خالد فحل يكتب لوطن: حين يبدأ العام الدراسي بلا كتب

22/09/2026

 مع دخول العام الدراسي أسبوعه الثالث، لا تزال كتب مدرسية غائبة عن أيدي الطلبة في عدد من المدارس، وكأن العام الدراسي بدأ قبل أن تكتمل إحدى أبسط أدواته وأكثرها أهمية. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد تأخير في التوريد أو التوزيع، لكنه في الحقيقة يتجاوز مسألة الكتاب بوصفه مادة مطبوعة، ليصل إلى صميم العملية التعليمية، وإلى قدرة المدرسة والمعلم والطالب على بدء عام دراسي مستقر وواضح.

في المدرسة، لا يبدأ التعليم من السبورة وحدها، ولا يستطيع المعلم أن يبني خطته كاملة على الشرح الشفهي وأوراق العمل المؤقتة. الكتاب المدرسي هو المرجع الذي يجتمع حوله المعلم والطالب، ومنه تنطلق الدروس والواجبات والأنشطة والمراجعة. وحين يغيب الكتاب، يصبح المعلم مضطرًا إلى البحث عن بدائل، فيما يجد الطالب نفسه أمام مصادر متفرقة لا يمتلكها الجميع بالقدر نفسه.
المشكلة لا تتوقف عند الطالب الذي ينتظر كتابه، بل تمتد إلى المعلم الذي يحاول الالتزام بالخطة الدراسية في ظل نقص الوسيلة الأساسية التي يفترض أن تساعده على تنفيذها. وهنا تتحول المدرسة تدريجيًا إلى ورشة تعويض مستمرة: تصوير صفحات، إعداد أوراق عمل، إرسال مواد إلكترونية، والبحث عن نسخ متاحة، بينما يفترض أن يكون هذا الجهد مخصصًا لتحسين التعلم ومتابعة الطلبة، لا لسد فراغ كان ينبغي ألا يكون موجودًا أصلًا.
والأخطر أن هذا الواقع يخلق تفاوتًا داخل الصف نفسه. فليس كل طالب يمتلك هاتفًا أو جهازًا يستطيع من خلاله الوصول إلى نسخة إلكترونية، وليس كل أسرة قادرة على تحمل تكلفة التصوير أو شراء الكتب من مصادر أخرى. ولذلك فإن غياب الكتاب لا يصيب الطلبة بالطريقة نفسها؛ فالطالب الأكثر قدرة ماديًا يستطيع أن يجد بديلًا، بينما يبقى الطالب الأقل قدرة رهينًا بما توفره المدرسة.
وفي الوقت الذي نتحدث فيه كثيرًا عن تطوير التعليم، والتحول الرقمي، وتحسين جودة المخرجات التعليمية، فإن السؤال البسيط يفرض نفسه: كيف يمكن أن نتحدث عن تطوير العملية التعليمية، فيما لم يحصل الطالب بعد على الكتاب الذي يفترض أن يرافقه منذ اليوم الأول؟
لا أحد ينكر الظروف الصعبة التي تمر بها العملية التعليمية، ولا حجم التحديات المالية واللوجستية والإدارية التي تواجه المؤسسات التعليمية. لكن صعوبة الظروف لا تعني أن يتحول التأخير إلى أمر طبيعي، ولا أن يصبح المعلم هو الحلقة التي تمتص نتائج كل نقص، ولا أن يعتاد الطالب على أن يبدأ عامه الدراسي منتظرًا أدواته الأساسية.

المطلوب هنا ليس البحث عن جهة لإلقاء اللوم عليها بقدر ما هو البحث عن إجابة واضحة. لماذا تأخرت الكتب؟ أين وصلت عملية الطباعة والتوريد؟ ما المواد والصفوف التي ما زالت تعاني نقصًا؟ ومتى سيتمكن كل طالب من الحصول على كتبه كاملة؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا إداريًا، بل جزء من حق المجتمع في معرفة ما يجري في واحد من أهم قطاعاته. فالمدرسة ليست مكانًا لتسيير الحصص فقط، وإنما مؤسسة يفترض أن تعمل وفق خطة واضحة، وكل تأخير في توفير مستلزمات التعليم ينعكس بصورة مباشرة على هذه الخطة.
لقد اعتاد المعلم الفلسطيني أن يعوض الكثير من النقص بإمكاناته الشخصية، وأن يجد حلولًا في أصعب الظروف، لكن قدرة المعلم على التحمل لا ينبغي أن تصبح سياسة بديلة عن توفير احتياجات المدرسة. ولا يجوز أن يتحول إخلاص المعلم إلى غطاء دائم لأي خلل في التخطيط أو التوريد أو التوزيع.
في الأسبوع الثالث من العام الدراسي، لم يعد الأمر مجرد تأخير بسيط يمكن تجاوزه بالصمت. هناك طلاب ينتظرون كتبهم، ومعلمون يحاولون تنظيم دروسهم، ومدارس تبذل جهدًا إضافيًا لتوفير البدائل. وكل يوم يمر من دون معالجة واضحة يعني مزيدًا من الارتباك في بداية عام يفترض أن يكون أكثر استقرارًا.
الكتاب المدرسي ليس رفاهية، وليس تفصيلًا يمكن تأجيله. هو جزء من المشهد التعليمي، ووصوله في موعده يعني أن الطالب يدخل عامه الدراسي وهو يمتلك أول أدواته للتعلم.
وفي التعليم، قد نختلف حول المناهج والوسائل وأساليب التدريس، لكننا لا ينبغي أن نختلف حول حق الطالب في أن يجد كتابه على مقعده عندما تبدأ المدرسة.