د. مروان إميل طوباسي يكتب لوطن: من نيويورك إلى رام اللّه.. "لن نُغادر وَطننا" فكيف نحمي البقاء؟

26/09/2026

كان مهماً أن يؤكد الأخ الرئيس أبو مازن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن شعبنا لن يغادر وطنه ، وأن يحذر من مخاطر الضم والإستيطان والتهجير ومحاولات فرض واقائع جديدة على الأرض . فهذه رسالة وطنية وسياسية ضرورية في لحظة تتسارع فيها مشاريع الأقتلاع وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية .

وعلى المنبر ذاته ، وقف نتنياهو ، المتهم بارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية ، مدافعاً عن سياسات حكومته وحروبها ورؤيتها ، رافضاً الاتهامات الموجهة إليها ، فيما غادرت عشرات الوفود قاعة الجمعية العامة احتجاجاً عند بدء كلمته ، في مشهد عكس اتساع الرفض الدولي لسياسات دولة الأحتلال وممارساتها وعزلتها المتزايدة .

لكن الصراع لا يُحسم من على منابر الأمم المتحدة وحدها . فبعد ساعات ، كانت مركبات جيش الأحتلال تدخل إلى وسط رام اللّه كما اعتادت ان تفعل، فيما تظهر مركبات شرطتنا الفلسطينية في المكان . صورة تختصر ، أكثر من خطابات كثيرة ، طبيعة الواقع الذي نعيشه وحدود الولاية الفلسطينية تحت الأحتلال .

والمسألة هنا ليست في الشرطي الفلسطيني الذي نعتز به ، ولا في مطالبته بمواجهة عسكرية غير متكافئة لا يملك قرارها ولا أدواتها . السؤال أعمق ، أي ولاية وطنية يمكن أن تمارسها مؤسساتنا حين يستطيع جيش الأحتلال دخول قلب المدينة متى يشاء ، كما يفعل في باقي المدن والقرى والمخيمات من اقتحامات وقتل وتدمير واعتقالات ؟

هنا يلتقي الخطاب بالميدان ، فما تعمل حكومة نتنياهو على تكريسه ليس مجرد استمرار للأحتلال بصورته المعروفة ، بل واقع استعماري يحتفظ فيه الأحتلال بالسيطرة الفعلية على الأرض والحدود والأمن ، ويتقدم في الأستيطان والضم وإعادة تشكيل الجغرافيا وتفتيتها ، بينما تُحصر الوظيفة الفلسطينية في إدارة شؤون السكان ضمن مساحة يستطيع الأحتلال اختراقها متى أراد .

ومن هنا تكتسب عبارة الرئيس «لن نغادر وطننا» معناها الأعمق ، وتضع أمامنا نحن الفلسطينيين وأمام حركتنا الوطنية السؤال العملي ، بكيف نحوّلها من موقف وطني وسياسي واضح إلى قدرة فعلية على حماية بقاء شعبنا فوق أرضه ببرامج وأدوات عملية وشعبية ؟

فالتمسك بالأرض يحتاج إلى تعزيز صمود الناس وحماية وجودهم فعلاً لا قولاً ، واستعادة وحدة النظام السياسي والجغرافيا الفلسطينية ، وإنهاء الانقسام والقبول بالتعددية ، وتجديد الشرعيات والمؤسسات بالانتخابات والقبول بنتائجها ، وإعادة بناء منظمة التحرير ديمقراطيا وتفعيل دورها ، وتوسيع أدوات المقاومة الشعبية والسياسية والقانونية ، وإعادة الشعب إلى موقعه باعتباره مصدر السلطات وصاحب الحق في تقرير خياراته الوطنية .

ومن هنا تبرز أيضاً ضرورة الأستعجال في عقد جلسات الحوار الوطني التي أعلن عنها الرئيس أبو مازن من القاهرة ، وألا تقتصر على الفصائل والقوى السياسية وحدها على أهمية دورها وضرورة تحدده ، بل أن تتسع لتشمل مكونات المجتمع الأهلي والشخصيات الوطنية المستقلة والقطاعات الاجتماعية والشبابية والنسوية والنقابية والثقافية . فالمطلوب ليس حواراً جديداً لإدارة الخلاف أو إعادة إنتاج المحاصصة ، بل حوار وطني واسع يقود إلى توافق على الرؤية والبرنامج والأولويات وأدوات العمل ، ويعيد للشعب دوره في صناعة القرار الوطني .

ويحتاج ذلك أيضاً إلى مراجعة وظيفة السلطة ومؤسساتها ، فالمرحلة الانتقالية التي نشأت بعد «أوسلو» تحولت إلى واقع مفتوح بلا أفق سياسي ، فيما بقي الأحتلال الإستيطاني صاحب السيطرة الفعلية على الأرض وما فوقها وما تحتها . لذلك لم يعد كافياً الاستمرار بالأدوات والوظائف ذاتها في مواجهة مشروع استعماري يتغير ويتقدم يومياً .

والمطلوب ليس إلغاء مؤسساتنا ولا السلطة الوطنية ، بل إعادة تعريف وظيفتها باعتبارها مؤسسات دولة وشعب تحت الأحتلال ، مهمتها تعزيز الصمود وحماية الأرض والحقوق وخدمة مشروع التحرر الوطني ، وصولاً إلى إنهاء الأحتلال ، لا التكيّف مع إدارته .

لقد قال الرئيس إننا لن نغادر وطننا ، وهذه نقطة انطلاق مهمة ، أما ما ينبغي أن يليها فهو الإجابة بالفعل على ، كيف نبقى؟ وكيف نحمي هذا البقاء؟ وكيف نحوّل مؤسساتنا ووحدتنا وإرادة شعبنا إلى قدرة سياسية وشعبية وقانونية في مواجهة مشروع الضم والإقتلاع ؟

فحين يصل جيش الاحتلال إلى قلب رام اللّه ، يصبح المشهد أكبر من اقتحام مدينة . إنه سؤال عن السيادة والولاية ووظيفة السلطة ومستقبل المشروع الوطني كله .

وإذا كنا لن نغادر وطننا ، فعلينا أن نبني القدرة الوطنية التي تجعل البقاء فوقه فعلاً منظماً في مشروع التحرر ، لا مجرد إرادة للصمود ، وألا نستسلم لمنطق القول ، بأننا لم نعد نملك شيئاً نقدمه لشعبنا . فشعبنا نفسه كان دائماً مصدر القوة حين ضاقت الخيارات واختلت موازين القوى .

ففي انتفاضة الحجارة الكبرى لم نكن نملك توازناً عسكرياً مع الأحتلال ، ولا سيادة على الأرض ، ولا دولة ومؤسسات ، لكن شعبنا امتلك الإرادة والتنظيم والوحدة الميدانية والقدرة على المبادرة ، فأعاد قضيته إلى مقدمة المشهد الدولي ومهّد لتحولات سياسية قادت إلى مؤتمر مدريد .

واليوم ، لا تكمن المشكلة في أننا لا نملك ما نقدمه لشعبنا ، بل في كيف نعيد إلى شعبنا دوره ومكانه في صناعة القرار والفعل الوطني ، ونوحّد طاقاته ، ونستعيد المبادرة ، ونبني أدوات القوة التي تتناسب مع هذه المرحلة .

فالشعوب تحت الأحتلال لا تنتظر أن تمتلك كل أدوات القوة حتى تبدأ بتغيير واقعها . إرادة الشعب ، وتنظيمها وتحويلها إلى فعل ، هي أولى أدوات القوة.