
ما هذه القدرة العجائبية على التقاط أنفاس حياة، بعد مذبحة، ووسط دمار، وأمام مستقبل ثقيل؟
كيف تبدأون سنة دراسية رغم كل محاولات التجهيل والتجويع والتعطيش، وقلق الأطفال الوجودي مما مروا به؟ كيف يعقل كل ذلك؟!
أنتم لستم أبطالا خارقين، بل أناس من لحم ودم، موجوعين، مكلومين، ورغم كل شيء تفرضون إرادتكم وصبركم وكل ذرة من طاقتكم "خاوة" على الجميع!
نصف مليون طالب محصورين في 35% من مساحة غزة الضيقة أصلا، يبدأون عامهم الدراسي بعد طول انقطاع.
لا مدارس، إذ إن معظمها مدمر. تعليم إلكتروني بالٍ يقدم بعض الأساسيات، ولا يقدر عليه إلا من يتوفر لأهله كهرباء وإنترنت، وهي الشريحة الأقل عددا في غزة. "مدارس" في ساحات المدارس المدمرة، مدارس في ساحات عامة بين الأنقاض، مدارس بدون مقاعد دراسية وألواح ودورات مياه.
مدارس خاصة، وحسب أحد التقارير 500 مدرسة، وكثير منها برسوم لا يقوى عليها غالبية الأهالي.
مدارس على أنقاض مدارس وكالة الغوث العريقة، والتي تراجعت كثيرا مقدراتها وقدراتها، ويعاني معلموها من تردي وضعهم الوظيفي، "والعين مفتوحة عليهم" من قبل الدول "المانحة" والأطراف الكثيرة التي تريد القضاء على الوكالة ككل. فقدوا مئات من زملائهم المعلمين، ومعظم مدارس الأونروا مدمرة.
مدارس حكومية بواقع وإمكانات أسوأ.
المواصلات كابوس الكوابيس لطول الانتظار وسوء المركبات إن تواجدت، والتكلفة الباهظة. هؤلاء الأطفال الجميلون، والذين رأوا الأهوال، كثير منهم سيسير لمسافات طويلة لأجل التعليم.
وتسأل عن نظام التعليم؟
ثلاث نوبات يومية، وكل "صف دراسي" يستوعب 50 إلى 55 طالبا. الذكور يأتون لمدارسهم ثلاثة أيام في الأسبوع، ولثلاث ساعات لكل نوبة، يعني ثلاث ساعات تعليم فقط، والطالبات ينتظمن في ثلاثة أيام مختلفة وبثلاث نوبات.
ولم نشر هنا إلى الحاجة الماسة (الماسة للغاية) لتأهيل نفسي لهؤلاء الأطفال، وللتفريغ والعلاج النفسي للمعلمين، وللتأهيل والعلاج النفسي لأولياء الأمور.
فقدوا البيوت والأحبة، يفترشون الخيام، يكافحون لضمان أكل ومشرب ولو بالحد الأدنى، والآن يقلقون في تدبير مواصلات لأبنائهم لمدارسهم، والسبيل لتأمين نصف ساندويتشة في الحقيبة المدرسية.
وبين كل هذه الإرهاصات والتموجات على الأرض، تستمر الطائرة الزنانة بالزنزنة الرتيبة القاتلة، والكوادكوبتر تواصل عملها، والقصف والقتل مستمران. والكل يتدخل في غزة ومستقبلها إلا أهلها.
وبعد،
السنة الدراسية بدأت.
الأم تجدل ضفيرة ابنتها، والأب يربط رباط حذاء ابنه تحضيرا للمدرسة.
وبعد،
الابتسامات على وجوه الأطفال وحماستهم وخوفهم المستتر، تواقين للعلم والذهاب إلى "المدرسة" و"الصف".
وبعد،
معلمات ماجدات، قويات، متعبات وبقلوب ثقيلة، ومعلمون زادت أعمارهم خلال ثلاث سنوات ثلاثين سنة، يستقبلون الطلاب بابتسامة ودفء.
وبعد،
هذه غزة يا عالم.
لعل حبها للحياة ولأطفالها بين الركام والدمار يفوق حب الآخرين للحياة.