
نشر مركز "جيوبوليتك روسيا"، يوم الأحد الموافق 20/9/2026، نص حوار تلفزيوني مع المفكر الروسي ألكسندر دوغين، بعنوان "العالم متعدد الأقطاب لم يعد نظرية: من يالطا إلى نيودلهي".
النص في الأصل حوار تلفزيوني مع المفكر الروسي، نُشر بالروسية ثم تُرجم إلى الإنجليزية. وفيما يلي ترجمة عربية مكثفة لأفكاره الأساسية.
يرى دوغين أن قمة "بريكس" في نيودلهي تمثل مرحلة جديدة في الانتقال من النظام الأحادي القطبية إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب. فما كان قبل ثلاثين عامًا مجرد نظرية، أصبح اليوم واقعًا جيوسياسيًا آخذًا في التشكل.
بلغ النظام الأحادي ذروته في تسعينيات القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، عندما اعتبر الغرب نفسه القوة العالمية الوحيدة، وتحولت العولمة إلى نظام يقوم على مركز غربي وأطراف تابعة له. لكن وصول فلاديمير بوتين، وصعود الصين، وعودة روسيا إلى مقاومة الهيمنة الغربية، بدأت جميعها في تقويض هذا البناء.
الأمم المتحدة بين يالطا والتعددية القطبية
تجسد الأمم المتحدة، وفق دوغين، نظامًا سابقًا وُلد بعد الحرب العالمية الثانية: نظام يالطا القائم على القطبية الثنائية، مع وجود حركة عدم الانحياز. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حاول الغرب تجاوز هذا الإطار وبناء نظام قانوني أحادي القطبية تقوده "الديمقراطيات الغربية".
أما صعود التعددية القطبية، فيفرض هندسة دولية مختلفة. والسؤال اليوم هو: هل يمكن إصلاح الأمم المتحدة وتحويلها إلى مؤسسة تعكس تعدد الأقطاب، أم ستنشأ بنية دولية بديلة حول "بريكس" الموسعة؟
المسار العام واضح، لكن الشكل القانوني والمؤسسي النهائي للنظام الجديد لم يتحدد بعد.
الهند هي الدولة المرجِّحة
يعتبر دوغين الهند "بيضة القبان" في الصراع بين الأحادية والتعددية. فإذا تموضعت بصورة راسخة إلى جانب روسيا والصين وإيران والبرازيل والدول الإفريقية المستقلة، يصبح العالم المتعدد الأقطاب حقيقة مكتملة.
لكن الهند تواجه تناقضات مهمة:
• لها تقاليد مناهضة للاستعمار، ومصالح في التحرر من الهيمنة الغربية.
• تمتلك هوية حضارية خاصة لا تنتمي إلى الغرب.
• لا توجد بينها وبين روسيا تناقضات جيوسياسية جوهرية.
• لكنها تتنافس إقليميًا مع الصين، وتواجه خلافات حدودية معها.
• تخشى الحركات الإسلامية المتطرفة، مما يقربها أحيانًا من إسرائيل.
• يدفعها التنافس مع الصين إلى الاحتفاظ بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يعتقد دوغين أن مودي ظهر في قمة نيودلهي مدافعًا نشطًا عن التعددية القطبية، ولا سيما من خلال الدعوة إلى تعزيز النظام الاقتصادي والتجاري داخل "بريكس"، وتقليل الاعتماد على الدولار.
هل تتحول "بريكس" إلى تحالف عسكري؟
يزعم دوغين أن نقاشًا يدور خلف الكواليس حول إمكان تطوير "بريكس" نحو تحالف عسكري. وحجته أن الغرب، إذا رفض انتقال القوة سلميًا وهدد الدول الساعية إلى نظام مختلف، فعلى معسكر التعددية أن يمتلك ردًا متكافئًا، يشمل المناورات المشتركة والمعاهدات الدفاعية.
وهو يرى أن إظهار الاستعداد للمواجهة لا يؤدي بالضرورة إلى حرب عالمية ثالثة، بل قد يمنعها عبر الردع. أما إظهار الخوف من الصدام، فيشجع الخصم على استخدام القوة.
إيران والحوثيون في ميزان القوى
يقدم دوغين صمود إيران أمام الهجوم الأميركي–الإسرائيلي، إلى جانب سيطرة أنصار الله على جنوب غربي اليمن وتأثيرهم في باب المندب، بوصفهما عاملين أضافا ثقلًا استراتيجيًا إلى المعسكر المتعدد الأقطاب.
فالمعركة، في تصوره، لم تعد بين دول منفردة، بل بين محور غربي يسعى إلى المحافظة على النظام الأحادي، ومحور أوراسي–جنوبي يريد إعادة توزيع القوة العالمية.
الغرب منقسم والشرق أكثر تماسكًا
يقسم دوغين الغرب إلى خمسة مراكز متنافسة:
1. أميركا ترامب.
2. إسرائيل نتنياهو.
3. الاتحاد الأوروبي بقيادته الليبرالية.
4. بريطانيا وتوجهها الأطلسي الخاص.
5. التيار العولمي داخل الولايات المتحدة.
ويرى أن التناقضات داخل هذه المراكز وبينها تضعف قدرة الغرب على العمل الموحد. وفي المقابل، تقف روسيا والصين والهند بوصفها «إمبراطوريات حضارية» تقودها سلطات مركزية قادرة على التفكير الاستراتيجي الطويل.
ينتقد دوغين الديمقراطية الغربية لأنها تفرض التغيير المستمر في القيادة العليا، ويعتبر أن هذا يمنع الاستمرارية الاستراتيجية. لكنه يعترف بأن الغرب يعوض ذلك بوجود «الدولة العميقة» والمؤسسات غير المنتخبة.
هل وصلت التعددية القطبية إلى نقطة اللاعودة؟
لا يجزم دوغين بأن قمة نيودلهي كانت نقطة التحول النهائية. فقد يتبين لاحقًا أن التحول وقع عند هذه القمة، أو مع بداية الحرب في أوكرانيا، أو عند أزمة تايوان، أو خلال الحرب مع إيران.
لا يمكن، في رأيه، تحديد لحظة الانتقال التاريخية أثناء حدوثها؛ لأن القوة المهيمنة لا تزال قادرة على شن هجوم مضاد وإبطاء المسار. لذلك يدعو روسيا والصين والهند إلى الانتقال من ردود الأفعال إلى استراتيجية بعيدة المدى لبناء النظام المتعدد الأقطاب.
الأخلاق والقوة في الغرب
يخصص دوغين جزءًا واسعًا للحديث عن الانقسام الأخلاقي والثقافي داخل المجتمعات الغربية. لكنه يحذر من افتراض أن التدهور الأخلاقي يعني الضعف الاستراتيجي تلقائيًا؛ فالقوى التي لا تخضع لقيود أخلاقية قد تصبح أكثر عنفًا وقدرة على استخدام وسائل لا يستخدمها خصومها.
ويرى أن على روسيا وحلفائها عدم تقليد أساليب الغرب، بل خوض المواجهة من موقع القيم الدينية والتقليدية. وهنا ينتقل تحليله من الجغرافيا السياسية إلى تصور ديني ثنائي يقسم الصراع إلى «قوى نور» و«قوى ظلام».
بريطانيا مرشحة للتفكك
يتوقع دوغين تصاعد النزعات الانفصالية في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، مع تراجع سلطة لندن وضعف الإمكانات التي تحافظ على وحدة المملكة المتحدة.
ويقدم تفكك بريطانيا المحتمل بوصفه نوعًا من "إنهاء الاستعمار الداخلي"، وردًا تاريخيًا على الإمبراطورية البريطانية. لكنه يستخدم في هذا الجزء لغة هجومية شديدة، ويخلط التحليل الجيوسياسي بموقف أيديولوجي معادٍ لليبرالية والهجرة.
الذكاء الاصطناعي
في القضية الأخيرة، يرفض دوغين الاختيار بين النموذج التكنولوجي الغربي والنموذج الصيني المنفتح، ويرى أن روسيا تحتاج إلى موقف فلسفي وحضاري مستقل.
المشكلة عنده ليست تقنية فقط، بل تتعلق بمعنى العقل نفسه: هل العقل مجرد قدرة حسابية يمكن للآلة محاكاتها، أم أنه مرتبط بالإنسان والروح و"العقل الإلهي"؟ ولذلك يدعو إلى إخضاع التكنولوجيا للقيم الحضارية والدينية، بدلًا من قبول فكرة التقدم التقني غير المحدود.
التعليق
لم يكن دوغين خو الأول الذي يقرأ قمة بريكس في الهند على النحو الذ ي عبر عنه في مقابلته فقد سبقه البعض حول العالم بما في ذلك العالم العربي، ولكنه الأبرز فيهم كونه تناوله كمفكر معروف وليس كإعلامي، وفيماأتفق معه في قراءته لقمة نيودلهي باعتبارها انتقالًا بالنظام متعدد الأقطاب من الإطار النظري إلى إطار التنفيذ العملي، علاوة على اتفاقي معه على أن دور الهند في هذا الانتقال محوري. إلا أنني أختلف معه في اعتبار أن "بريكس" قد تتحول إلى نواة قطب عسكري مضاد للغرب، إذ إنه يعكس بذلك رغبة أيديولوجية أكثر منها سياسية في تحويل "بريكس" إلى محور عسكري في مواجهة الغرب، وهو أمر لم يعبّر عنه إعلان نيودلهي.
في الواقع، يتفق مع قراءة دوغين للقاء وإعلان نيودلهي كثيرون حول العالم، وبرز ذلك في:
1. افتتاحية Economic Times، بتاريخ 13/9/2026، بعنوان "يودلهي ترسم رؤية العالم ما بعد الولايات المتحدة".
2. تقرير Reuters، بتاريخ 13-14/9/2026، بعنوان "تشي يدفع نحو توسيع العلاقات الاقتصادية لبريكس الكبرى".
3. مقال في The New Yorker، بتاريخ 17/9/2026، بعنوان "عودة ترامب إلى الأمم المتحدة وسط انهيار النظام القديم"، للكاتب إيشان ثارور. وفيما يتفق ثارور مع دوغين في التشخيص، فإنه يختلف معه في النتيجة.
4. Financial Express، بتاريخ 20/9/2026، بعنوان "ارتفاع صادرات الهند إلى دول بريكس بنسبة 34%".
5. طارق منصور، "دبلوماسية الهند في بريكس أكبر من نتائج قمة واحدة"، The Indian Express، 21/9/2026.
6. مقال في The Guardian، بتاريخ 21/9/2026، بعنوان "القوى المتوسطة التي أنهكها ترامب تبحث عن تحالفات جديدة".
أما عربيًا، فيمكن تلمس ذلك في:
1. مقال أنس زكي، المنشور على موقع "الجزيرة نت" بتاريخ 11/9/2026، بعنوان "بريكس في نيودلهي: كيف تسير الهند على خيط رفيع بين الأقطاب وقوى الإقليم"؟
2. "إندبندنت عربية"، بتاريخ 12/9/2026، بعنوان «مع انعقاد قمتها في نيودلهي: كيف تطورت بريكس وما التحديات أمامها؟.
3. إسراء أبو النصر، على موقع "ليبرالي"، بعنوان "من قبول قواعد النظام الدولي إلى السعي لصناعتها".
4. "الجزيرة نت"، 15/9/2026، بعنوان "من باندونغ إلى نيودلهي: بريكس وتطلعات الجنوب العالمي لصياغة نظام دولي جديد".
5. "هلا أخبار"، 15/9/2026، بعنوان "من نيودلهي يولد نظام عالمي جديد".
وكان لافتًا أن القراءات العربية أبرزت فلسطين في الكتابات، ودعت الفلسطينيين إلى اعتبار إعلان نيودلهي بمثابة فرصة يوفرها النظام العالمي الجديد، وهو في طور التشكل، ينبغي البناء عليها وعدم الاكتفاء بالتغني بها. ويبرز ذلك في:
1. "القدس"، 15/9/2026، ماهيما سيكاند، "من الامتياز إلى الشراكة: رؤية الهند لمجموعة بريكس ولماذا ينبغي لفلسطين أن توليها الأهمية"؟
2. "القدس" 17/9/2026، اللواء أحمد عيسى، "السلطة مطالبة بالاستجابة السريعة لإعلان نيودلهي".
3. "القدس"، 18/9/2026، مروان طوباسي، "من نيودلهي إلى نيويورك.. حين يصبح تدويل فلسطين ساحة المواجهة".
4. "العربي الجدي"، 21/9/2026، "فلسطين في إعلان نيودلهي: كيف أعادت الهند تأطير موقف بريكس"؟
وفي مقابل ذلك، تناولت الكتابات الإسرائيلية إعلان نيودلهي باعتبار أن التعددية القطبية التي يؤسس لها تمثل تحديًا يستدعي بناء استراتيجية لمواجهتها، ويبرز ذلك في:
1. Times of Israel، 12/9/2026.
2. Talk Finance، 13/9/2026.
الخلاصة
العنوان صحيح بدرجة عالية: العالم المتعدد الأقطاب لم يعد مجرد نظرية، لكنه لم يتحول بعد إلى نظام دولي مكتمل. فالأحادية الأميركية تراجعت، لكن النظام البديل لا يزال في طور التشكل، ومراكزه الصاعدة لا تتفق على قواعده أو قيادته.
وقمة نيودلهي تؤكد اتجاهًا نحو تعددية أكبر، لكنها لا تثبت قيام محور روسي–صيني–هندي موحد، ولا تحول "بريكس" إلى حلف عسكري. الجديد الحقيقي هو أن الدول الكبرى والمتوسطة باتت تملك خيارات وشبكات بديلة، وأن الغرب لم يعد قادرًا على فرض قواعده بالسهولة السابقة.
أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فهذه التعددية تفتح مجالًا لتوسيع التحرك خارج الاحتكار الأميركي، لكنها لا تضمن العدالة تلقائيًا؛ إذ على الفلسطينيين المبادرة إلى تطوير خطة عمل تبني على ما تضمنه الإعلان من بنود مباشرة تتعلق بالحقوق الفلسطينية، لا سيما أن القطب الجديد تحكمه المصالح أيضًا. ولذلك ينبغي التعامل مع "بريكس" بوصفها فرصة لبناء توازن دولي داعم للحقوق الفلسطينية، لا بوصفها بديلًا أخلاقيًا جاهزًا.