محمود كلّم يكتب لوطن: وليد إبراهيم الهودلي… بالأمس كان يدعو لهم، واليوم ندعو له

26/09/2026

كان وليد إبراهيم الهودلي يتحدث عن الأسرى كما لو أنه يستشعر ثقل ما يعيشونه، لا من موقع المتفرج، بل من موقع من عرف الأسر من داخله، وأمضى سنوات من شبابه خلف قضبان المعتقلات. لذلك كان يعرف أن وراء كل أسير عائلة تنتظر، وأمّاً يطول عليها الليل، وبيتاً يبقى ناقصاً مهما حاول أهله التكيف مع الغياب. وكان يعرف أيضاً أن سنوات الأسر لا تنتهي عند لحظة الخروج من السجن، فبعض آثارها تظل عالقة في الذاكرة، وتسكن صاحبها طويلاً.

في تسجيل صوتي له، تحدث وليد من رام الله عن برد غزة، وعن الأسرى في السجون، وعن العجز الذي يشعر به الإنسان وهو يرى الألم من بعيد.
قال:
«من قلب مدينة رام الله، من الطيرة، نسكن بيوتاً محصنة، نتدثر بألبسة ثقيلة؛ بيوت فيها مكيّف، وفيها صوبة، وفيها وفيها وفيها، ثم يتسلل البرد إلى عظامنا.

يا إلهي، أين نذهب من برد غزة؟ أين نذهب من رؤية خيام غزة وأطفال غزة ونساء غزة؟»

ثم انتقل في حديثه إلى الأسرى، مستحضراً أوضاعهم في السجون خلال البرد القارس، قبل أن يصل إلى الفكرة التي تبدو اليوم، في ضوء ما آل إليه حاله، أكثر إيلاماً:

«الدعاء وحده لا يكفي. الدعاء وحده يحتاج إلى عمل، يحتاج إلى حراك، يحتاج إلى غضب، يحتاج إلى فعل، يحتاج إلى أن نرفع صوتنا عالياً».

كان يتحدث يومها عن أسرى ينتظرون الفرج، وعن عائلات تنتظر أبناءها، وعن ضرورة ألا تتحول معاناة الأسرى إلى خبر عابر أو مأساة نعتاد سماعها.

أما اليوم، فقد تغير موقع وليد في الحكاية.

بالأمس كان يتحدث عن الأسرى ويدعو لهم، واليوم أصبحنا نحن من ندعو له.

ذلك الذي كان يرفع صوته من أجل من خلف القضبان، أصبح اسمه حاضراً في دعاء من يتابعون قضيته. والذي كان يطلب الفرج لغيره، أصبحت عائلته تنتظر الفرج له.

وهنا تكمن المفارقة التي تجعل قصته أكثر إيلاماً.

فالحديث عن السجن من خارجه شيء، والعيش تحت ثقل الغياب شيء آخر. أن تواسي أم أسير وتخبرها بأن يوماً سيأتي ويعود فيه ابنها، شيء؛ وأن تصبح أمك هي من تنتظر عودتك، شيء آخر تماماً.

السجن لا يعني القضبان وحدها. يعني أيضاً بيتاً ينتظر، وأمّاً تحصي الأيام، وطفلاً يكبر بعيداً عن أبيه، ومقعداً يبقى فارغاً على مائدة العائلة.

ولعل وليد، حين تحدث عن الأسرى، لم يكن يعلم أن الكلمات التي قالها عنهم ستعود يوماً لتُقرأ في سياق مختلف؛ وأن من كان يدعو لهم بالفرج سيصبح هو نفسه واحداً ممن يُرجى لهم الفرج.

هذه المفارقة لا تجعل قضية الأسرى قضية وليد وحده، ولا ينبغي أن تختزلها في قصة شخص واحد. خلف كل أسير حكاية، وخلف كل اسم في السجون عائلة تعيش انتظاراً لا يشبه أي انتظار آخر.

ولذلك فإن تذكر الأسرى لا ينبغي أن يكون مرتبطاً فقط بالمناسبات أو بالأخبار العاجلة. فمعاناة الأسير تمتد إلى ما وراء جدران السجن، وتصل إلى البيت الذي تركه، وإلى أمه وأبيه وأبنائه وإخوته، وإلى تفاصيل الحياة اليومية التي تستمر في الخارج بينما يغيب أحد أفرادها.

كان وليد يقول إن الدعاء وحده لا يكفي، وإن التعاطف يحتاج إلى عمل وحضور وصوت.

واليوم، ربما يكون أقل ما يمكن فعله هو ألا تُنسى الكلمات التي قالها، وألا يُنسى الذين كان يتحدث عنهم، وألا تتحول قصة أي أسير إلى رقم جديد في قائمة طويلة من الأسماء.

نحن نتذكر غزة حين نشعر بالبرد، ونتذكر الأسرى حين نشعر بالأمان، لكن الأهم أن نتذكر الإنسان خلف كل قضية، والعائلة خلف كل اسم، والانتظار خلف كل باب مغلق.

ويبقى في الختام، نداءٌ لا يحتاج إلى كثير من الكلمات:

اللهم كن لوليد في وحدته، وفي ليله الطويل، وفي أيام انتظاره، وطمئن قلب أمه وأهله، واجعل لهذا الانتظار نهاية، وللغائبين موعداً مع الحرية.

فليس أقسى على القلب من أن يقضي الإنسان عمراً يدعو للفرج عن الآخرين، ثم يأتي يوم يصبح فيه هو من ينتظر الفرج.