإنما أزمة نظام كامل.
الأمم المتحدة اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع أن تحافظ على معنى وجودها وهي ترى منبرها يتحول إلى ساحة تحدٍّ، أم أن العالم سيعتاد تدريجياً على أن الأقوياء يستطيعون قول ما يشاؤون، وفعل ما يشاؤون، ثم الوقوف أمام ممثلي المجتمع الدولي لمهاجمتهم أيضاً؟
المشكلة ليست فقط فيمن يتطاول على العالم من فوق منبره، بل في عالم يُهان على منبره ثم يواصل الاستماع.
وهنا تحديداً تكمن المأساة: حين يصبح خرق القانون الدولي قابلاً للتبرير بالقوة، وإهانة ممثلي الدول قابلة للمرور دون ثمن سياسي حقيقي، فإن ما يتعرض للاهتزاز ليس فقط صورة الأمم المتحدة، بل فكرة العدالة الدولية ذاتها.
ومن هنا، فإن المشهد الذي شهدته قاعة الجمعية العامة لم يكن مجرد خروج وفود وبدء خطاب مثير للجدل ، كان صورة مكثفة لعالم تتراجع فيه هيبة المؤسسات الدولية أمام صعود منطق القوة، وتصبح فيه الأمم المتحدة مطالبة ليس فقط بإدارة الخلافات بين الدول، بل بالدفاع عن المعنى الذي قامت من أجله.
فإذا لم تستطع المؤسسة الدولية أن تحمي هيبة منبرها، فمن سيحمي هيبة القانون الدولي؟ وإذا أصبح بإمكان أي مسؤول أن يقف فوق هذا المنبر ليهين ممثلي الدول ويتحدى قرارات المجتمع الدولي، فالسؤال لم يعد عن وقاحة خطاب نتنياهو وحدها، بل عن مستقبل نظام دولي تُختبر هيبته أمام العالم… ويُترك العالم منتظراً الإجابة.