إسماعيل الريماوي يكتب لوطن: يوم الغفران الإسرائيلي.. حين يصبح الاعتذار تهمة والاعتراف بالخطيئة جريمة

23/09/2026

 في مناسبة يفترض أن تكون عنواناً للتوبة ومراجعة الذات والاعتراف بالأخطاء، يأتي يوم الغفران هذا العام في إسرائيل وسط مفارقة سياسية وأخلاقية تكشف حجم الأزمة التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي: من يطلب المغفرة ممن؟ ومن يقف أمام المرآة ليحاسب نفسه؟ ومن يملك الشجاعة ليقول إن القوة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، وإن امتلاك السلاح والتفوق العسكري لا يعني امتلاك الحقيقة؟

هذه المفارقة هي جوهر المقال الساخر الذي نشره الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في صحيفة «هآرتس» عشية يوم الغفران، حين قلب المعنى رأساً على عقب، ودعا العالم، بسخرية لاذعة، إلى الاعتذار لإسرائيل بدلاً من أن تسأل إسرائيل نفسها عما فعلته، الفكرة ليست دعوة حقيقية إلى اعتذار العالم، بل محاولة لوضع المرآة أمام مجتمع يرى نفسه دائماً في موقع الضحية، حتى عندما يصبح هو الطرف الأقوى والمسيطر على الأرض والسلاح والحدود والسماء.

السؤال الذي يطرحه ليفي، وإن بصورة ساخرة، يتجاوز مناسبة دينية إلى أزمة سياسية وأخلاقية أعمق: ماذا يحدث عندما تتحول فكرة «الضحية التاريخية» إلى حصانة دائمة من المساءلة؟ وماذا يحدث عندما يصبح الاعتراف بمعاناة الآخر نوعاً من الخيانة، والحديث عن حقوق الفلسطينيين تشكيكاً في حق إسرائيل في الوجود، وانتقاد سياسات الحكومة أو الجيش اعتداءً على المجتمع كله؟
يوم الغفران في جوهره ليس احتفالاً بالقوة، بل مناسبة لمراجعة الذات، ولذلك فإن المفارقة الكبرى ليست في أن تنتقد إسرائيل، بل في أن يصبح الاعتراف بالخطأ أمراً شبه مستحيل في خطاب سياسي يرى كل انتقاد خارجياً باعتباره عداءً، وكل ضغط دولي مؤامرة، وكل مطالبة بمحاسبة إسرائيل محاولة لنزع الشرعية عنها، هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن لدولة أن تطلب من العالم احترام أمنها وحقوقها، بينما ترفض في الوقت ذاته أن تُسأل عن حقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال؟

ما يجري في غزة والضفة الغربية جعل هذا السؤال أكثر قسوة، فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين غير متكافئين ، بل تحولت إلى قضية إنسانية وقانونية وسياسية مفتوحة أمام العالم ، وفي الضفة الغربية تتواصل قضايا الاستيطان والسيطرة على الأرض والاعتداءات على الفلسطينيين، بينما تتزايد الضغوط الدولية على إسرائيل بشأن سياساتها في الأراضي المحتلة، ولذلك فإن محاولة اختزال كل هذا في سؤال «هل العالم مع إسرائيل أم ضدها؟» لا تجيب عن جوهر المشكلة.
المشكلة الحقيقية أن المجتمع الذي يرفض محاسبة نفسه يفقد القدرة على التمييز بين اجرامه او الدفاع عن أمنه وبين تبرير كل ما  يُرتكب باسمه ، والجيش الذي يُقال إنه «الأكثر أخلاقية» لا يصبح كذلك بمجرد تكرار العبارة، بل من خلال سلوك يمكن إخضاعه للمساءلة والتحقيق والقانون ،  والدولة الديمقراطية لا تثبت ديمقراطيتها عندما تسمح لنفسها بانتقاد خصومها فقط ،  بل عندما تقبل أيضاً أن تُراجع أفعالها وأن يُحاسب المسؤولون عنها.
ولعل أخطر ما في اللحظة الإسرائيلية الراهنة هو اتساع المسافة بين صورة إسرائيل التي تريد تقديمها للعالم وبين الصورة التي تنتجها الوقائع على الأرض.

فكلما اتسعت دائرة الضحايا والدمار والتهجير والاستيطان، يصبح من الصعب إقناع العالم بأن المشكلة كلها تكمن في «سوء الفهم» أو في الدعاية المعادية لإسرائيل، قد يختلف العالم في تفسير الأسباب والمسؤوليات، وقد تتباين المواقف السياسية والقانونية، لكن صور الحرب ومعاناة المدنيين لا يمكن إلغاؤها بمجرد الخطاب السياسي.
وهنا تأتي أهمية صوت ليفي من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، فالنقد الصادر من صحفي إسرائيلي لا يعني أنه يمثل إسرائيل كلها، ولا يعني أن جميع الإسرائيليين يتبنون مضمونه، لكنه يكشف وجود صراع داخلي على تعريف معنى الأخلاق والمسؤولية وحدود القوة، وفي المقابل، توجد داخل إسرائيل أيضاً أصوات ومؤسسات تدافع عن الرواية الإسرائيلية وتؤكد المخاطر الأمنية التي تواجهها الدولة والمجتمع الإسرائيلي، ولذلك فإن الصورة أكثر تعقيداً من اختزالها في موقف واحد.

لكن المسألة الأهم تبقى: هل تستطيع إسرائيل أن تفصل بين حق مواطنيها في الأمن وبين حقوق الفلسطينيين؟ وهل يمكن أن يستمر الاحتلال والاستيطان والحرب دون أن تنتج هذه السياسات أثماناً سياسية وأخلاقية وقانونية متزايدة؟ وهل يمكن لدولة أن تطلب من العالم أن يتفهم مخاوفها التاريخية، بينما ترفض أن تفهم مخاوف شعب آخر عاش لعقود تحت الاحتلال والتهجير والسيطرة العسكرية؟
إن يوم الغفران، إذا أُخذ بمعناه الأخلاقي، لا يحتاج إلى تحديد شعب مذنب وشعب بريء على نحو مطلق ، لا الفلسطينيون مطالبون بالاعتذار عن وجودهم، ولا الإسرائيليون معفون من مراجعة أفعال دولتهم ، الاعتراف بحق الفلسطينيين لا يلغي حق الإسرائيليين في الأمن، كما أن الاعتراف بحق الإسرائيليين في الأمن لا يلغي حقوق الفلسطينيين في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى جدار، والضحية إلى هوية سياسية تمنع الاعتراف بآلام الآخرين، والقوة إلى مبرر لعدم الاعتذار ، عندها يصبح يوم الغفران مجرد طقس ديني منفصل عن جوهره الأخلاقي.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي في يوم الغفران ليس من الذي يجب أن يعتذر لإسرائيل، بل هل تستطيع إسرائيل أن تنظر إلى نفسها كما تنظر إليها الشعوب التي تعيش تحت الاحتلال والحرب والاستيطان؟ وهل تستطيع أن تسمع صوت الفلسطيني ليس بوصفه عدواً، بل إنساناً له حقوق لا تسقط بسبب التاريخ ولا بسبب الحرب؟
ربما تكون أقسى رسالة في مقال ليفي أن المجتمع الذي يعتقد أنه لا يرتكب الخطأ لن يحتاج إلى التوبة أصلاً ، وعندما يصبح الاعتذار ضعفاً، والاعتراف بالخطأ خيانة، ومحاسبة القوة مؤامرة، فإن المشكلة لا تعود في يوم الغفران، بل في فقدان القدرة على فهم معنى الغفران نفسه.
في النهاية، لا يمكن بناء مستقبل مختلف بالعيش الدائم في دور الضحية، ولا يمكن تحقيق الأمن الحقيقي بإلغاء حقوق الآخرين، التاريخ لا يمنح أحداً حصانة أبدية، والقوة لا تحول الخطأ إلى صواب، والضحايا لا يفقدون حقوقهم لأنهم ولدوا في الجانب الآخر من الحدود ،  وإذا كان يوم الغفران مناسبة لمراجعة الذات، فإن الاختبار الحقيقي ليس عدد الصلوات التي تُتلى، بل مقدار الشجاعة في الاعتراف بالألم الذي تسببنا به للآخرين، والاستعداد لتغيير السياسات التي تنتجه قبل كل شئ.
فالغفران الذي لا يسبقه اعتراف ليس غفراناً، والتوبة التي لا تقود إلى تغيير ليست سوى طقس يتكرر، بينما يستمر الألم على الأرض.