
وطن للأنباء: في فلسطين، لا ينفصل التغير المناخي عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتفاقمة، فيما يقف القطاع الزراعي في مقدمة القطاعات الأكثر تأثراً بتداعيات هذه الأزمة. وبينما يتحمل الشباب جانباً من آثارها، تتزايد الحاجة إلى تحويلهم من فئة متضررة إلى شريك فاعل في حماية الأرض والموارد الطبيعية، ودعم المزارعين، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر استدامة.
وفي هذا السياق، ناقشت حلقة خاصة نفذتها مؤسسة آكشن إيد بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، بالتزامن مع الأسبوع العالمي للعمل المناخي، دور الشباب الفلسطيني في مواجهة التغير المناخي، وإمكانات مشاركتهم في دعم القطاع الزراعي وتعزيز المبادرات البيئية والمجتمعية.
من حسكا إلى شبكة سفراء المناخ.. تجربة شبابية في حلحول
وقال مؤمن القشقيش، مسؤول الأنشطة الشبابية في بلدية حلحول، إن المجموعات الشبابية في البلدة خاضت خلال السنوات الماضية تجارب متعددة في حماية البيئة وإعادة تأهيل مسار حسكا البيئي، الذي يشكل جزءاً من محمية طبيعية تعرضت لانتهاكات بيئية متعددة، شملت قطع الأشجار، وتصريف مياه الصرف الصحي، وإقامة أماكن شواء عشوائية، واندلاع حرائق ألحقت أضراراً بآلاف الدونمات، إلى جانب تلوث عدد من ينابيع المياه في المنطقة.
وأوضح القشقيش أن التجربة بدأت عام 2019 بالتعاون مع مؤسسة آكشن إيد في فلسطين، وأسهمت في تنفيذ مجموعة من المبادرات، من بينها إعادة تدوير الأخشاب، وتصميم لوحات تعريفية وإرشادية، وصناعة سلال للنفايات ووضعها على امتداد المسار البيئي.
كما شملت الجهود عقد طاولات مستديرة وجلسات مساءلة بمشاركة سلطة جودة البيئة ومديرية زراعة شمال الخليل ومحافظة الخليل، وبالتعاون مع بلديات الخليل وترقوميا وحلحول، الأمر الذي أسهم، في الدفع باتجاه إزالة مصنع للباطون كان مقاماً داخل المحمية.
وأشار إلى أن المصنع أزيل بعد نحو ثلاث سنوات من الجهود، فيما جرى اعتماد المحمية من قبل سلطة جودة البيئة، وإدراجها لدى وزارة السياحة والآثار.
وأكد القشقيش أن حماية البيئة والمناخ لا تزال بحاجة إلى مزيد من تضافر الجهود، مشدداً على أهمية إشراك الشباب في صناعة الحلول، باعتبارهم من أكثر الفئات تمثيلاً في المجتمع الفلسطيني.
وقال إن الشباب يواجهون تحديات وصعوبات عديدة، إلا أن الإنسان يبقى العنصر الأساسي في عملية التغيير والبناء، لافتاً إلى أن الأسبوع العالمي للعمل المناخي شهد تشكيل شبكة سفراء المناصرة المجتمعية في حلحول، إلى جانب إطلاق مختبر للحملات المجتمعية، في خطوة تهدف إلى بناء جيل أكثر قدرة على التأثير في القضايا البيئية والمناخية.
وأوضح القشقيش أن هذه المبادرة جاءت امتداداً لتجارب سابقة في مجال المناصرة المجتمعية وحملات التغيير والتأثير في السياسات المتعلقة بالمناخ، مشيراً إلى التحضير لحملات توعوية تستهدف المدارس وطلبة الجامعات، إلى جانب حملات إلكترونية واسعة.
وتتركز المبادرات المقبلة، بحسب القشقيش، على حماية ينابيع المياه وإعادة تأهيلها، وزيادة المساحات الخضراء، وتشجيع الزراعة المنزلية والزراعة فوق أسطح المنازل، في ظل تقلص المساحات الزراعية نتيجة الاحتلال والاستيطان.
وأشار إلى أن حملة تشجيع الزراعة على أسطح المنازل لاقت نجاحاً كبيراً في حلحول، مضيفاً أن الجهود الشبابية أسهمت كذلك في زراعة ما لا يقل عن 500 شجرة خلال يومين في شوارع المدينة، ضمن توجه لزيادة المساحات الخضراء، بالتوازي مع العمل على إعادة زراعة وتأهيل محمية وادي القف.
الشباب مؤثرون في العمل المناخي
وتُظهر التجارب القادمة من حلحول وقطاع غزة أن دور الشباب الفلسطيني في مواجهة التغير المناخي لا يقتصر على التوعية، بل يمتد إلى العمل الميداني، والمناصرة، ودعم المزارعين، وإعادة تأهيل المساحات الخضراء، وحماية مصادر المياه، وتوظيف التكنولوجيا والابتكار في مواجهة التحديات البيئية.
ويؤكد القشقيش أن الرسالة التي ينبغي إيصالها إلى الشباب واضحة: "لا نريد فقط أن نكون متأثرين بقضايا المناخ، بل نريد أن نكون جزءاً من الحل".
غزة.. الشباب في مواجهة آثار الحرب والمناخ
وفي قطاع غزة، قال صهيب الدحدوح، الناشط الشبابي المختص في الشأن البيئي وممثل جمعية الشباب والبيئة، إن إشراك الشباب في العمل المناخي والبيئي كان قائماً قبل الحرب، من خلال برامج هدفت إلى تمكينهم وعقد حلقات توعية وتدريب، وصولاً إلى مبادرات في مجال إعادة التدوير واستغلال الموانئ بما يخدم البيئة ويحد من التلوث.
وأوضح أن التعاون مع عدد من المؤسسات شمل دعم المزارعين وتعزيز الأمن الغذائي وتوفير فرص عمل للشباب، مؤكداً أن تمكين الشباب يجب أن يتجاوز المشاركة الرمزية، ليصل إلى منحهم دوراً حقيقياً في صياغة الحلول والخطط والمعايير المتعلقة بالتغير المناخي وحماية البيئة.
وأشار الدحدوح إلى أن الشباب بحاجة إلى أن تكون لهم مساحة أوسع للتعبير عن قدراتهم وإيصال أصواتهم إلى المؤسسات والجهات الدولية، مؤكداً أن التشبيك بين الشباب والمؤسسات والجهات المختصة كان محوراً أساسياً في الوصول إلى حلول للتحديات البيئية.
حدائق منزلية وسط الحرب
وأوضح الدحدوح أنه خلال الحرب على قطاع غزة، جرى التشبيك مع مؤسسة "معاً" لتطوير الحدائق المنزلية، وهي تجربة حققت، نتائج ملحوظة في المحافظات الوسطى، إلى جانب إشراك النساء في العمل الزراعي وخلق فرص عمل للشباب.
كما شملت المبادرات تنظيم دورات تدريبية حول التعامل السليم مع مخلفات الحرب، في ظل ظروف بيئية وصحية بالغة التعقيد.
وأضاف أن شح المياه شكّل أحد أبرز التحديات أمام المزارعين، ما دفع المؤسسات الشريكة إلى العمل على توفير مصادر للمياه واستخراجها من باطن الأرض، فيما جرى العمل بالتوازي على توفير الأشتال والبذور وتوزيعها على المزارعين، ومتابعة العملية الزراعية منذ مرحلة التشتيل والزراعة وحتى جني المحاصيل.
الشباب حلقة وصل بين المزارع والتكنولوجيا
ويرى الدحدوح أن الشباب قادرون على لعب دور محوري كحلقة وصل بين المزارعين والتكنولوجيا والابتكار في القطاعين الزراعي والبيئي.
وقال إن التجربة خلال الحرب أظهرت قدرة الشباب على الوصول إلى المزارعين وتشجيعهم على العودة إلى استغلال أراضيهم، وإعادة زراعة مساحات زراعية، إلى جانب توظيف التكنولوجيا لخدمة القطاع الزراعي.
وأشار إلى أن الشباب ساهموا أيضاً في نشر الوعي البيئي بين النازحين، وتحويل الأفكار إلى ممارسات عملية، من بينها زراعة مساحات صغيرة أمام الخيام، وحتى استخدام عبوات ومعلبات الأغذية الفارغة كأوعية للزراعة.
كما لفت الدحدوح إلى جهود الشباب في إعادة تدوير المخلفات البلاستيكية الناتجة عن الحرب، وتحويل هذه المبادرات إلى محتوى رقمي يسهم في رفع الوعي بقضايا البيئة والمناخ.