عبد الحكيم فقهاء لـوطن: الاقتصاد الفلسطيني يدفع ثمن أزمة فائض الشيكل.. والمطلوب إدارة الأزمة وبناء اقتصاد الصمود

23/09/2026

وطن للأنباء: يواجه الاقتصاد الفلسطيني واحدة من أكثر مراحله تعقيداً، في ظل أزمات مالية واقتصادية متراكمة فاقمتها تداعيات العدوان الإسرائيلي الشامل على الضفة الغربية وقطاع غزة، لتنعكس على مختلف مكونات الاقتصاد، من المالية العامة والقطاع المصرفي، إلى القطاع الخاص وسوق العمل والاستثمار.

وفي ظل استمرار أزمة أموال المقاصة، وتراجع العمالة الفلسطينية في الداخل، وتراكم الالتزامات المالية على الحكومة، إلى جانب أزمة فائض الشيكل، تبدو قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود مرتبطة ليس فقط بالمعالجات الطارئة، وإنما بإعادة النظر في أسس النموذج الاقتصادي وآليات إدارة الموارد والإنتاج.

رجل الأعمال والخبير الاقتصادي عبد الحكيم فقهاء يرى أن أزمة المقاصة سبقت العدوان الشامل على الفلسطينيين، وأن نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، أياً كانت، لن تعني بالضرورة انتهاء الأزمة، وإن كانت قد تفتح المجال أمام حلول جزئية ومحدودة الأثر.

- تحرير أموال المقاصة.. شرط لاستمرار الاقتصاد وليس شرطاً لسداد كامل الالتزامات

ويشير فقهاء خلال حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يقوم بصورة أساسية على ثلاثة مكونات رئيسية؛ العمالة في الداخل بنسبة تقارب 30%، والقطاع العام بنحو 30%، فيما يمثل القطاع الخاص نحو 40%، مؤكداً أن جميع هذه القطاعات تواجه اليوم أزمات وتحديات متراكمة.

وفي الجانب المالي، يلفت إلى حجم الالتزامات المترتبة على الحكومة الفلسطينية، وتُقدرُ بنحو 12 مليار دولار، مقابل نحو 5 مليارات دولار من أموال المقاصة المحتجزة، ما يعني أن تحرير أموال المقاصة، وفق هذه الأرقام، لن يؤدي تلقائياً إلى إنهاء كامل الالتزامات الحكومية تجاه الموظفين.

ويعزو فقهاء ذلك إلى أن القضية ترتبط بتركيبة الموازنة الفلسطينية نفسها، التي عانت منذ سنوات من عجز مُزمن، بالتزامن مع تراجع الدعم الخارجي والاعتماد بدرجة كبيرة على إيرادات المقاصة والإيرادات المحلية.

وبحسب فقهاء، فإن تحرير أموال المقاصة يمثل شرطاً أساسياً لبقاء الاقتصاد الفلسطيني قادراً على العمل، لكنه ليس بالضرورة شرطاً كافياً لتسديد جميع التزامات الحكومة، في ظل تراكم المستحقات على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، إضافة إلى الموردين ومزودي الخدمات.

- القطاع الخاص.. الحفاظ على الموجود قبل البحث عن استثمارات جديدة
وفي مواجهة هذه الظروف، يرى فقهاء أن التحدي الأول أمام القطاع الخاص، ويعد الرافعة الأسياسية للاقتصاد الوطني في هذه الظروف، لا يتمثل فقط في جذب استثمارات جديدة، وإنما في المحافظة على الاستثمارات القائمة وقدرتها التشغيلية والاستمرار في العمل.

ويؤكد أن جذب استثمارات جديدة يحتاج إلى بيئة جاذبة، وهو ما يتطلب، إلى جانب الإجراءات الاقتصادية، بيئة قانونية مواتية وأفقاً سياسياً واقتصادياً أكثر وضوحاً، خصوصاً في ظل حالة الضبابية التي تحيط بالمشهد الفلسطيني.

ورغم الظروف الصعبة، يشير فقهاء إلى أن القطاع الخاص لا يزال صامداً، معتبراً أن مرونة القطاع الخاص، التي اكتسبها نتيجة الأزمات المتتالية التي مر بها الاقتصاد الوطني، ساعدته على التعامل مع الظروف الطارئة وابتكار خطط وبدائل للحفاظ على استمراريته.

- الاستثمار.. من الصمود إلى الإنتاج
لكن المحافظة على الاستثمارات القائمة وحدها لا تكفي، وفق فقهاء، إذ يحتاج الاقتصاد الفلسطيني إلى سياسات تسمح بإعادة تحريك عجلة الإنتاج والاستثمار.

ويرى أن الحكومة تستطيع دعم القطاع الخاص من خلال توفير التسهيلات القانونية، وتهيئة بيئة أعمال أكثر ملاءمة، وبالتخفيف من المخاطر التي تحيط بعمل الشركات، إلى جانب اتخاذ إجراءات تحد من الاستيراد والإغراق الذي يؤثر على قدرة المنتج المحلي على المنافسة.

ويشدد في هذا السياق على ضرورة إعادة الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية، بعدما تراجعت حصتها في الاقتصاد الفلسطيني، معتبراً أن قطاعات مثل الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات، يمكن أن تشكل روافع للنمو، خصوصاً تلك القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العاملين وتحقيق قيمة مضافة مرتفعة.

- البطالة.. أزمة اقتصادية واجتماعية
ولا ينظر فقهاء إلى البطالة باعتبارها مؤشراً اقتصادياً فقط، بل يصفها بأنها أزمة اجتماعية أيضاً، مشدداً على أن معالجة البطالة تتطلب توجيه السياسات نحو قطاعات إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.

ويرى أن بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود يحتاج إلى خطة واضحة، معتبراً أن الاقتصاد الفلسطيني لم يمتلك، منذ نشوء السلطة الفلسطينية قبل نحو ثلاثة عقود، خطة واضحة ومتكاملة لبناء "اقتصاد الصمود".

ويؤكد أن الإصلاحات الاقتصادية أصبحت ضرورة، لكن من المهم أن تنطلق من الأولويات والاحتياجات الفلسطينية، وأن تراعي الإمكانيات المالية الفعلية للاقتصاد والمجتمع الفلسطيني، لا أن ترتكز على المطالبات الأمريكية والأوروبية التي تستهدف إخضاع الفلسطينيين وتدفيعهم أثماناً سياسية باهظة.

- الموازنة.. خلل هيكلي يتراكم منذ سنوات
وفي هذا الإطار، يشير فقهاء إلى وجود خلل هيكلي في الموازنة الفلسطينية تراكم على مدى سنوات، معتبراً أن كل مواطن فلسطيني يدفع اليوم جزءً من ثمن هذا الخلل.

ويشدد على ضرورة بناء الموازنة وفق الإمكانيات المالية المتاحة، بما ينسجم مع الموارد الفعلية وقدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات، بدلاً من استمرار الفجوة بين الالتزامات والنفقات من جهة، والإيرادات المتاحة من جهة أخرى.

- فائض الشيكل.. أزمة تتجاوز المصارف
إلى جانب المقاصة، تبرز أزمة فائض الشيكل باعتبارها أحد أكثر التحديات إلحاحاً أمام الاقتصاد الفلسطيني والقطاع المصرفي والقطاع الخاص.

ويرى فقهاء أن جزءً من فائض الشيكل مرتبط بحجم المبيعات والمشتريات من الفلسطينيين في الداخل المحتل، وبالتدفقات النقدية التي تدخل إلى الأسواق الفلسطينية، إضافة إلى ما يصفه بالاقتصاد الموازي والتهريب.

ويشير إلى أن جزءً من توجه الفلسطينيين من الداخل إلى أسواق الضفة يرتبط بمرونة الدفع النقدي، الأمر الذي يزيد من تدفقات الشيكل إلى الاقتصاد الوطني، في وقت يعاني فيه النظام المصرفي من صعوبة في التخلص من هذه السيولة وإعادة تدويرها.

وبحسب فقهاء، فإن الاقتصاد الوطني يدفع ثمناً مباشراً لأزمة فائض الشيكل، ما يستدعي تنظيم عدد من القطاعات التي يمكن أن تشكل قنوات لاستيعاب السيولة النقدية، وفي مقدمتها العقارات والمعادن الثمينة والمحروقات، إلى جانب التوسع في حلول الدفع الإلكتروني.

- ضبط حركة النقد.. وتنظيم القطاعات الأكثر تأثراً
ويرى فقهاء أن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع مصادر تدفقات الشيكل، وليس فقط مع نتائج تراكمه داخل الجهاز المصرفي.

ويشير إلى أن سقف التعاملات النقدية في الداخل المحتل محدد بمبلغ معين، فيما يحتاج الاقتصاد الفلسطيني إلى إجراءات تنظيمية أكثر فاعلية للحد من التدفقات النقدية غير المنظمة.

وفي هذا السياق، يطرح التوجه نحو الدفع الإلكتروني باعتباره أحد المسارات الممكنة، خصوصاً مع تنامي استخدام أدوات الدفع الإلكتروني في فلسطين، لكنه يشدد على أن أثر هذه الحلول سيكون أكثر إيجابية إذا ارتبطت بتدفقات نقدية منظمة تسمح للاقتصاد الفلسطيني بالتعامل مع الشيكل بصورة أكثر كفاءة.

ويحذر من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى نشوء "دورة اقتصادية موازية"، بما يضيف تحديات جديدة أمام الاقتصاد الرسمي والقطاع المصرفي.

- العقارات.. بوابة رئيسية لمعالجة أزمة فائض الشيكل

وعند سؤاله عن الحل الواحد الذي سيبدأ به لو أتيحت له فرصة تطبيق إجراء فوري لمعالجة أزمة فائض الشيكل، يضع فقهاء تنظيم وضبط قطاع العقارات في مقدمة الأولويات، بغض النظر عن هوية المشتري.

ويعتبر أن تنظيم هذا القطاع يمكن أن يساهم في الحد من حركة الأموال غير المنظمة واستيعاب جزء من السيولة ضمن قنوات اقتصادية أكثر وضوحاً، بالتوازي مع تنظيم قطاعات أخرى مثل المعادن الثمينة والمحروقات.

ويؤكد أيضاً أهمية الاستثمار في مجالات الطاقة البديلة وإزالة المعوقات أمامها، معتبراً أن معالجة أزمة الوقود ضرورية أيضاً، نظراً إلى أن الطاقة تشكل مدخلاً أساسياً في عملية الإنتاج.

- إدارة الأزمة أم إعادة بناء الاقتصاد؟
وفي ظل تداخل أزمات المقاصة وفائض الشيكل وتراجع العمالة الفلسطينية في الداخل وتراجع القدرة الإنتاجية وتعثر جزء من الشركات، يرى فقهاء أن السؤال لم يعد يقتصر على كيفية إدارة الأزمة الحالية، وإنما يمتد إلى طبيعة الاقتصاد الفلسطيني الذي ينبغي بناؤه في المرحلة المقبلة.

فالمطلوب، وفق رؤيته، هو الجمع بين الحلول الطارئة وإدارة الأزمة من جهة، والعمل بالتوازي على بناء نموذج اقتصادي فلسطيني أكثر إنتاجية وقدرة على الصمود من جهة أخرى.

ويخلص فقهاء إلى أن حماية الاقتصاد لا تتوقف عند تحرير أموال المقاصة أو معالجة فائض الشيكل، بل تتطلب إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، ودعم القطاعات الإنتاجية، وحماية الاستثمارات القائمة، وتوفير بيئة قانونية واقتصادية مناسبة، وصولاً إلى اقتصاد أكثر قدرة على توليد فرص العمل والقيمة المضافة وتقليل مواطِن الهشاشة أمام الأزمات المتكررة.