خالد فحل يكتب لوطن: ضرب الاقتصاد الفلسطيني يبدأ من شجرة الزيتون

26/09/2026

مع اقتراب موسم قطف الزيتون، لا يعود السؤال الفلسطيني متعلقًا بكمية المحصول التي ستنتجها الأرض، بل بقدرة المزارع أصلًا على الوصول إلى أرضه. فبينما تستعد العائلات الفلسطينية لموسم يشكل مصدر دخل أساسيًا لآلاف الأسر، تتزايد المخاوف من اعتداءات المستوطنين وقيود الوصول إلى الأراضي، في مشهد يكشف أن استهداف الزراعة الفلسطينية لم يعد حادثًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا من ضغط اقتصادي متواصل على الإنسان والأرض معًا.

إن ضرب الاقتصاد الفلسطيني لا يحتاج دائمًا إلى إغلاق المصانع أو المصارف؛ يكفي أن تُمنع يد المزارع من الوصول إلى شجرته.

فالزيتونة ليست مجرد شجرة، وموسم القطاف ليس طقسًا ريفيًا عابرًا. خلف كل شجرة عائلة تنتظر محصولها، وعمال ينتظرون أجورهم، ومعاصر تنتظر الزيتون، وتجار ينتظرون السوق، وسلسلة كاملة من الأنشطة الاقتصادية التي تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند بيع الزيت.

ولهذا فإن اقتلاع شجرة أو إحراقها أو سرقة محصولها لا يمثل خسارة زراعية محدودة، وإنما ضربة تمتد آثارها إلى دخل الأسرة ودورة الإنتاج المحلية والاقتصاد الفلسطيني بأكمله.

وقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية خلال موسم الزيتون 2025، 178 اعتداءً مرتبطًا بالموسم في 88 بلدة وقرية فلسطينية، شملت الاعتداء على المزارعين وسرقة المحاصيل ومعدات الحصاد وتخريب الأشجار والشتلات. كما تضررت أكثر من 6 آلاف شجرة وشتلة.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الشجرة التي تُقتلع وحدها، بل في الاقتصاد الذي يجري استنزافه شجرة بعد أخرى.

حين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه في موسم القطاف، يخسر محصولًا. وحين تتكرر هذه القيود عامًا بعد عام، تصبح الخسارة تراكمية: أرض أقل إنتاجًا، دخل أقل، عائلات أكثر هشاشة، واستثمار زراعي يتراجع أمام الخوف والقيود والاعتداءات.

وهنا تحديدًا تتحول القضية من اعتداء على مزارع إلى قضية اقتصادية وسياسية بامتياز.

فالزراعة الفلسطينية ليست قطاعًا يمكن التعامل معه كأي نشاط اقتصادي آخر. إنها واحدة من الأدوات التي يحافظ من خلالها الفلسطيني على وجوده في أرضه، ويحوّلها من مساحة جغرافية إلى أرض منتجة. لذلك فإن إضعاف قدرة المزارع على الزراعة والحصاد يعني في الوقت نفسه إضعاف قدرة الأرض على البقاء في دورة الإنتاج الفلسطينية.

وبحسب توثيق وزارة الزراعة الفلسطينية، سجل القطاع الزراعي خلال العام الحالي ، خسائر مباشرة قُدّرت بنحو 11.78 مليون دولار، بينها قرابة 4 ملايين دولار نتيجة الأضرار التي لحقت بأشجار الزيتون. وطالت الاعتداءات 2,559 شجرة زيتون بالاقتلاع والحرق والقطع والتكسير، إلى جانب تدمير أراضٍ زراعية ومصادر مياه ومنشآت ومعدات، فضلًا عن منع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم، في مشهد يكشف أن استهداف الزراعة الفلسطينية لم يعد يقتصر على إتلاف المحاصيل، بل يمتد إلى تقويض القدرة الإنتاجية للقطاع الزراعي وضرب مصادر رزق آلاف الأسر الفلسطينية.

هذه الأرقام لا تحتاج إلى كثير من التفسير.

حين يخسر القطاع الزراعي ملايين الدولارات، وحين تُقتلع آلاف الأشجار، وحين يصبح الوصول إلى الأرض نفسها مشكلة، فإن المسألة لم تعد مجرد اعتداء على المزارع؛ إنها استنزاف مباشر لقدرة الاقتصاد الفلسطيني على الإنتاج.

والأخطر أن موسم الزيتون يأتي في وقت يعاني فيه الفلسطينيون أصلًا من ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على قدرة المزارع على الإنتاج أكثر من ضرورة اجتماعية؛ يصبح جزءًا من حماية الاقتصاد الفلسطيني من مزيد من التآكل.

وهنا تصبح حماية المزارع حماية للاقتصاد، وليست مجرد استجابة إنسانية.

لا يكفي أن نحصي الأشجار بعد اقتلاعها. ولا أن نصدر بيانًا بعد كل اعتداء. ولا أن ننتظر موسمًا جديدًا لنكتشف أن الخسائر أصبحت أكبر.

المطلوب هو التعامل مع الزراعة باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا وسياديًا يحتاج إلى حماية ودعم طويل الأمد: تعويض المزارعين عن الخسائر، إعادة زراعة الأشجار، دعم المعاصر، تطوير الصناعات المرتبطة بالزيت والزيتون، فتح أسواق جديدة، وتعزيز قدرة الأسر الزراعية على الاستمرار في أرضها.

فإذا كانت شجرة الزيتون تحتاج سنوات طويلة حتى تصبح منتجة، فإن خسارتها لا تُقاس بثمن شتلة جديدة.

والأرض التي يُمنع صاحبها من الوصول إليها لا تخسر محصولًا فقط؛ يخسر الاقتصاد الفلسطيني أصلًا من أصوله الإنتاجية.

لهذا يجب أن نتوقف عن النظر إلى الاعتداءات على موسم الزيتون باعتبارها أخبارًا موسمية. ما يجري أكبر من ذلك.

إنها محاولة لإضعاف الحلقة الأكثر التصاقًا بالأرض: المزارع، والزراعة، والإنتاج.

وإذا كان الاحتلال يضغط على الاقتصاد الفلسطيني من بوابات التجارة والحركة والموارد، فإن استهداف الزراعة يفتح جبهة أخرى: جبهة الأرض نفسها.

فالزيتونة التي تُحرق لا تُفقد ثمرتها لهذا العام فقط؛ تُفقد سنوات من الإنتاج المقبل. والمزارع الذي يخاف الوصول إلى أرضه لا يخسر يوم عمل فقط؛ يخسر الثقة بقدرته على الاستثمار في أرضه. والقرية التي تتراجع زراعتها لا تخسر محصولًا فحسب؛ تخسر جزءًا من دورتها الاقتصادية.

لهذا فإن المعركة على الزيتون ليست معركة على الزيت فقط.

إنها معركة على من ينتج، ومن يملك الأرض، ومن يستطيع أن يحولها إلى مصدر رزق.

وفي النهاية، لا يريدون من الفلسطيني أن يتوقف عن قطف الزيتون فقط؛ الخطر الأكبر أن يصل إلى اللحظة التي ينظر فيها إلى أرضه ويكتشف أن زراعتها أصبحت مكلفة، والوصول إليها محفوفًا بالخطر، وحمايتها أصعب من تركها.

وهنا تبدأ أخطر مراحل الاستنزاف: أن يُقتلع الفلسطيني من أرضه اقتصاديًا قبل أن يُقتلع منها جسديًا.

فحين تُحرق الزيتونة، لا تحترق شجرة فقط؛ يحترق جزء من اقتصاد عائلة. وحين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، لا يُغلق طريق زراعي فقط؛ يُغلق باب من أبواب الاقتصاد الفلسطيني.

إنهم لا يحاربون الزيتون لأنه زيتون.

يحاربونه لأنه يقول إن هذه الأرض ما زالت تُنتج، وإن الفلسطيني ما زال يملك ما يزرع، وما يحصد، وما يورثه لأبنائه.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تُقتلع شجرة من هنا أو تُحرق شجرة من هناك؛ بل أن يأتي يوم لا يجد فيه الفلسطيني ما يقف تحته ليقول:

هذه أرضي... وهذا رزقي... وهذه شجرتي.

وعندها فقط، لن تكون الخسارة في الزيتون.

ستكون الخسارة في فلسطين نفسها.