بسام زكارنة يكتب لوطن: دخلت سينما في بكين… وخرجت منها إلى غزة

21/09/2026

 عندما وصلت إلى بكين قادما من المطار كنت قد تأخرت عن موعد انطلاق الحافلة التي تقلنا إلى السينما وفق البرنامج المعد مسبقاً لمشاهدة فيلم صيني جديد لم أكن أعرف عنه شيئا.

كانت المجموعة التي تضم قادة حزبيين  من ثلاثين دولة قد غادرت بالفعل ولم يكن أمامي وقت للانتظار طلبت مساعدة المنظمين فلم يترددوا ورتبوا لي سيارة أجرة حتى أتمكن من اللحاق بهم قبل بدء الفيلم.

دخلت القاعة مسرعا وكأنني ألحق بموعد عادي في برنامج مزدحم باللقاءات والزيارات والفعاليات و قدم لي رفاقي الصينيون كأسا من الفشار وقنينة ماء وجلست في مقعدي لم أكن أعرف تماما ماذا سأشاهد بل توقعت فلما صينيا جديداً ولم أكن أعرف احد من المشاركين الذين جلسوا معي في القاعة لمشاهدة الفيلم المترجم إلى الإنجليزية و جلست وحيدا لا ارى الوجوه و تركيزي فقط في الفلم .
في تلك اللحظة لم يخطر ببالي أن الساعتين القادمتين ستأخذاني إلى مكان أبعد بكثير من شاشة السينما كنت أظن أنني جئت لأشاهد فيلما لكنني خرجت وأنا أحمل غزة وفلسطين ونانجينغ ومجازر العالم وأسئلة كثيرة عن الإنسان والحرب والصمت.
بدأ الفيلم وفجأة سمعت اللغة العربية نظرت إلى الشاشة مرة أخرى كانت الأجواء عربية والشخصيات تتحرك في عالم يشبه مدن منطقتنا و للحظات شعرت أنني لم أعد في بكين كان ذلك أول ما فاجأني.
الفيلم «مرحبا بكم في مطعم التنين» ليس مجرد حكاية عن مطعم أو عن الطعام إنه قصة إنسانية تدور حول الطاهي الصيني «شيوي فو» الذي يسافر إلى بلد افتراضي في الشرق الأوسط ويعمل في مطعم التنين هناك تتقاطع حياة أشخاص مختلفين في ظل الحرب والخوف والنزوح و المطعم يصبح مكانا يلتقي فيه المختلفون ويحاولون أن يحافظوا على شيء من حياتهم في عالم انهارت فيه أشياء كثيرة وهنا بدأت أفهم أن الطعام في الفيلم ليس مجرد طعام إنه ذاكرة إنه دفء إنه أمان إنه محاولة بسيطة من الإنسان للتمسك بالحياة عندما يصبح كل شيء حوله مهددا.
في البداية لم أكن أفهم تماما إلى أين يريد الفيلم أن يأخذني بقيت أتابع وأحاول التقاط التفاصيل حتى النهاية وعندما ظهرت شارة النهاية تمنيت لو أن الفيلم سيبدأ من جديد شعرت أنني لم ألتقط كل ما أراد أن يقوله من المشاهدة الأولى و فعلا أعجبني كاتب النص بشكل خاص و شعرت وكأنه عربي عاش هذه الحالة وعرف تفاصيلها من الداخل ، كانت الشخصيات مكتوبة بطريقة جعلتني أنسى للحظات أن الفيلم صيني والأجمل أن اللغة العربية لم تكن مجرد خلفية في الفيلم بل كانت حاضرة بقوة على الشاشة إلى جانب مشاركة فنانين عرب مع الممثلين الصينيين و حتى الموسيقى والطعام والعلاقات بين الشخصيات أعطت الفيلم حضورا عربيا واضحا لكن شيئا آخر حدث لي وأنا أشاهد ، شيء لم يكن له علاقة بالنقد السينمائي ، ظهرت مشاهد الأطفال والنساء والمدنيين وهم يدفعون ثمن الحرب عندها تغيرت علاقتي بالشاشة و لم أعد أشاهد قصة بعيدة و لم أعد أرى شخصيات سينمائية بل كنت أرى غزة ، كنت أرى أطفال فلسطين و كنت أرى الوجوه التي أعرفها من صور الحرب ، أطفالا لا يعرفون لماذا بدأت الحرب ولا يملكون القدرة على إيقافها ولا علاقة لهم بقرارات من اشعلوها .

تذكرت الأطفال والنساء والصحفيين والأطباء الفلسطينيين الذين ما زالت جثامين بعضهم تحت الأنقاض بعدما حالت شدة القصف دون انتشالهم و تذكرت من دُفنوا تحت أسقف غرفهم التي حطمتها الصواريخ والقنابل وأولئك الأبرياء الذين دفعوا وما زالوا يدفعون ثمنا قاسيا لهذه الحرب.
وجدت دموعي تنهمر دون أن أشعر و لم أحاول إخفاءها ففي ظلام قاعة السينما لم يكن أحد يراني.
لم أبك لأن الفيلم كان حزينا ومؤلما فحسب بل لأنني شعرت أن ما أراه على الشاشة ليس بعيدا عني كان يعيد أمامي مشاهد أعرفها جيدا مشاهد ما زالت تتكرر في فلسطين في غزة وجنين وطولكرم والخليل كنت أرى أهلي وأطفالا أعرف بعضهم وحملت بعضهم يوما بين ذراعي.
من الصعب أن تكون فلسطينيا وتشاهد أطفالا يعيشون تحت الحرب ثم تقنع نفسك بأنهم مجرد شخصيات في فيلم و في تلك اللحظة لم تعد الشاشة تفصل بين السينما والواقع حيث كنت أرى أطفال غزة في خيامهم الممزقة وأرى الجوع وقد أنهك أجسادهم حتى غدت عظامهم ظاهرة تحت جلودهم عندها أدركت أنني لم أعد أشاهد فيلما عن حرب بعيدة بل كنت أرى شيئا من فلسطين أمامي.
وهنا أخذني الفيلم إلى سؤال آخر أكثر خطورة و تذكرت الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا» الذي يستند إلى شهادات 24 من العسكريين الإسرائيليين السابقين ومصادر داخل المؤسسة العسكرية حول استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في عمليات تحديد الأهداف في غزة وفكرت:
ماذا يحدث عندما تصبح الخوارزميات والذكاء الاصطناعي جزءا من منظومة الحرب واستهداف الأطفال و الأشخاص والمواقع بلا مشاعر ؟ وماذا يحدث عندما تتحول التكنولوجيا التي يفترض أن تخدم الإنسان إلى أداة يمكن أن تساهم في تحديد من يموت؟ لم يعد السؤال بالنسبة لي تقنيا إنه سؤال أخلاقي وقانوني وإنساني هائل و من المسؤول عندما تدخل الآلة إلى قلب قرار الحرب؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تصبح التكنولوجيا قادرة على معالجة آلاف المعلومات وتحديد الأهداف في وقت أسرع بكثير من قدرة الإنسان على استيعاب نتائجها؟
ثم قفزت ذاكرتي من غزة إلى مدينة نانجينغ في الصين نفسها و نانجينغ التي كنت زرتها سابقاً و قد سمعت و قرات عنها كثيرا في الصين حيث في عام 1937 تعرضت المدينة لمجزرة مروعة على يد الجيش الياباني و قتل خلالها عدد هائل من الصينيين تقريبا 300 الف صيني معظمهم من المدنيين وبينهم أطفال ونساء وتعرض الضحايا للاغتصاب والتعذيب والقتل بأبشع الصور منهم نساء حوامل ، وتذكرت الصحفية والكاتبة الأمريكية إيريس تشانغ وكتابها الشهير «اغتصاب نانجينغ» الذي صدر عام 1997 والذي جمع بين الوثائق والشهادات والروايات التاريخية عن تلك المأساة و فكرت في نانجينغ وفكرت في غزة و لم تكن المقارنة بالنسبة لي مجرد مقارنة بين أرقام الضحايا بل كان هناك شيء آخر يؤلمني أكثر انه الصمت الدولي و اعرف انه في ذلك الزمن لم تكن وسائل الإعلام والتكنولوجيا قادرة على نقل صور المأساة إلى العالم بالسرعة التي نعرفها اليوم  ومع ذلك و بحجم الجريمة الكبير نجح صحفيون وشهود أجانب وعاملون في المجال الإنساني و وثقوا ما حدث وتركوا شهادات ووثائق وصلت إلى العالم و أما اليوم فالصورة مختلفة تماما فان ما يحدث للفلسطينيين يصل إلى شاشات العالم في اللحظة نفسها و العالم يرى الأنقاض و ويعلم و يرى حثث الأطفال تحتها و يرى العائلات التي تمحى من السجل المدني بالكامل و يرى المستشفيات المدمرة و يرى المدارس والجامعات والكنائس والمساجد التي دمرت فوق المُصلين و يرى الصحفيين وهم يحملون كاميراتهم ثم يقتلون ويرى بعضهم يقصف و يقتل اثناء  البث المباشر و يرى الأطباء وهم يعملون تحت القصف ويرى العائلات وهي تبحث عن مأوى ولا تجد الماء ولا الطعام و الصورة موجودة والشاهد موجود والكاميرا موجودة والبث المباشر موجود ومع ذلك يستمر القتل وهنا أصبح السؤال الذي يطاردني وأنا أشاهد الفيلم أكبر من الفيلم نفسه و لم يعد سؤالي فقط:
كيف استطاع كاتب صيني أن يكتب قصة عربية بهذا العمق؟ بل أصبح سؤالي:
كيف يستطيع الإنسان أن يرى كل هذا الألم ثم يواصل حياته وكأن شيئا لا يحدث؟.

ومع انتهاء الفيلم بقي في داخلي شيء آخر شعور لم أستطع تجاوزه كنت أتمنى لو كان الفيلم أكثر وضوحا في التفريق بين العنف والإرهاب من جهة وبين مقاومة الشعوب للاحتلال ودفاعها عن أرضها وحقوقها من جهة أخرى.
فما يجري في المنطقة العربية لا يمكن فهمه بعيدا عن تاريخه وسياقه السياسي والقانوني وعن عقود من الاحتلال والاستعمار والظلم والمعاناة وعندما يُعرض العنف منفصلا عن سياقه قد يبدو للمشاهد وكأنه مجرد انتقام متبادل أو عنف بلا جذور بينما تقف خلفه حكايات طويلة من الاحتلال والصراع على الأرض والحرية والحقوق.
وفي فلسطين لم تنته المعاناة ولم تستطع الحروب والمجازر أن تنهي حق شعبها في الحرية و تقرير المصير و فق القانون الدولي و الانساني ومع ذلك أقدّر للفيلم أنه اختار أن ينظر إلى الحرب من زاوية الإنسان العادي ، الإنسان الذي لا يريد الحرب ولا يبحث عن البطولة بل يريد فقط أن يحمي أطفاله وأن يجد ما يأكله وأن ينام ليلة واحدة دون خوف.
في الحرب لا يبحث الناس دائما عن البطولة انهم يبحثون عن الحياة فقط و عن سرير آمن لطفل و عن وجبة هادئة و بيت يعودون إليه و صباح لا يبدأ بصوت القصف و هذه في أبسط صورها حقوق الإنسان ومن هنا فهمت أكثر لماذا اختار صناع الفيلم الطعام مدخلا إلى الحكاية فالطعام الذي يجمع الناس حول مائدة واحدة يمكن أن يصبح رمزا للحياة في مواجهة الموت وللتعارف في مواجهة الكراهية وللسلام في مواجهة الحرب وربما كان أجمل ما في الفيلم بالنسبة لي أن الصين قدمت قصة عن الحرب من خلال مطعم وطعام وأشخاص عاديين لا من خلال بطل خارق فالناس في الحرب لا يحتاجون دائما إلى بطل ، أحيانا يحتاج الإنسان فقط إلى إنسان آخر إلى يد تمتد إليه وإلى مائدة تجمعه بغيره وإلى مكان يشعر فيه للحظة أنه ما زال إنسانا.
ومن بكين نموذج المنفعة المتبادلة و المصير المشترك للبشرية أتمنى أن تتحرك الدول الحرة وفي مقدمتها جمهورية الصين الشعبية من أجل وقف قتل المدنيين الفلسطينيين وحمايتهم في غزة والضفة الغربية ودعم آليات العدالة الدولية ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي و بأثر رجعي وأتمنى أن يكون للصين وللدول المشاركة في هذا البرنامج ومن بينها روسيا وألمانيا والهند وفيتنام وبلغاريا وغيرها دور أكبر في حماية الإنسان أينما كان وألا يصبح قتل المدنيين أمرا عاديا لمجرد أن العالم اعتاد مشاهدة صورهم.
لهذا لم يكن الفيلم بالنسبة لي مجرد ساعتين في قاعة سينما في بكين و لقد دخلت القاعة وأنا أبحث عن فيلم أشاهده وخرجت منها وأنا أفكر في فلسطين و خرجت إلى شوارع بكين و الناس يمشون والسيارات تتحرك والمدينة تعيش حياتها كالمعتاد أما أنا فكنت أحمل معي وجوه أطفال غزة و كنت أفكر في الضفة الغربية و في أطفالها وبيوتها وسياراتها وأشجارها التي يحرقها المستوطنون و الجيش الاسرائيلي وفي المدن والقرى التي تحاصرها الحواجز والبوابات الحديدية وكنت أفكر في غزة وفي نانجينغ وفي الأطفال وفي الضحايا وفي عالم يرى كل شيء.
وأنا أغادر قاعة السينما بقي سؤال واحد يرافقني:
كم مرة يجب أن يرى العالم المجازر و حروب الابادة و حرق الاطفال في أسرة نومهم حتى يقول: كفى؟.