
التضامن الشعبي ليس بديلاً عن الدولة.. ولا يجوز أن يتحول الفقر إلى مشروع تبرعات ، من " لبيك يا بسملة" إلى " سامح لوجه الله" ، ومن حملات علاج المرضى إلى حملات إسقاط الديون، يتضح أن المجتمع الفلسطيني يخوض معركة صمود جديدة المواطن ينقذ المواطن، والعائلة تسند العائلة، تاجر يسامح المدين والناس تجمع المال لعلاج طفلة أو لتخفيف دين عن موظف لم يعد راتبه يكفيه حتى للوصول إلى نهاية الشهر.
هذه الصورة تستحق الاحترام لأنها تقول إن المجتمع الفلسطيني رغم الإبادة في غزة وحصار الضفة والاقتحامات، والاستيطان وتقييد الحركة والأزمة المالية الخانقة لم يفقد حسه الجماعي ومسؤوليته تجاه بعضه البعض.
لكن هنا تحديداً يجب أن يبدأ السؤال السياسي. إذا كان المواطن قادراً على إنقاذ نفسه بنفسه فأين الدولة؟
وإذا كان الناس يجمعون المال لعلاج طفلة، فمن يضع سياسة صحية تمنع تحويل العلاج إلى حملة تبرعات؟ وإذا كان المواطنون يتنازلون عن الديون لإنقاذ متعثرين فأين السياسة الاقتصادية التي تمنع آلاف الأسر من الغرق في الديون أصلاً؟
وهنا تصبح المساءلة واجبة أين خطة الحكومة لحماية المجتمع من الانهيار ؟ لا يكفي أن نقول إن الاحتلال يحاصرنا فهذا صحيح ولا يكفي أن نقول إن أموال المقاصة محتجزة أو مقتطعة فهذا أيضاً جزء أساسي من الأزمة. لكن مواجهة الاحتلال لا تعني تعليق المسؤولية الوطنية بل تعني بالضبط بناء سياسات صمود تمنع الاحتلال من تحويل الأزمة المالية إلى أزمة اجتماعية ثم إلى يأس ثم إلى هجرة.
يجب على الحكومة اعداد خطة تعيد ترتيب الأولويات تشمل حماية دخل الأسر توسيع برامج الحماية الاجتماعية، خلق فرص عمل طارئة، دعم الإنتاج المحلي، حماية المشاريع الصغيرة، وتوجيه الإنفاق العام نحو القطاعات التي تحافظ على حياة الناس وقدرتهم على البقاء.
كما أن البنوك أيضاً ليست جزراً معزولة عن المجتمع عندما يكون الموظف مديناً للبنك لأن راتبه غير مكتمل، لا يمكن التعامل معه فقط باعتباره " مقترضاً متعثراً". المطلوب حزمة وطنية لإعادة جدولة القروض وفق القدرة الحقيقية على السداد والغاء الأعباء والغرامات ودراسة آليات مؤقتة لمعالجة الشيكات المتعثرة ضمن القانون وبما يحمي الاستقرار المصرفي وحقوق الأطراف.
والقطاع الخاص أيضاً لا يمكن أن يختبئ خلف عبارة "السوق" في زمن الحرب والحصار والانكماش. المسؤولية الاجتماعية ليست منشوراً دعائياً ولا طرداً أغاثياً. المسؤولية الاجتماعية تعني أن تراجع الشركات هوامش أرباحها حيث تستطيع وتخفض كلفة السلع والخدمات وتقدم تقسيطاً أكثر عدالة وتحافظ على العمال وتساهم في صندوق وطني للصمود؛ المطلوب أن يدرك القطاع الخاص أن انهيار القدرة الشرائية للمواطن يعني في النهاية انهيار السوق نفسه.
والأخطر من كل ذلك أن استمرار الأزمة بلا شبكة أمان قد يدفع المواطن إلى البحث عن حلول خارج المؤسسات الاستدانة، الشيكات، بيع الممتلكات، العمل غير المنظم، النزاعات، وأحياناً محاولة تحصيل الحقوق باليد. وهنا لا ينبغي أن ننتظر الجريمة أو العنف حتى نسأل عن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي صنعت البيئة الحاضنة لهما.
الدولة التي تريد من المواطن احترام القانون عليها أن تمنحه، في الحد الأدنى، مساحة معقولة للعيش بكرامة داخل القانون. نحن لا نريد إلغاء أي مبادرة تضامنية بالعكس نريد حماية هذه الروح من أن تتحول إلى نظام اقتصادي بديل عن الدولة. نريد أن يتحول التضامن الشعبي إلى قوة ضغط من أجل سياسات عامة صندوق وطني للصمود، خطة طوارئ اقتصادية، حماية اجتماعية، إعادة جدولة للديون، دعم للعمال والمشاريع الصغيرة، تخفيض للأعباء، مسؤولية اجتماعية حقيقية للقطاع الخاص، ورقابة شفافة على تنفيذ هذه الإجراءات.
فالاحتلال يريد للفلسطيني أن يصل إلى لحظة يقول فيها: لا مستقبل هنا. ومهمتنا الوطنية أن نقول هنا مستقبل، لأننا نملك سياسة تحمي الإنسان واقتصاداً يحافظ على قدرته على البقاء ومجتمعاً يتكافل ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها.