جمال زقوت يكتب لوطن: ما الذي يمكن أن يدفع إسرائيل إلى التغيير؟

26/09/2026

دون أي رهان على ما ستنتجه الانتخابات الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يعني الفلسطينيين وينبغي أن يعني الإسرائيليين أيضاً ليس فقط: من سيأتي بعد بنيامين نتنياهو؟ بل هل يمكن لاسرائيل أن تتغير، و ما هو التغيير الذي تسعى إليه، وما الذي يمكن أن يدفعها لتحقيقه ؟

قد تتغير الحكومة، وتتغير الوجوه، وقد يغادر نتنياهو ومعه حلفاؤه من اليمين المتطرف بن غفير وسموتريتش، لكن هل يعني ذلك أن إسرائيل تغيرت فعلاً؟ أم أن الذي سيتغير هو صورة الواقع وطريقة إدارته، فيما تبقى الوقائع التي صنعت الأزمة على حالها؟

هنا تحديداً يكمن الفرق بين إسرائيل ما بعد نتنياهو، وإسرائيل ما بعد الاستراتيجية التي سعى نتنياهو لفرضها بالقوة الغاشمة. الأولى قد تعني تغيير الحكومة والأسلوب والخطاب. أما الثانية فتتطلب مراجعة الافتراضات التي حكمت السياسة الإسرائيلية لعقود وعبر الحكومات المتعاقبة التي أفضت لحكومة نتنياهو وهي: أن الاحتلال يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن الاستيطان يمكن أن يتوسع دون أن يغيّر طبيعة الصراع، وأن الضم يمكن أن يتحقق تدريجياً من دون إعلان رسمي، وأن القوة العسكرية تستطيع إدارة القضية الفلسطينية من دون معالجة جذورها السياسية، وأن الأمن الإسرائيلي يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الحرية والعدالة والحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.

والسؤال الجوهري هو هل تستطيع إسرائيل أن تتغير من دون أن تتغير البيئة التي أوجدت هذا النموذج وأعادت إنتاجه، بل وتكريسه؟

فإسرائيل لم تنشأ في فراغ. فقد نشأت في سياق تاريخي محدد، وفي ظل دعم غربي استثنائي، قبل أن تتحول العلاقة مع الولايات المتحدة إلى تحالف استراتيجي راسخ. وفي المقابل، نشأ الفلسطينيون في مواجهة النكبة وما رافقها من اقتلاع وتهجير، ثم الاحتلال والاستيطان والتنكر لحقوقهم وفي مقدمتها حقهم في تقرير المصير.

لذلك لا يمكن فصل السؤال عن قابلية إسرائيل للتغيير عن السؤال المتعلق بالبيئة التي جعلت هذا النموذج ممكناً وقابلاً للاستمرار. هل يمكن لدولة أن تغير ذاتها بينما تبقى الشروط التي سمحت لها بإدارة الصراع بالقوة كما هي؟ وهل يمكن أن يتغير سلوكها تجاه الفلسطينيين من دون أن تتغير قواعد العلاقة التي حكمت هذا الصراع؟

غزة جعلت هذه الأسئلة أكثر قسوة

فما جرى خلال حرب الابادة لم يعد قابلاً للاختزال في شخصية نتنياهو أو في تطرف بن غفير وسموتريتش. فقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في تقريرها الصادر في سبتمبر 2025، إلى أن إسرائيل ارتكبت أربعة من الأفعال التي تندرج ضمن أفعال الإبادة الجماعية، وخلصت إلى توافر القصد الإبادي وفق تقييمها. وفي المقابل، لم تصدر محكمة العدل الدولية بعد حكماً نهائياً في دعوى الإبادة الجماعية؛ إذ ما زالت القضية منظورة أمامها، فيما أصدرت المحكمة منذ يناير 2024 تدابير مؤقتة بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية.

وهنا لا يمكن التعامل مع الإبادة الجماعية، وفق توصيف لجنة التحقيق الدولية، باعتبارها مجرد «انحراف نتنياهوي» ينتهي بخروجه من السلطة. فعندما تصل المسألة إلى هذا المستوى من المسؤولية الدولية، يصبح السؤال متعلقاً بالدولة ومؤسساتها وسياساتها، وبالمساءلة والمحاسبة وضمانات عدم التكرار، لا بمجرد تغيير رئيس الحكومة.

غزة، بهذا المعنى، ليست فقط اختباراً لما فعلته حكومة نتنياهو؛ إنها اختبار لما إذا كانت إسرائيل قادرة على مراجعة طريقة استخدام القوة الغاشمة نفسها.

من ناحية ثانية، فإن الضفة الغربية تكشف البنية الأعمق للأزمة: الاستيطان، والضم الفعلي، والتهجير القسري، والتطهير العرقي، وعنف المستوطنين، واستخدام القانون والإدارة الإسرائيليين لترسيخ واقع دائم على الأرض. وفي رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة تعرقل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وأن سياسات الاستيطان والضم خلقت آثاراً دائمة، كما اعتبرت استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني.

وهنا نصل إلى السؤال الذي لا يمكن لأي حديث جدي عن "إسرائيل مختلفة" أن يتجاوزه وهو هل تستطيع إسرائيل أن تتغير من دون أن تعيد النظر في الطابع القومي الإثني للصهيونية وفي موقفها من حقوق الفلسطينيين؟

كيف يمكن لدولة أن تحافظ على تعريف قومي حصري، بينما تسيطر على شعب آخر أو تحول دون ممارسته حقه في تقرير مصيره؟ فقانون أساس «إسرائيل–الدولة القومية للشعب اليهودي" ينص صراحة على أن ممارسة حق تقرير المصير القومي في إسرائيل "خاصة بالشعب اليهودي"، كما يعتبر تطوير الاستيطان اليهودي قيمة وطنية.

وهنا يظهر التناقض الذي لا يستطيع تغيير الحكومة وحده أن يحله وهو: هل يمكن بناء مساواة حقيقية بين شعبين مع الإبقاء على مبدأ الحصرية القومية، إذا كان أحد الشعبين محروماً من تقرير مصيره؟

ولهذا فإن المسألة أعمق من حكومة متطرفة أو خطاب أكثر تطرفاً. إنها تتعلق بتداخل القومية الإثنية مع الاحتلال والاستيطان والضم والقوة العسكرية، وبما يحدث عندما تتحول هذه العناصر إلى نظام دائم للسيطرة على شعب آخر. والتطهير العرقي والإبادة الجماعية، وفق التوصيفات والتحقيقات الدولية، يطرحان قبل كل شيء سؤال المسؤولية والمحاسبة ومنع تكرار مثل هذه الجرائم . ومن هنا يصبح الغرب جزءاً من سؤال التغيير.

هل تستطيع إسرائيل أن تتغير إذا ظل الدعم الخارجي قادراً على عزل كلفة سياساتها عن نتائجها السياسية والاستراتيجية؟ وهل يستطيع الغرب أن يطالبها بتغيير جوهري بينما يواصل التعامل معها بالقواعد نفسها التي حكمت العلاقة لعقود؟

لا يعني ذلك أن إسرائيل فقدت قيمتها الاستراتيجية بالنسبة إلى الغرب، ولا أن التحالفات التي قامت عليها علاقاتها الدولية قد انتهت. لكن إسرائيل يمكن، في الوقت نفسه، أن تبقى حليفاً استراتيجياً وأن تتحول إلى مشكلة سياسية وقانونية وأخلاقية متزايدة بالنسبة إلى حلفائها.

وهنا يتغير السؤال: ليس فقط ماذا تريد إسرائيل من الغرب، بل ماذا يريد الغرب من إسرائيل؟

وهذا يقود إلى التحولات الجارية في النظام الدولي. فالعالم الذي نشأت فيه إسرائيل ليس هو العالم نفسه. موازين القوى تتغير، والنظام الدولي يتجه نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، والشرق الأوسط يعيد ترتيب علاقاته ومصالحه، والدول العربية والإقليمية تُوَسِّع هوامشها في التعامل مع القوى الكبرى. وفي المقابل، ما زالت العلاقة الأميركية الإسرائيلية عميقة، بما يعني أن التحول لم يصل إلى حد القطيعة أو التخلي عن إسرائيل. لكن أهمية هذا التحول لا تكمن في أنه سيجبر إسرائيل تلقائياً على التغيير، بل في أنه قد يغير كلفة عدم التغيير.

فطالما استطاعت إسرائيل أن تحصل على السلاح والدعم السياسي، وأن تحافظ على علاقاتها الاستراتيجية، وأن تواصل اندماجها الإقليمي من دون أن تدفع ثمناً يتناسب مع استمرار الاحتلال والاستيطان والضم، فلن يكون هناك بالضرورة حافز كافٍ لمراجعة جوهر سياساتها. أما إذا أصبحت هذه السياسات عائقاً أمام علاقاتها مع حلفائها، وأمام اندماجها الإقليمي، وأمام مكانتها الدولية، فإن البيئة الخارجية نفسها تبدأ في إنتاج ضغط باتجاه التغيير.

ومن هنا فإن السؤال ليس فقط: هل الإسرائيليون مستعدون للتغيير؟ بل: هل تغير العالم بما يكفي لكي تصبح إسرائيل مضطرة إلى إعادة النظر في الطريقة التي ترى بها نفسها ودورها ومحيطها؟ فالتغيير الحقيقي قد يبدأ من داخل إسرائيل، لكنه يحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية مختلفة، وإلى تَغَيُّر في علاقة إسرائيل بحلفائها، وإلى تَغَيُّر في موقع القضية الفلسطينية داخل النظام الدولي، وإلى إعادة تعريف لمفهوم الأمن نفسه.

ذلك أن الأمن الذي يقوم على استمرار السيطرة على شعب آخر لا يستطيع أن يكون أساساً لتسوية تاريخية. والقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تلغي حق شعب في تقرير مصيره، ولا أن تحسم صراعاً سياسياً بالقوة وحدها.

لذلك، إذا جاءت حكومة إسرائيلية جديدة أكثر اعتدالاً في خطابها، واستعادت علاقاتها مع أوروبا وواشنطن، وتمكنت من إعادة دمج إسرائيل في المنطقة، لكنها أبقت الاحتلال والاستيطان والضم الفعلي، ولم توقف التهجير وارهاب المستوطنين، ولم تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولم تفتح باب المساءلة عن الجرائم التي ارتكبت، فما الذي تَغيَّر فعلاً؟ قد يعاد "تجميل" صورة إسرائيل، بينما يبقى الواقع كما هو.

وهذا هو الخطر الحقيقي: أن تتحول نتائج الحرب والدمار والتطهير العرقي والإبادة الجماعية إلى "حقائق جديدة" يجري التعامل معها باعتبارها نقطة انطلاق، بدلاً من أن تكون موضع مساءلة ومحاسبة وضمانات لعدم تكرارها.

لا يمكن أن تكون مكافأة إسرائيل على تغيير حكومتها هي إعادة تأهيل صورتها. فالتسوية التاريخية لا تبدأ بإعادة تأهيل إسرائيل، ولا بطلب من الفلسطينيين قبول النتائج التي فرضت بالقوة باعتبارها نقطة انطلاق جديدة. إنها تبدأ بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال، وبمواجهة المأساة التاريخية التي بدأت بالنكبة وما رافقها من اقتلاع وتهجير وحرمان من الحقوق.

لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن "إسرائيل ما بعد نتنياهو" ليس من سيأتي بعده، ولا حتى ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستكون أكثر اعتدالاً. فالسؤال هو: هل تستطيع إسرائيل أن تتغير من دون أن تتغير البيئة التي أوجدتها؟ وهل تستطيع أن تطلب من العالم إعادة تأهيل صورتها، من دون أن تعيد هي تأهيل علاقتها بالقانون والحقوق والعدالة؟

وهل تستطيع أن تظل قوة عسكرية متفوقة، من دون أن تدرك أن التفوق العسكري لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الحل السياسي؟

في النهاية، قد يكون التغيير الإسرائيلي ممكناً. لكنه لن يكون بمعزل عن تغير البيئة الإقليمية والدولية، ولا من دون إعادة تعريف العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين الأمن والحرية، وبين القوة والقانون.

فالسؤال التاريخي ليس ما إذا كانت إسرائيل ستغير حكومتها، بل ما إذا كانت قادرة على تغيير ذاتها.