هارون بشارة يكتب لوطن: أفق جديد: ألوان العقد الاجتماعي الذي نحتاجه اليوم

24/09/2026

 مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي وتصاعد وتيرة الحراك السياسي، يجد المواطن نفسه مرة أخرى غارقاً في طوفان من الوعود الشعاراتية والخطابات العاطفية التي سرعان ما تتهاوى وتتبخر عند أول اختبار أمام تعقيدات الواقع. إن المشكلة الحقيقية في المشهد السياسي الراهن لا تكمن في غياب المبادرات أو قلة البرامج، بل في كونها تُطرح دائماً كحلول جزئية ومفككة؛ فصيل يبيع الشارع شعارات وطنية فضفاضة على حساب لقمة العيش وصمود المواطن اليومي، وتيار آخر يعد بالرخاء والتنمية الاقتصادية عبر معادلات تقنية باردة تتجاهل الهوية الوطنية والكرامة وحقوق المجتمع.

وفي خضم هذا التيه الممتد، تتنحى المزايدات جانباً لتقدم مبادرة "أفق جديد" رؤيتها السياسية والاجتماعية ليس كبرنامج انتخابي عابر، بل كعقد اجتماعي متكامل وخارطة طريق لإعادة بناء الفضاء العام على أسس صلبة.
تتجسد فلسفة هذه الرؤية وشموليتها في تلك اللوحة الفسيفسائية الشاهقة التي لا تُختزل في مجرد عمل فني، بل تقرأ كوثيقة تأسيسية؛ شجرة باسقة ذات جذور ممتدة وأغصان متدرجة الألوان، تعلن بأصالة أن نهضة المجتمعات لا تتم بالقفز فوق المراحل أو تفكيك القضايا، بل عبر منظومة متماسكة يعزز فيها كل جزء وجود الآخر.
التربة والجذع: الهوية والعدالة كشرطين للصمود
تنطلق هذه الرؤية من التربة والعمق البرتقالي عند قاعدة الشجرة—وهي الحاضنة الشعبية والأرض والهوية الوطنية الجامعة. فالعمل السياسي الذي يفتقر إلى جذور ضاربة في عمق الأرض ومعاناة الناس اليومية يتحول إلى كائن هش تجرفه أول عاصفة. البرتقالي هنا هو التمسك بالحقوق الوطنية والثقافية كقاعدة انطلاق غير قابلة للتفاوض، والتي بدونها تصبح أي عملية إصلاحية مجرد بناء على رمال متحركة. إن البدء من هذه القاعدة يعني إعادة الاعتبار لنبض الشارع وصوته، وجعل المواطن شريكاً أصيلاً في صياغة قراره الوطني لا مجرد رقماً في صندوق الاقتراع.
ومن هذه التربة الصلبة ينبت الجذع الأحمر، القوة الحركية الرافعة للشجرة، ليعلن الانحياز المباشر والمبدئي للعدالة الاجتماعية. إن الجذع الأحمر هو صمام الأمان الذي يحمي الطبقات الشعبية الكادحة، الفلاحين والعمال، والمعلمين، والمهمشين في القرى والمخيمات. فلا معنى لأي شعار براق أو استقلال سياسي إذا لم يتجسد في حماية كرامة المواطن، والوقوف بصلابة ضد الفوارق الطبقية، ومناهضة كافة أشكال الظلم والتهميش.
يتجلى هذا الانحياز عبر سياسات اقتصادية حازمة: سن تشريعات تحمي العمال، فرض نظام ضريبي تصاعدي يرفع العبء عن الفقراء ومحدودي الدخل، وتوجيه الإنفاق الحكومي نحو الاستثمار في الخدمة العامة المجانية والكريمة، وعلى رأسها التعليم والصحة.
الأغصان والأوراق: الكفاءة والمعرفة في خدمة السيادة الإنتاجية
ولأن النوايا الحسنة والصلابة النضالية وحدهما لا تبنيان دولة مؤسسات، تتشعب من هذا الجذع الفروع الصفراء المحملة بالضياء. إن الأصفر في هذه الرؤية ليس شحوباً أو نهجاً متكلساً، بل هو نور المعرفة، والكفاءة العلمية، والإدارة التقنية المستقلة. إنه طاقة الخبراء والتكنوقراط الوطني الشريف الذي يمتلك الأدوات والخطط الواقعية؛ أولئك الذين يحولون المبادئ إلى سياسات مالية محكمة ومؤسسات راسخة.
تُرجم هذه الأغصان عملياً من خلال إصلاح المنظومة الإدارية، واعتماد معايير النزاهة والشفافية بدلاً من المحاصصة الحزبية والمحسوبية، وإرساء دعائم التحول الرقمي لمكافحة الترهل والفساد وتسهيل معاملات المواطنين.
ومن هذه الكفاءة المعرفية تورق الشجرة أوراقاً فتية باللون الأخضر، لتعيد استحضار رمزية شجرة الزيتون المباركة المعطاءة؛ شجرة التجذر والإنتاج والصمود. فالأخضر هنا ليس مجرد شعار بيئي مجرد، بل هو روح التنمية المستدامة، والسيادة الوطنية على الأرض والموارد المائية. إن رمزية الزيتونة تجسد بامتياز مفهوم الاقتصاد الإنتاجي الذي لا يستسلم للاعتداءات والقرصنة أو الارتهان للمساعدات الخارجية المشروطة.
إنها الدعوة لبناء سيادة غذائية حقيقية عبر استصلاح الأراضي، ودعم الفلاحين بالمعدات والتقنيات الحديثة، والتحول نحو الطاقة البديلة، وتحويل نشاطنا الزراعي والصناعي إلى نضال يومي يربط بين كرامة الفلاح والسيادة الوطنية على مقدراتنا.
القمة البنفسجية: دولة القانون والمواطنة الجامعة
وفي أعلى المشهد، تتوج القمة باللون البنفسجي الذي يتطلع دائماً نحو السماء؛ إنه الفضاء الحقوقي، والمجتمع المدني الحي، وسيادة القانون، والمواطنة. هذه القمة هي التاج الذي يضمن حرية التعبير، واستقلالية القضاء، وتفعيل الرقابة الشعبية الصارمة على مؤسسات الحكم، لمنع التفرد بالقرار وضمان أن تبقى الشجرة ملكاً للجميع دون استثناء. تتجسد هذه القمة في خلق بيئة ديمقراطية تحمي الحق في التظاهر السلمي، وتصون حرية الصحافة، وتتيح للمؤسسات الأهلية والشبابية المشاركة الفعالة في مسار التنمية.
بناء المستقبل: عقد متكامل لا يقبل التجزئة
إن الحقيقة الجوهرية التي تطرحها رؤية "أفق جديد" في هذا التوقيت المفصلي هي أن الشجرة لا يمكن أن تنمو أو تستقيم بلون واحد. فلا يمكن مطالبة الشارع بالقمة البنفسجية (الحريات والديمقراطية) إذا كان الجذع الأحمر (العدالة الاجتماعية) مكسوراً، ولا يمكن تحفيز الأوراق الخضراء (التنمية والإنتاج) دون أغصان صفراء (العلم والكفاءة) ترعاها وتوجهها.
إنها دعوة صريحة للوعي والقطع مع الحلول الترقيعية؛ فالمستقبل لا يُصنع بالوعود الانتخابية العابرة، بل ببناء مجتمع متكامل ومتماسك، حجر فسيفساء تلو الآخر، ليقف في وجه التحديات بعزيمة لا تلين.