الضفة الغربية على موعد مع العاصفة.. الزيتون والاستيطان والانتخابات في قلب المواجهة

25/09/2026

كتب إسماعيل الريماوي: تدخل الضفة الغربية مرحلة شديدة الحساسية، تبدو فيها الأوضاع أقرب من أي وقت مضى إلى انفجار واسع قد لا يبقى محصورًا في مدينة أو مخيم أو قرية، في ظل تراكم عوامل التوتر من العمليات العسكرية والاقتحامات والاعتقالات، إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين، وتقييد حركة الفلسطينيين، والاستيلاء على الأراضي، واقتراب موسم قطف الزيتون، بالتزامن مع الأعياد اليهودية والحسابات السياسية والأمنية داخل إسرائيل مع اقتراب موعد الانتخابات ، وليس الحديث هنا عن حادث منفرد يمكن احتواؤه، بل عن بيئة كاملة تتراكم فيها أسباب الانفجار يومًا بعد يوم.

القرار الإسرائيلي الأخير بتفعيل قيادة الفرقة 98 في جنوب الضفة الغربية وتوليها مسؤولية لواءي يهودا وعصيون يكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، فالخطوة تعكس استعداد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لاحتمال التعامل مع أحداث متزامنة ومتعددة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على فرقة الضفة الغربية، وقد جاء ذلك بعد تصاعد أمني شهدته الضفة خلال الأيام الأخيرة، بما في ذلك عملية إطلاق نار أسفرت عن مقتل إسرائيلي، أعقبها تعزيز إسرائيلي للقوات والاعتقالات والعمليات الأمنية.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في العمليات الفلسطينية أو الرد العسكري الإسرائيلي، وإنما في تفاعل عدة مسارات في وقت واحد ، فالمستوطنون يواصلون توسيع نطاق اعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، فيما تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى تسجيل أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين منذ بداية عام 2026 وحتى منتصف أيلول، بمعدل يقارب 6.7 هجمات يوميًا، وطالت هذه الاعتداءات 275 تجمعًا فلسطينيًا ، وهذه الأرقام تكشف أن العنف لم يعد ظاهرة محلية محدودة، بل أصبح موزعًا على مساحة واسعة من الضفة الغربية.
ومع اقتراب موسم قطف الزيتون، تزداد المخاوف من أن يتحول الموسم الزراعي إلى واحدة من أكثر نقاط الاحتكاك خطورة ، فالزيتون بالنسبة للفلسطيني ليس مجرد محصول، وإنما أرض وذاكرة ومصدر رزق وارتباط بالقرية والعائلة ، وعندما يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه أو يتعرض للاعتداء أثناء قطف محصوله أو تُقتلع أشجاره، فإن المسألة تتجاوز الخسارة الاقتصادية لتتحول إلى مواجهة مباشرة على الأرض، وقد وثقت الأمم المتحدة خلال موسم الزيتون عام 2025 عددًا كبيرًا من الاعتداءات على المزارعين والأشجار، فيما تستعد المنظمات الإنسانية لموسم 2026 وسط مخاوف متزايدة من تكرارها.
وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط الاشتعال المقبلة: المزارع الفلسطيني والمستوطن المسلح والجيش الإسرائيلي في مساحة واحدة، وفي موسم لا يمكن تأجيله، فإذا مُنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم، أو تعرضوا لهجمات أثناء القطف، أو اندلعت مواجهات بسبب حماية المستوطنين أو تدخل الجيش، فإن حادثًا واحدًا قد يشعل سلسلة من الأحداث تمتد من قرية إلى أخرى، خصوصًا في المناطق المحيطة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية.
والضفة اليوم ليست الضفة التي كانت قبل سنوات، فالجغرافيا نفسها تتغير، والاستيطان يتوسع، والطرق والحواجز والبوابات العسكرية تقيد حركة الفلسطينيين، بينما تتعرض قرى فلسطينية لضغوط متزايدة، وفي مناطق مثل عرابة شمال الضفة، وثقت تقارير حديثة اقتلاع أشجار وتوسعًا في الأعمال المرتبطة بالمستوطنات والوجود العسكري، بما في ذلك مناطق قريبة من مناطق مصنفة فلسطينية الإدارة.
أما في القرى المحاصرة أو المحاطة بالمستوطنات، فإن استمرار الاعتداءات اليومية يخلق واقعًا بالغ الخطورة؛ لأن المجتمع الذي يعيش تحت ضغط دائم قد يصل في لحظة ما إلى نقطة لا يعود فيها قادرًا على استيعاب المزيد ، وعندها لا يحتاج الانفجار إلى قرار سياسي كبير، بل قد يبدأ بحادث عند حاجز، أو اعتداء مستوطن، أو اقتحام لبلدة، أو قتل شاب، أو محاولة طرد عائلة من أرضها.
وتزداد خطورة المشهد مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة، فحين يقابل كل رد فعل فلسطيني بتعزيزات واقتحامات واعتقالات، وحين تقابل اعتداءات المستوطنين بمزيد من الخوف والقيود لدى الفلسطينيين، تتشكل دائرة مغلقة من العنف ، وكل طرف يرى في إجراءات الطرف الآخر سببًا لمزيد من التشدد، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
وما يزيد القلق أن التصعيد قد لا يبدأ من مركز واحد ، فقد تشهد الخليل حدثًا، بينما تقع مواجهة في نابلس أو جنين، ويتزامن ذلك مع توتر في رام الله أو بيت لحم، واعتداء للمستوطنين في قرية أخرى ، وفي هذه الحالة تصبح قدرة القوات الموجودة على التعامل مع الأحداث المتزامنة موضع اختبار، وهو ما يفسر أهمية القرار الإسرائيلي بإدخال قيادة عسكرية إضافية إلى جنوب الضفة.
لكن رفع مستوى الانتشار العسكري لا يعني بالضرورة منع الانفجار؛ بل قد يؤدي، إذا ترافق مع عمليات واسعة وإغلاقات واقتحامات، إلى زيادة الاحتكاك على الأرض ، فالانتشار العسكري قد يردع بعض العمليات، لكنه في الوقت نفسه يعني مزيدًا من الجنود والحواجز والمداهمات ونقاط الاحتكاك في حياة الفلسطينيين اليومية.
ثم تأتي الانتخابات الإسرائيلية لتضيف عاملًا سياسيًا آخر إلى المشهد ، فالضفة ليست بعيدة عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، والاستيطان والأمن والتهجير ملفات حاضرة في النقاش الإسرائيلي ، ومع اقتراب الانتخابات، تصبح كل عملية أمنية أو حادث كبير قابلًا لأن يتحول إلى قضية سياسية داخلية، وهو ما قد يجعل مساحة المناورة أمام صناع القرار أكثر ضيقًا.
والأخطر أن الضفة الغربية أصبحت مرتبطة بما يحدث في غزة وبالمشهد الإقليمي الأوسع، فكلما طال أمد الحرب والدمار في غزة، وكلما اتسعت الإجراءات الإسرائيلية في الضفة، يصبح الفصل بين الجبهتين أكثر صعوبة من الناحية السياسية والنفسية والشعبية ، ولهذا فإن أي حدث كبير في الضفة قد يتحول بسرعة إلى شرارة تتجاوز حدود المنطقة التي بدأ فيها.
السؤال اليوم ليس ما إذا كانت الضفة الغربية تعيش توترًا؛ فهذا بات واضحًا، وإنما هل تستطيع الأطراف المختلفة منع هذا التوتر من التحول إلى انفجار واسع؟ المؤشرات الميدانية لا تمنح كثيرًا من أسباب الاطمئنان: اعتداءات المستوطنين في ارتفاع، والقيود على الحركة مستمرة ، وموسم الزيتون يقترب، والجيش الإسرائيلي يعزز انتشاره ، والمشهد السياسي الإسرائيلي يعيش مرحلة حساسة.
الضفة تقف إذن أمام اختبار خطير، فقد لا يكون الانفجار الكبير قرارًا يتخذه طرف واحد، وإنما نتيجة تراكم طويل من الاحتقان والاعتداءات والاقتحامات والاستيطان والقتل والحصار والخوف ، وفي مثل هذه الظروف، يكفي أحيانًا حادث واحد خطير لإشعال حريق أكبر من قدرة الجميع على السيطرة عليه.
وإذا كان قرار إدخال الفرقة 98 يعكس خشية إسرائيلية من تعدد بؤر التوتر، فإن الرسالة الأوضح التي يجب أن تُقرأ في المقابل هي أن الضفة الغربية لم تعد جبهة يمكن التعامل معها باعتبارها ملفًا أمنيًا منفصلًا عن بقية المشهد الفلسطيني ، إنها أرض تغلي تحت السطح، وكل يوم جديد يحمل معه احتمالًا جديدًا للاشتعال.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل نحن أمام مرحلة احتواء جديدة، أم أن الضفة الغربية تتجه بالفعل نحو انفجار واسع قد يغيّر شكل المشهد الفلسطيني والإسرائيلي كله؟