لجنة شعث تتسول 30 مليون دولار لبناء "معسكرات" مزودة بصالات رياضية ومرافق للترفيه، وأنظمة تكييف وتدفئة لكبار موظفيها فوق ركام غزة وجثث اطفالها

27/09/2026

خاص – وطن للأنباء: حين يموت الأطفال في غزة تحت ركام البنايات المنهارة، وفي العراء من البرد حينا والحر حينا آخر، عطشا وجوعا ومرضا، ويكون أول ما تكتبه ما تسمى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" في خطة التعافي التي قدمتها للمجتمع الدولي الأسبوع الماضي في محاولة للتسول، هو كيفية تأمين التكييف والصالة الرياضية وحياة الترف والبذخ لكبار الموظفين وعائلاتهم، فهي ليست مطلقا خطة تعاف، بل وثيقة إدانة خطتها أيدي أصحابها.

وقدم رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، المدعومة من مجلس السلام الذي يقوده ترامب، علي شعث، الأسبوع الماضي في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تفاصيل خطة للتعافي تضم 71 برنامجا، وتمتد على ستة أشهر.

من الطبيعي لشخص مثل علي شعث رئيس اللجنة التي أدمنت ثقافة التسول السياسي والمالي لتعظيم امتيازات اعضاءها الشخصية ومكاسبهم على حساب دماء الغزيين؛ فهو لا يكتفي بالراتب الفلكي الخرافي الذي يتقاضاه بواقع 25 ألف دولار شهرياً، ولا برواتب أعضاء اللجنة الذين يُتقاضون 18 ألف دولار للواحد منهم، بل يأبى إلا أن ينقل حياة الترف المطلق، والولائم الفاخرة، والبذخ المعيشي في أجنحة الفنادق المصنفة فوق سبع نجوم في مصر، ليطابقها تماماً في مجمعاته الإدارية داخل غزة، ولو أُقيمت تلك المجمعات بكل بهرجها ومكيفاتها وصالات رياضتها ومطابخها فوق أنقاض المدارس المدمرة وأرواح الجوعى والمرضى في مستشفيات غزة المنكوبة.

30 مليون دولار.. البداية من سكن المسؤولين لا من بيوت النازحين

ومن بين بنود هذه الخطة، هناك برنامج واحد واضح التفاصيل بشكل استثنائي، وهو إنشاء ثلاثة مجمعات إدارية وسكنية، بميزانية إجمالية تبلغ 30 مليون دولار، بواقع 10 ملايين دولار لكل مجمع.
وبحسب نص الوثيقة نفسها، سيضم كل مجمع سكنا لكبار المسؤولين والموظفين، ومطابخ ومساحات لتناول الطعام، وعيادة ونقطة إسعافات أولية، وصالة رياضية ومرافق للترفيه، وأنظمة تكييف وتدفئة وتهوية كامل وأنظمة طاقة شمسية وبطاريات احتياطية ومولدات، وكاميرات مراقبة وأنظمة تحكم بالدخول، ومواقف سيارات ومستودعات.

مكيفات وصالات رياضية ومطابخ.. رفاهية فوق الركام والخراب
ثلاثون مليون دولار، عشرة ملايين للمجمع الواحد، لا لبناء بيت، ولا لحفر بئر، ولا لفتح مستشفى، بل لسكن آمن ولائق لكبار المسؤولين، ومطابخ، وصالات طعام، وصالات رياضة ومرافق ترفيه، وأنظمة تكييف وتدفئة لا تنقطع، وطاقة احتياطية تضمن ألا يشعر "الموظف الكبير" بلحظة انقطاع واحدة، بينما تنقطع الكهرباء عن غرف عمليات المستشفيات، وينقطع الدواء عن الجرحى، وينقطع الأمل عن أم تنام في العراء فوق جثة خيمتها الممزقة.

هذه الخطة، بما كشف منها، لم تُكتب بنودها عن سوء فهم أو عدم معرفة أو خطأ في تقدير الأولويات، بل صيغت بنودها وحروفها لتحمل احتقارا صريحا لمن يُفترض أن الخطة موجهة إليهم أصلا، وعدم اكتراث لمعاناة الناس ووجعهم، وكأنها عقاب لهم، ورسالة أن من ينال رضا الأمريكي وموافقة الاحتلال ينعم بهذا الترف، وأن هذه المعسكرات التي تُبنى لمراقبة أنفاس الناس لا تكترث لعظام الناس المطحونة تحت الركام، والذين لا يجدون كيسا من النايلون لجمع أشلائهم.

 

معسكرات أمنية استخباراتية منفصلة عن الواقع
إن ما قُدم في الخطة لبنائه في غزة ليس "مقرا إداريا" لحكومة تريد مساعدة الناس وبناء غزة والبدء بمرحلة التعافي، بل أشبه بمعسكر حربي وأمني واستخباراتي، لا علاقة له بالناس ومعاناتهم، وكأنه عالم مواز مكون من أسوار وكاميرات مراقبة وتحكم بالدخول وأمن خاص وطاقة مستقلة ومياه وصرف صحي مضمونين.
منظومة حياة كاملة تُبنى فوق الركام، معزولة تماما عن السكان، ومحصنة بكل ما يلزم لتستمر ولو انهار كل ما حولها، وما حولها هو غزة: أنقاض، وخيام، وأطفال بلا مدارس، وجرحى بلا مستشفيات، وعائلات فقدت كل شيء وما زالت تبحث عن قطرة ماء نظيفة.
وفيما يبني "المتعافي" لنفسه صالة العاب تحت المكيفات، يبحث الغزي عن قطعة قماش تقيه المطر، وفيما يتسول المتعافي الأموال من دول العالم لبناء معسكر بمميزات ترفيهية متقدمة، لا يوجد بند في الوثيقة بهذا الوضوح لسكن لائق واحد لعائلة نازحة.

غطرسة الضعيف.. امتيازات فوق الجثث
والمفارقة الأخطر من الرقم نفسه في الخطة هي فيمن يوقعها؛ جهاز لم يطأ الأرض التي يخطط لإدارتها، وُلد في القاهرة، ولا يملك حتى ضمان دخول موظفيه إلى القطاع، ومع ذلك يتصرف وكأنه سلطة مستقرة تبني لنفسها إرثا دائما.
هذا ليس تواضع من يعرف حجم الكارثة التي يتعامل معها، بل غطرسة من يرى نفسه فوق الشعب المنكوب لا خادما له. جهاز بهذا الحجم من الهشاشة الميدانية ينفق بمنطق من يبني عاصمة، لا بمنطق من يدير أنقاضا.

وهذا هو بالضبط النموذج الذي يجب فضحه دون مواربة، لجنة تعيد إنتاج امتيازاتها فوق الجثث، وتقدم نفسها للعالم كـ"تكنوقراط"، بينما هي في جوهرها استنساخ مصغر لكل منظومات الفساد الإداري، حيث يُبنى المكتب قبل المدرسة، ويؤمَّن سكن المدير قبل مأوى الأرملة، وتصرف الملايين على راحة من يوقع القرارات قبل أن يصل دولار واحد لمن ينتظر تحت المطر.
لا حاجة لتأويل أو تلطيف ما يجري في غزة، فمن يبدأ خطة "التعافي" بتفصيل صالة رياضية لموظفيه، ويؤجل بيت الناس إلى إشعار آخر، لا يدير أزمة إنسانية بل يستثمر فيها، ومن يبني على أنقاضها موقعه، ويحصن فوق جراحها امتيازه، يترك الشعب الذي خرج للتو من مجزرة ينتظر في الطابور، بينما تغلق خلفه بوابة المجمع المكيف.

غزة تحتاج إلى إعادة بناء.. لا إلى معسكرات امتيازات
غزة لا تحتاج إلى إدارة تبني لنفسها معسكرات ومقرات الحكام العسكريين باسم "الاستقرار المؤسسي". غزة تحتاج إلى من يقيس نجاحه ببيت أُعيد بناؤه، لا بمكتب أُنشئ، ومن يعكس هذا الترتيب، مهما زخرف خطابه بمفردات "الجاهزية" و"الاستدامة"، فهو ليس شريكا في التعافي، بل عبء إضافي على شعب أنهكته الحرب، وأنهكه اليوم من يفترض أنه جاء لينتشله منها.

من إدارة غزة إلى إدارة السكان
إن ما كشفته هذه الوثيقة أخطر من انتهازية واستغلال وجشع وامتيازات القائمين عليها، بل يثبت ما حذر منه رئيس تحرير شبكة وطن الاعلامية الزميل د.معمر عرابي في مقال سابق، حين اعتبر أن ما يجري من خلال هذه اللجنة يتجاوز كونه ترتيبا إداريا مؤقتا لإدارة غزة، ويمس جوهر التمثيل السياسي الفلسطيني ومستقبل الكينونة الوطنية.

فالسؤال الحقيقي ليس عن أسماء اللجان أو أشكالها، بل عما إذا كنا أمام لجنة وطنية جامعة بمرجعية وبرنامج وتفويض واضح، أم أمام أطر محلية يجري تقديمها بغطاء وطني لتكون بديلا عن التمثيل السياسي الجامع.

وهذا المسار لم ينشأ من فراغ، بل جاء نتيجة سنوات من الانقسام الذي مزق وحدة المؤسسات والقرار السياسي، وفتح الباب أمام تعدد المرجعيات والأطر. وفي ظل غياب موقف فلسطيني موحد، تصبح الأطر التي تحظى بقبول خارجي قادرة على ملء الفراغ، فيما يتراجع القرار الوطني المستقل.

اقرأ المزيد: معمر عرابي يكتب لوطن: لجنة وطنية… أم لجان روابط مدن وقرى بغطاء وطني؟

حين تتحول اللجان المحلية إلى بديل عن القرار الوطني
والخطر لا يكمن في لجان المدن والقرى أو في العمل الأهلي بحد ذاته، وإنما في تحويل هذه الأطر إلى بديل سياسي عن التمثيل الوطني.
فعندما تتحول اللجان المحلية من أدوات للصمود والخدمة المجتمعية إلى أدوات لإدارة السكان، فإنها تكرس الانقسام وتجزئ القرار، وتنقل القضية من مشروع وطني تحرري إلى ملف خدمات ورواتب ومعابر وإدارة يومية.

وتزداد خطورة هذا المسار إذا وضع في سياقه السياسي الأوسع، حيث يتحكم الاحتلال بسقف الممكن والمسموح، فيما توفر الولايات المتحدة غطاء لهذا النوع من الترتيبات تحت عناوين الاستقرار وإدارة المرحلة.
وفي ظل الانقسام الفلسطيني وغياب البديل الوطني الموحد، يصبح ما يفرضه ميزان القوى أمرا واقعا يجري تقديمه باعتباره حلا فلسطينيا.

غزة كنموذج اختبار.. والضفة على الطريق
الأخطر أن ما يجري في غزة قد يتحول إلى نموذج قابل للتعميم في الضفة الغربية، عبر استبدال الكيانية السياسية الفلسطينية بأطر إدارية ومحلية محدودة الصلاحيات، تعمل ضمن سقف أمني واقتصادي وسياسي مرسوم مسبقا.
وبذلك يجري تفريغ القضية من مضمونها السياسي، وتحويل الفلسطيني من صاحب قضية وحقوق وطنية إلى مجرد سكان تتم إدارة شؤونهم.
لهذا فإن المطلوب ليس إدارة الفراغ، بل إنهاؤه؛ وليس إنتاج أطر جديدة فوق الانقسام، بل إعادة بناء التمثيل الوطني على أساس الشراكة السياسية والمساءلة والتفويض الشعبي، وبمرجعية وطنية جامعة هدفها استعادة القرار الفلسطيني وإنهاء الانقسام، لا التكيف معه.

التعافي يبدأ من الناس.. لا من امتيازات الإدارة
غزة لا تحتاج إلى خطة تجعل راحة المسؤول أولوية، ولا إلى مؤسسات تحصن نفسها عن الناس، ولا إلى مجمعات مكيفة فوق مدينة مدمرة.
ما تحتاجه هو إعادة بناء البيوت والمدارس والمستشفيات، وتوفير الماء والغذاء والدواء والمأوى، وإعادة الناس إلى حياتهم وكرامتهم.
أما أن تبدأ خطة التعافي بسكن كبار المسؤولين وصالات الرياضة والمطابخ وأنظمة التكييف والطاقة والحماية، فيما يبقى أهل غزة تحت الركام والخيام، فهذه ليست مسألة ترتيب أولويات فحسب؛ إنها صورة مكثفة عن المسافة التي يمكن أن تفصل من يدعي إدارة شعب عن هذا الشعب نفسه.