سوما حسن تكتب لوطن: هذه المرة لم يكن الكلام وحده هو الموقف.. تعودنا كثيراً على الخذلان

26/09/2026

تعودنا على خطب طويلة، وعبارات منمقة، وبيانات تفيض بالغضب، ثم ينتهي كل شيء بانتهاء التصفيق واغلاق ابواب القاعات.

تعودنا على ملوك ورؤساء وحكام ومسؤولين يتحدثون عن فلسطين، وعن الدم الفلسطيني، وعن غزة، وعن القانون الدولي، وعن حقوق الانسان، ثم ننتظر بعدها الفعل... فلا يأتي شيء.

تعودنا على الف الدوران، وعلى الكلمات التي يمكن تفسيرها بأكثر من معنى، وعلى مواقف تبدأ قوية ثم تنتهي في دهاليز السياسة والمصالح.

لكن ما جرى في الجمعية العامة للامم المتحدة هذه المرة كان مختلفا في بعض مشاهده.

ليس لان الكلمات كانت اكثر قسوة فقط، وانما لان بعض المواقف خرجت من اطار الكلام الى الفعل.

امير قطر الشيخ تميم بن حمد ال ثاني قالها بوضوح لا يحتمل التأويل: ما يحدث في غزة ابادة جماعية بكل معنى الكلمة، وطالب بوقف العمليات والانسحاب من القطاع ورفع الحصار وادخال المساعدات، مؤكدا حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

والملك عبدالله الثاني لم يكتف بذكر غزة، بل تحدث عن غزة والضفة الغربية معا، وعن التهجير القسري والضم الفعلي، وعن ضرورة ان يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته تجاه ما يحدث.

وهناك ايضا الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الذي تحدث بوضوح عن غزة، وانتقد عجز النظام الدولي عن وقف ما يجري، ودعا الدول التي لم تعترف بدولة فلسطين الى مراجعة مواقفها، وطالب بزيادة الضغط الدولي من اجل وقف الحرب.

وفي البرازيل، جاء صوت الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا منتقدا ما يجري في غزة، ومؤكدا ضرورة ان يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته تجاه الشعب الفلسطيني.

وفي فرنسا، كان الرئيس إيمانويل ماكرون من الاصوات التي جعلت الاعتراف بالدولة الفلسطينية حاضرا في المشهد الدولي، في وقت بات فيه مستقبل القضية الفلسطينية في قلب النقاش الدولي.

وحتى الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش تحدث بوضوح عن حجم القتل والدمار في غزة، وعن العنف والتهجير وتوسع المستوطنات في الضفة الغربية، مؤكدا ان القانون الدولي لا يمكن ان يكون مجرد كلمات.

هذه ليست مجرد جمل تقال امام الكاميرات.

لان الكلمة عندما تصدر من مسؤول يقف امام العالم كله تصبح موقفا سياسيا واخلاقيا، ويصبح السؤال بعدها: هل ستتحول هذه الكلمات الى افعال؟

ثم جاء المشهد الذي ربما كان اقوى من كثير من الخطب.

عندما وقف نتنياهو ليلقي كلمته، خرجت عشرات الوفود من القاعة.

مقاعد كثيرة بقيت فارغة.

وفود من دول عربية واسلامية ودول اخرى غادرت القاعة احتجاجا، في مشهد لم يكن بحاجة الى خطبة طويلة.

فاحيانا يكون الخروج من القاعة ابلغ من البقاء فيها.

واحيانا تكون المغادرة موقفا.

ليس لان مغادرة القاعة وحدها توقف حربا، ولا لانها تطعم طفلا جائعا، ولا تعيد بيتا هدم، ولا تعيد حياة انسان فقد عائلته.

لكنها تقول شيئا واحدا على الاقل:

انا لا اريد ان اجلس في المكان نفسه الذي تقال فيه هذه الكلمات وكأن ما يحدث للشعب الفلسطيني امر طبيعي.

وهنا اتذكر دائما ان البطولة ليست في عدد الكلمات التي نقولها، ولا في قوة الصوت، ولا في طول الخطاب.

البطولة مواقف.

الموقف هو ان تعرف متى تتكلم.

ومتى ترفض.

ومتى تنسحب.

ومتى تقف امام العالم وتقول: هذا ظلم، وهذا قتل، وهذا تهجير، وهذا لا يمكن ان يصبح امرا عاديا.

وفي المقابل، فان بقاء بعض الوفود داخل القاعة يفتح سؤالا اخلاقيا وسياسيا كبيرا. لا يمكن اختزال مواقف الدول كلها في لحظة واحدة، فلكل دولة حساباتها وعلاقاتها ومواقفها المعلنة. لكن صورة القاعة وهي تفرغ امام المتحدث ستبقى واحدة من اكثر الصور دلالة في هذه الجمعية العامة.
ومع ذلك...

لا اريد ان اصفق للكلمات ثم انسى السؤال الاهم.

ماذا بعد؟

ماذا سيحدث بعد انتهاء الجمعية العامة؟

من سيوقف الابادة الجماعية؟

ومن سيوقفها؟

ومتى يتوقف العالم عن الاكتفاء بمشاهدة الدم؟

من سيضغط؟

من سينفذ؟

من سيضمن دخول المساعدات؟

من سيمنع التهجير؟

من سيوقف الاستيطان؟

من سيحمي المدنيين؟

ومن سيجعل القانون الدولي قانونا يطبق على الجميع، لا نصا جميلا يقرأه المسؤولون امام الكاميرات ثم يترك على الورق؟

هذا هو الاختبار الحقيقي.

لان فلسطين لا تحتاج مزيدا من الخطب التي تحفظها الشعوب عن ظهر قلب.

غزة لا تحتاج الى كلمات جديدة فقط.

غزة تحتاج الى فعل

والضفة لا تحتاج الى ادانات جديدة فقط.

تحتاج الى من يمنع تحويل الاحتلال والضم والتهجير الى واقع دائم.

والشعب الفلسطيني لا يحتاج الى مزيد من التعاطف فقط.

يحتاج الى حماية حقوقه، والى حرية، وكرامة، ودولة، وارض لا تنتزع منه قطعة بعد قطعة بينما العالم يتفرج.

لقد قيلت كلمات مهمة في هذه الدورة من الجمعية العامة، وظهرت مواقف صريحة من قادة عرب ومسلمين وغيرهم تجاه ما يجري في فلسطين.

ونحن لا نحتاج الى ان نتفق مع كل سياسات هؤلاء القادة حتى نعترف بموقف قال كلمة حق في لحظة تحتاج فيها فلسطين الى من يقولها.

الموقف يحسب عندما يكون في مكانه.

والكلمة تحسب عندما تكون واضحة.

والانسحاب من القاعة يحسب عندما يصبح الجلوس فيها مشاركة في مشهد لا تريد ان تكون جزءا منه.

لقد رأينا هذه المرة صورا لا يمكن تجاهلها.

رأينا قادة يتحدثون عن فلسطين.

ورأينا وفودا تغادر القاعة عندما بدأ نتنياهو خطابه.

ورأينا مقاعد فارغة في الامم المتحدة، كانت في حد ذاتها رسالة سياسية وانسانية.

قد يقول البعض: وما قيمة الانسحاب؟

نعم، الانسحاب وحده لن يوقف الحرب.

لن يعيد طفلا قتل.

ولن يعيد بيتا هدم.

ولن يمسح دمعة ام.

لكنه، في عالم اعتاد ان تتحول فيه الجرائم الى عبارات دبلوماسية، يقول شيئا واحدا:

لسنا جميعا مستعدين للتظاهر بأن شيئا لم يحدث.

وهذا بحد ذاته موقف.

لكن الموقف الحقيقي لا ينتهي عند باب القاعة.

وهنا نعود الى السؤال الذي يجب الا يسمح لنا احد بالهروب منه:

ماذا بعد؟

ماذا بعد الخطب؟

ماذا بعد التصفيق؟

ماذا بعد الانسحاب؟

ماذا بعد البيانات؟

هل ستتحول هذه الكلمات الى ضغط سياسي حقيقي؟

هل ستتحول الى حماية للمدنيين؟

هل ستصل المساعدات فعلا الى من يحتاجها؟

هل سيتوقف التهجير؟

هل سيتوقف الاستيطان والضم؟

هل سيجد الشعب الفلسطيني طريقه الى دولته وحقوقه وحريته؟

ام سنكتشف بعد اسابيع ان كل ما قيل في نيويورك كان مجرد حبر جديد على ورق قديم؟

هذا هو السؤال الذي يهمني اكثر من كل الخطب.

لان فلسطين لا تحتاج من العالم ان يثبت مرة اخرى انه يعرف انها مظلومة.

العالم يعرف.

غزة لا تحتاج الى شاهد جديد يقول انها تتألم.

غزة تنزف امام الجميع.

والفلسطيني لا يحتاج الى تعاطف موسمي يظهر في المؤتمرات ثم يختفي عندما تغادر الكاميرات.

يحتاج الى فعل.

الى حماية.

الى عدالة.

الى حقوق لا تبقى معلقة بين قرار وقرار.

ولهذا، فاننا نحسب لكل رجل وامرأة وقفوا في هذه الايام وقالوا كلمة حق.

ونحسب لمن خرج من القاعة.

ونحسب لمن سمى الاشياء باسمائها.

لكننا لن نحتفل بالكلمات طويلا.

سننتظر الفعل.

لان البطولة الحقيقية ليست ان تقول ما يريد الناس سماعه.

البطولة ان تفعل ما قلت.

وفي النهاية، يبقى السؤال الاكبر:

هل ستخرج فلسطين هذه المرة من قاعات الامم المتحدة بشيء اكثر من الخطب؟

ام ستعود الكلمات الى الارشيف، بينما يبقى الفلسطيني في غزة والضفة يواجه واقعا لم يتغير؟

لان ما يحدث في فلسطين ليس مجرد خلاف سياسي على ارض.

قبل السياسة هناك الانسان.

قبل الحدود هناك الطفل.

قبل البيانات هناك الام.

وقبل المصالح هناك حياة انسان.

ومن لا يرى هذا، فالمشكلة ليست في ان الصورة لم تصل اليه.

المشكلة انه اختار الا يراها.

ولذلك، نعم، نحسب المواقف التي قيلت.

نحسب لمن تكلم.

ونحسب لمن وصف الجريمة باسمها.

ونحسب لمن وقف مع فلسطين حين كان الوقوف له ثمن.

ونحسب ايضا لمن غادر القاعة، لان بعض الصمت في مكان كهذا يصبح موقفا، وبعض المغادرة تصبح رسالة.

لكننا لن نعطي صكوك البراءة لاحد لمجرد خطاب.

فالسياسة لا تقاس بما قيل فقط.

تقاس بما سيفعل.

ولو اتحد العرب والمسلمون، ولو مرة واحدة، على موقف حقيقي يتجاوز البيانات والخطب الى الفعل، لربما لم نكن نحرر فلسطين وحدها، بل لكنا حررنا انفسنا اولا من كثير من الضعف الذي جعل الاخرين يقررون مصائرنا.

لان القوة ليست في كثرة الكلام.

والبطولة ليست في رفع الصوت.

البطولة موقف.

والموقف الحقيقي يبدأ عندما ينتهي الكلام.