
كتبت أ.ندى العفيفي: في المشهد الفلسفي للوجود الفلسطيني، لم يكن التعليم يوماً مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل كان دائماً فعل مقاومة وجودية. لكن ما يحدث في غزة اليوم يتجاوز هذا الفهم التقليدي؛ إذ يتحول التعليم من أداة تمكين إلى عملية استشفاء مجتمعي شاملة، أو ما يمكن تسميته "الاستشفاء التعليمي".
التعليم كضرورة وجودية
في علم الاجتماع التربوي، يُعرَّف "الاستشفاء" بأنه عملية استعادة الكيان المادي والمعنوي للفرد والمجتمع بعد صدمة جماعية. في غزة، حيث تعرض النسيج الاجتماعي لتمزق غير مسبوق، يصبح التعليم أكثر من حق؛ إنه ضرورة وجودية. الطفل الذي يفقد مدرسته يفقد ليس فقط مكان التعلم، بل نقطة ارتكازه الهوياتية. لذلك، فإن إعادة فتح المدارس ليست قراراً إدارياً، بل فعل مقاومة بيولوجية وثقافية ضد محاولات محو الذاكرة الجماعية.
الاستشراف: ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: التعليم كأولوية إنسانية مطلقة
في هذا السيناريو، يُنظر إلى التعليم كأولوية إنسانية مطلقة، حيث يُدمج في جميع مراحل الاستجابة الطارئة، وتُصمم مناهج مؤقتة للتعامل مع الصدمة، وتُدرَّب المعلمون على الإسعاف النفسي الأولي. هنا، يتحول التعليم إلى شبكة أمان اجتماعي، حيث تُستخدم المدارس كمراكز مجتمعية متعددة الوظائف، تجمع بين التعليم والدعم النفسي والأنشطة الثقافية. النتيجة المستشرفة: جيل قادر على تجاوز الصدمة دون فقدان الهوية.
السيناريو الثاني: التعليم المزدوج – مقاومة وبناء
في هذا السيناريو، يعمل التعليم على مستويين: الأول لحظي، يتعامل مع الاحتياجات الطارئة، والثاني استراتيجي، يبني الإنسان الفلسطيني القادر على النهوض. هذا يتطلب فلسفة تربوية جديدة تُدمج "التربية على الصمود" مع "التربية على البناء". المناهج لا تقتصر على المواد الأكاديمية، بل تشمل المهارات الحياتية، والتفكير النقدي، والقدرة على إعادة بناء الذات والمجتمع. النتيجة: تعليم لا ينتظر انتهاء الأزمة، بل يصنع شروط تجاوزها.
السيناريو الثالث: التعليم كقوة استشرافية
هذا هو السيناريو الأكثر طموحاً، حيث يتحول التعليم في غزة إلى مختبر عالمي للتربية في مناطق النزاع. تستفيد غزة من تجربتها القاسية لتطوير نموذج تربوي فريد، يجمع بين المرونة والعمق، بين المحلية والعالمية. هنا، يصبح الطالب الغزي ليس فقط متلقياً للمعرفة، بل منتجاً لها، ومشاركاً في تصميم مستقبله. النتيجة: غزة كمركز إشعاع تربوي في العالم العربي.
التحديات الفلسفية والاجتماعية
لكن هذا الاستشفاء التعليمي يواجه تحديات عميقة. أولاً، هناك تحدٍ فلسفي: كيف نعلّم الطفل الذي رأى ما لا ينبغي لطفل أن يراه؟ الإجابة تكمن في "التربية على الأمل"، لا الأمل الساذج، بل الأمل كفعل مقاومة. ثانياً، تحدٍ اجتماعي: كيف نعيد بناء الثقة في المؤسسات التعليمية بعد أن دُمرت؟ هنا يأتي دور المجتمع المدني والأسرة كشركاء في العملية التعليمية.
نحو نموذج غزي للاستشفاء التعليمي
يمكن تصور نموذج من خمس مراحل:
1. الاحتواء: توفير مساحات آمنة للتعلم.
2. التفريغ: أنشطة تعبيرية وفنية لمعالجة الصدمة.
3. إعادة البناء: مناهج مرنة تعيد بناء المهارات الأساسية.
4. التمكين: برامج تقود الطالب من التلقي إلى الإنتاج.
5. الاستشراف: مشاريع تربوية تبني قادة المستقبل.
خاتمة: التعليم كفعل وجودي
في النهاية، الاستشفاء التعليمي في غزة ليس ترفاً تربوياً، بل هو فعل وجودي. كل درس يُعطى، كل قصة تُروى، كل مهارة تُكتسب، هي انتصار على الفناء. الفلسفة هنا بسيطة وعميقة: نحن نتعلم لنبقى، ونبقى لنتعلم. التعليم في غزة ليس مجرد عملية استشفاء، بل هو إعلان أن هذا الشعب، رغم كل الجراح، يختار الحياة. والمستقبل الذي نستشرفه ليس حلماً بعيداً، بل مشروعاً نبنيه اليوم، في كل حصة دراسية، في كل ابتسامة طفل، في كل معلم يرفض الاستسلام.
هذا هو الدرس الأكبر: أن التعليم، في أحلك الظروف، يصبح أقوى سلاح للشفاء، وأعمق تعبير عن الإرادة الحية. وغزة، التي علمت العالم معنى الصمود، ستعلّمه معنى النهوض من جديد.