
بعد مرور واحد وعشرون سنة لم تجري فيها الانتخابات (التشريعية أو الرئاسية) في فلسطين (الضفة الغربية وغزة والقدس) جاء الاعلان الفلسطيني الصادر من الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن اجراء الانتخابات التشريعية في 28 من نوفمبر 2026، الا ان السؤال الذي يثور هو هل ستسمح الولايات المتحدة الامريكية ودولة الاحتلال بإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها؟
وهل حققت السلطة الفلسطينية ما طلب من قبل الإدارة الامريكية والاتحاد الأوروبي سابقاً من اجراء إصلاحات ومن ثم اجراء الانتخابات ام ان الهدف الحقيقي هو شطب النظام السياسي؟
في نفس السياق يأتي المنع الأمريكي للرئيس الفلسطيني للمرة الثانية من المشاركة في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في رسالة مبطنة وواضحة، (لا لدولة فلسطينية) في حين تصر القيادة الفلسطينية على اجراء الانتخابات في موعدها المعلن.
ان اجراء انتخابات المجلس التشريعي في موعدها في هذا التوقيت تحديداً ربما يكون المنفذ الوحيد المقدر للشعب الفلسطيني كما قدر لبني إسرائيل في اتباعهم لسيدنا موسى هرباً من فرعون اثناء عبروهم من البحر إلى بر الامان والذي يعبر بها الشعب الفلسطيني من خلال هذه العملية لحماية النظام السياسي الفلسطيني والتمسك في المشروع الوطني وذلك لعدة أسباب منها:
اولاً: الإدارة الامريكية فرضت حصار سياسي معلن على القيادة الفلسطينية وعملت على تعزيز الانقسام الداخلي وتسعى لعدم إتمام أي حوار وطني فلسطيني او مصالحة في سبيل تحطيم ما تبقى من النظام السياسي وشطب المشروع الوطني المتمثل في كافة الثوابت الفلسطينية.
ثانياً: اجراء الانتخابات التشريعية في موعدها بغض النظر عن النتيجة ومن الفائز هو التحدي الحقيقي المُلغي للمشروع الأمريكي في فلسطين سواء في قطاع غزة او الضفة الغربية، هذا المشروع الذي يفصل بشكل كامل ومكتمل الأركان لقطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس وإيجاد إدارة محلية تدير مرافق قطاع غزة دون برنامج وطني وبرؤية غير واضحة المعالم ويشكل امتداد لهذا المشروع على باقي الأراضي الفلسطينية.
ثالثاً: حماية النظام السياسي الفلسطيني اليوم لا يكون الا في إتمام العملية الديمقراطية وإعادة الشكل الطبيعي للنظام السياسي الفلسطيني وذلك بأخذ المجلس التشريعي الفلسطيني لدوره القانوني.
رابعاً: تجديد العقد الدستوري بين الشعب الفلسطيني والقيادة السياسية وهو بمثابة تجديد للعلاقة القائمة بين الشعب والمؤسسات الدستورية على أسس شرعية وهو ما يمنع امتداد ولاية المندوب السامي على الجزء المتبقي من الوطن في الضفة الغربية.
وفي ذات السياق تحرص الإدارة الامريكية والاحتلال الإسرائيلي على لعب دور سلبي يتمثل في تعطيل اجراء الانتخابات التشريعية مستخدمة الرفض غير المعلن للقيادة الفلسطينية لدفعها نحو تأجيل الانتخابات ليتم لاحقاً وبعد اصدار مرسوم رئاسي يقضي بالتأجيل لموعد غير معروف بالذهاب نحو اتهام السلطة الوطنية انها غير شرعية وإنها غاصبة للحكم وتخشى من اجراء الانتخابات..
في ظل هذه الظروف السياسية ومن نظرة واقعية إلى الأمور يظهر أن السؤال ليس من سيفوز في الانتخابات..؟؟ وإنما (هل يستطيع النظام السياسي الفلسطيني القائم مواجهة المشروع الاحلالي للانقسام وهدم المشروع الوطني من خلال إنجاح العملية الديمقراطية التي تعيد للشعب دوره في حماية النظام السياسي ومستقبل الدولة الفلسطينية؟)
بأي طريقة كانت الإجابة فإنها لا تخلو من أن اجراء الانتخابات في موعدها المُعلن يشكل المحطة المفصلية الأهم في مسار النظام السياسي الفلسطيني، ليس فقط من أجل انتخاب مجلس تشريعي وإنما من أجل الوحدة الوطنية ووحدة النظام السياسي ووحدة الجغرافيا السياسية، أي التمسك بالمشروع الوطني ومنع تحويل الانقسام السياسي والجغرافي إلى واقع دائم أو الحاق للجزء المتبقي من الوطن للولاية العامة للمندوب السامي.
باختصار طُلب من السلطة اجراء إصلاحات مالية وإدارية وسياسية وامنية ومنذ ان بدأت السلطة بإجراء هذه الإصلاحات ظهر الدافع الحقيقي من وراءها، فالواقع يشير إلى محاولة لسحب الشرعية عن السلطة وليس لأجراء إصلاحات فيها، فبمجرد التوجه لانتخابات تعيد تنظيم المؤسسات الدستورية الفلسطينية يظهر أن لا إسرائيل ولا أمريكا تريد اجراء أي انتخابات ديمقراطية فلسطينية تعيد للنظام السياسي مكانته الدستورية وهو ما يكشف الدافع الحقيقي الواقعي "لا دولة فلسطينية".