
خلال انتظار طويل مؤخراً على أحد الحواجز استمعت لمقابلة مع خبير حول اختفاء الملل في عصر الأجهزة الذكية. كان الموضوع ذي صلة راهنية قوية، حيث يتوقف الزمن وتصبح المسافة لا منتهية، ليستيقظ الملل، فيهب "الموبايل" إلى النجدة سريعاً. وكان من أوائل الصور التي قفزت إلى الذهن صورة الطالب الذي يكابد للتركيز في دروسه وواجباته، وسط إغراءات عالم افتراضي يُزاحم عالمه الواقعي بشكل مثير.
لست خبيراً في الملل، ولكن بعد قراءة وتفكير، أجد السؤال التالي وجيهاً:
في فيضان التكنولوجيا الرقمية، هل يختفي الملل فعلاً، أم أننا نهرب منه؟
وهذا السؤال ينسجم مع مقولة للكاتب باولو كويلو مفادها أن الملل غير موجود في العالم بل في الطريقة التي نرى فيها العالم. فالملل له كيمياؤه العصبية وآلياته النفسية الخاصة، التي ينجم عنها حالة ذهنية لها تبعات سلوكية. وهو ينشأ عندما لا تجد النفس والعقل ما يكفي من التحفيز، فيتولد البحث عن تغيير في النمط في تلك اللحظة. كان ذلك التغيير، في الماضي، بسيطاً وعفوياً: النظر من النافذة نحو الأفق، المشي، الحديث، القراءة، أو ترك العقل يسرح قليلاً.
أما اليوم، فبين رسالة، وإشعار، ومقطع، وخبر، وصورة، لم يعد الفراغ يملك فرصة طويلة للبقاء. كلما تشكلت لحظة مواتية امتدت اليد إلى "المستطيل الذكي"؛ في الطريق، في المصعد، على الحاجز، في الإجتماع، وبين مهمتين متتاليتين ... الأصابع والعينان والأذنان ... والانهماك في لزوم ما يلزم، قد يلزم، وقد لا يلزم !
وهكذا لم تختف كيمياء الملل وتفاعلاته الداخلية، لكننا ربما أصبحنا أقل قدرة على البقاء معه والاستجابة له بتغيير حقيقي في النشاط. بمعنى آخر، الأجهزة الذكية لا تُنهي الملل بالضرورة؛ بل ربما تختطفه أو تحاصره. فهي تسارع لملئ اللحظة قبل أن نعيش فراغها، وتقدم لنا محتوى قبل أن يتاح للعقل وقت كاف للشرود والصمت والتجوال الحر. ومع التكرار، قد يصبح العقل أكثر اعتماداً على الصور والأفكار الجاهزة، وأكثر ميلاً إلى استهلاك الواقع بدل من تأمله، وأحياناً إعادة تخيله.
وفي هذا السياق يمكن استحضار مقولة محمود درويش بدلالتها اللافتة:
"فاحذر من لا يعرفون الملل ويفرطون في التأويل" ...
فالعجز عن احتمال الفراغ واستغلاله بشكل منتج يدفع إلى ملء كل مساحة بأكثر من تفسير، وكل سؤال بأكثر من إجابة، وكل لحظة بفائض من المحتوى، دون تدقيق كافٍ.
وفي السياق التربوي والتعليمي قد يكون لهذه المسألة أثر أعمق لدى الطلبة. فالقدرة على احتمال شيء من الملل جزء من القدرة على التركيز والتعلّم؛ إذ لا يمكن لكل لحظة في الدراسة أن تكون مثيرة أو ممتعة. وإذا أصبح الطالب معتاداً على التحفيز السريع والمتواصل، فقد تبدو المحاضرة الهادئة، أو القراءة الطويلة، أو حل مسألة تحتاج إلى وقت، أكثر صعوبة واحتمالاً للانقطاع، مما يسهل تبديد الوقت في عالم المستطيل الذكي عند كل لحظة ملل.
لذا فإن المثابرة على التعلّم تصبح مرتبطة بالقدرة على إدارة وتأجيل المكافآت السريعة؛ أي القدرة على مواصلة العمل دون انتظار متعة أو نتيجة فورية. إنها مهارة تسمح بتجميع إنجازات صغيرة، خطوة بعد أخرى، وصولاً إلى إنجاز أكبر.
وفي هذا السياق، ثمة بُعد آخر لا بد من الإشارة إليه: هل كل مكافأة هي بالضرورة علامة على قيمة؟ فالمكافآت التي تقدمها أحياناً المعايير السائدة في الواقع الاجتماعي والمهني بوصفها بصمات للنجاح -من درجات ومناصب وشهرة- قد لا تتطابق دائماً مع قيمة ما يقدمه الإنسان لذاته وللآخرين. ولعل هذا ما يجعل الفكرة المنسوبة إلى أينشتاين جديرة بالتأمل: ليس المهم أن يكون الإنسان ناجحاً فحسب، بل أن يكون ذا قيمة. وربما كان الفرق بين الاثنين مهماً في اكتساب الطالب والمتعلم معياراً تربوياً جوهرياً: أن يتعلم السعي إلى الإنجاز، دون أن يجعل المكافأة الخارجية الرائجة هي المقياس الوحيد لقيمة ما ينجزه.
من هنا، فالملل محطة تمنحنا فرصة لتحديد الاتجاه، منه ينطلق بعضنا إلى قطار التفكر والعمل، بينما يقود بعضنا الآخر إلى وجهات أقل نفعاً. إنه مساحة غير مشغولة يمكن استثمارها إيجابياً، بحيث يتوقف فيها الإنسان للتأمل والبحث عن الإبداع، ويتعمق أكثر في شؤون طال تناسيها أو إهمالها.
ولهذا قد يتمثل بعض الحل في "الصيام الإلكتروني المتقطع"، والذي ينطوي على ما يتخطى مجرد تقليل وقت التحديق في الشاشة إلى استرداد حقنا في الشعور بالملل الحقيقي المنتج:
لحظة تركيز ... بلا إشعارات، بلا تعليقات، بلا اقتراحات خوارزمية؛
لحظة نترك فيها السؤال يتقدم على الإجابات السريعة، وبالذات سؤال المعنى "لماذا؟".
مللت ... فتأملت ... فتعلمت ... فأنجزت.
أ. د. طلال شهوان – رئيس جامعة بيرزيت