في أزقة المعنى... حين تلتهم الظلال جوهر البقاء

21/09/2026

كتب بشار مرشد: تتكسر الأبعاد في زمن السطحية والعبور السريع، وتغدو الحقيقة طيفا يفر من عين الرسام. لم تعد الأزمة مجرد صراع بين ظالم ومظلوم في ساحة المكاشفة، بل باتت، في أحد أوجهها الأخطر، أزمة في البنية التي نحمي تحت ظلها معنى الوجود والاستمرار. نعيش في سديم يطغى فيه الزيف، وتتوارى الحكمة في زوايا الذهول، حيث يستبدل المنطق الصلب وحساب المسافات والمآلات بأصداء هتافات خاوية، تصاغ لخدمة اللحظة وإرضاء الضجيج.

إنه التيه، ذلك الذي يطالب فيه الإنسان بتجاهل قوانين الواقع، والاعتقاد بأن الشرارة المجردة من الوقود قادرة وحدها على إضاءة العتمة، كمن يطمع في استلال النور من العدم.

الأقنعة وتزييف سراب البطولة:
في غياهب الخطر الوجودي، تغدو العاطفة المجردة حليفة لسراب ناعم. يعاد رسم مفهوم البطولة بفرشاة انفعالية، فيقاس العنفوان بجسارة الخطوة الأخيرة نحو الهاوية، لا بالقدرة على العيش والتجذر وحراسة النبت في الأرض، فشتان بين جسارة الوعي التي تزن موازين القوة والمآلات، وتمسك بمفاصل القرار حين تتقارب الكفات، وبين الاندفاع الأعمى الذي قد يمنح القوة الغاشمة ذريعة إضافية لإخلاء المكان، ومحو الأثر، وتفريغ الديار من ساكنيها بأقل كلفة ممكنة، وتاريخ الصراعات مليء بجماعات دفعت ثمن سوء تقدير المسافة والزمن، دخلت ميادين المواجهة بأرواح عالية، لكنها أخطأت قراءة موازين القوى ومآلات الفعل، فكان أن تحولت، بعد فوات الأوان، إلى حكايات في الذاكرة بدل أن تبقى جماعات حية قادرة على مواصلة الفعل.
ولا يعني ذلك تمجيد الاستسلام أو إنكار حق الدفاع والمقاومة، وإنما يعني أن قيمة الفعل لا تقاس فقط بشدة اندفاعه، بل أيضا بما يحفظه من حياة، وما يصونه من أرض، وما يتركه للأجيال القادمة من قدرة على الاستمرار.

رفاهية المأساة بعيون الغرباء:
تتضاعف المأساة حين تتصدر المشهد أصوات تنظر إلى الخطر من خارج دائرته، وتمارس ترف التوجيه من دون أن تتحمل كلفة ما تدعو إليه فيطالبون الغارق في اللجة بالقفز نحو القاع، بينما أقدامهم مستقرة على أرض صلبة وجافة، والمشكلة هنا ليست في اختلاف الرأي، بل في انفصال النصيحة عن كلفتها الواقعية، فصاحب القرار الذي يدفع الثمن ليس كمن يراقب المشهد من بعيد ويغادره بعد انتهاء الخطاب،
ويمتد هذا النمط من حلبات المصير الجمعي ليلامس أخص خصائص الإنسان، ألا وهو جسده، حيث قد يساق المريض إلى أوهام الشفاء السريع أو إلى رفض المعرفة الطبية، على يد من لم يختبر بنفسه تبعات المرض ولا كلفة القرار الصحي الخاطئ ،ففي الحالتين، ترسم المأساة بأقلام من لا يدفعون ثمنها، بينما يتحمل أصحاب الأرض والجسد التكلفة كاملة دما، وحسرة، وغيابا.

ضجيج المرايا وتحالف العمى:
تكتمل الدائرة القاتمة حين تتحول الشاشات إلى مرايا مشوهة، لا تعكس الواقع بقدر ما تضاعف صخبه، وتقصي أصوات الرزانة وأهل الخبرة لأن خطابهم الهادئ لا يشعل الرغبة في الصراخ، ويفسح المجال لدعاة السراب وأصحاب الادعاءات والشعوذة غير المستندة إلى معرفة أو تجربة، ويزداد الخلل حين يقدم هذا الفراغ تحت مسمى الحياد، فتساوى المعرفة بالجهل، وتوضع الخبرة في كفة واحدة مع الادعاء المجرد، فيعامل الرأي المدعوم بالخبرة والمعرفة كما يعامل الادعاء المجرد منهما، وكأن التوازن الإعلامي يعني بالضرورة مساواة جميع الآراء في القيمة، لكن الحياد الحقيقي لا يقتضي مساواة المعرفة بالجهل، وإنما يقتضي فحص الادعاءات وفق الأدلة، والخبرة، والنتائج، وقدرة أصحاب الرأي على تحمل مسؤولية ما يدعون إليه.

البقاء التجذيري.. النور المتبقي:
إن غرس الأقدام في التراب، وحفظ النسل، وحراسة الفكرة في عقول الأجيال، والمناورة بالنفس الطويل، ليست أفعالا هامشية؛ بل هي، في لحظات الخطر الوجودي، من أعمق أشكال الحضور، والبقاء هنا ليس مجرد الامتناع عن الموت، إنه قدرة الجماعة على الحفاظ على وجودها المادي والثقافي والاجتماعي، وعلى إعادة إنتاج نفسها عبر الزمن، بحيث لا تتحول الخسارة الآنية إلى فناء طويل الأمد.
إن المعتدي لا يواجه فقط من يرفع صوته في لحظة الغضب، بل يواجه أيضا من يصر على أن يحيا، ويزرع، ويدير تفاصيل يومه برباطة جأش، ويبني مؤسساته تحت الركام، ويعلم أبناءه، ويحفظ ذاكرته، ويبني مؤسساته، ويبقى قادرا على النهوض بعد انقضاء العاصفة، ومن هنا يصبح البقاء فعلا واعيا، لا موقفا سلبيا، والاستمرار استراتيجية، لا مجرد غريزة.

الخاتمة: همس في وادي الصمت، فقد تبدو المعالم وقد تلاشت، وقد يبدو السائرون في هذا الوادي صما لا يتدبرون، لكن الحقيقة التي لا تقهر تبقى مكمونة في الأغوار، فإن الإنسان الواعي الذي يحمي بيته، ويحفظ نبض مجتمعه، ويصون نسله وذاكرته، ويحسب خطواته على ضوء المآلات، لا يختار الحياة خوفا من الموت، بل يحمي الحياة لأنها الشرط الأول لاستمرار المعنى، سيرحل الضجيج، وتتلاشى ظلال الترندات العابرة، وتبقى على الأرض آثار من امتلكوا القدرة على الاستمرار، فليس أعظم الانتصار أن تثبت قدرتك على الموت، بل أن تمنع الموت من أن يصبح نهاية قصتك، فليست المشكلة أن الناس يشعرون كثيرا، بل أن الشعور أصبح عند بعضهم بديلا عن التفكير.