الفلسطينيون والموقف التقليدي تجاه مخرجات "قمة بريكس"

21/09/2026

كتب د. علاء سليمان الديك: أصبحت مجموعة بريكس كتلة جيوسياسية تعقد إجتماعات سنوية في قمم رسمية لتنسيق السياسات متعددة الأطراف منذ عام 2009 على أساس عدم التدخل وإحترام سيادة الدول وتحقيق المساواة والمنفعة المتبادلة. وحديثاً، عقدت القمة الثامنة عشرة لقادة دول مجموعة البريكس في نيودلهي يومي 12 و13 أيلول 2026، إجتماعها السنوي، وأكدت فيه "دعمها لعدالة القضية الفلسطينية من خلال رفض التهجير، وضرورة إنهاء الإحتلال الإسرائيلي والإلتزام بحل الدولتين، إلى جانب دعم حصول دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة". إضافة لذلك، "دعمها لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" وولايتها، والتأكيد على ضرورة حماية المقدسات في القدس وحرية الوصول إليها، وحماية الفلسطينيين وضمان وصول المساعدات ورفع الحصار عن قطاع غزة وبدون عوائق، وإحترام القرارات الدولية ذات الصلة بهذا الشأن".

في المقابل، "رحب الفلسطينيون كساسة بما ورد وتضمن الإعلان، وثمنوا هذه المواقف، معتبرين أنها تنسجم مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مطالبين ومشددين على ضرورة ترجمتها لخطوات "عملية ومدروسة". وأيضاً "دعوة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته القانونية والسياسية والعمل على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وإنفاذها تجاه القضية الفلسطينية وتمكين الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم الوطنية المشروعة وفي مقدمتها حق تقرير المصير".
من هنا برزت أهمية هذه المقالة، والتي عبر عنها بمحصلة مركزية: "أن الجنوب العالمي فرض إرادته "بحزم وثبات" لنصبح أمام عالم متعدد الأقطاب، عالم أصبح يسير نحو التغيير للأفضل لصالح الشعوب والدول المقهورة من خلال الحفاظ على أسس العلاقات الدولية القائمة على إحترام السيادة وعدم الإعتداء ورفض الهيمنة وعدم التدخل في شؤون الغير وتحقيق المساواة والمنفعة المتبادلة". ولعل أبرز المستفيدين من هذا هم "الفلسطينيين"، ولكن، هل الساسة الفلسطينيون على قناعة تامة بما يحدث، وهل لديهم خطط وإستراتيجيات وأدوات لكيفية التعامل مع هذا التطور الفريد؟ وهل المواقف التقليدية التي تصدر عنهم بالترحيب والإشادة فقط تكفي للإستفادة من هذا النجاح والتقدم الملموس؟. وعليه، ستحاول هذه المقالة الإجابة عن تلك التساؤلات من خلال إستشراف مستقبل القضية الفلسطينية في ظل غياب حلها بشكل عادل وفق الإجماع الدولي والقرارات ذات الصلة، والفلسطينيون بأكملهم تحت الإحتلال المباشر وإجراءاته التعسفية، وكذلك حالة الفوضى التي تشهدها فلسطين في ظل غياب الحوكمة وحكم المؤسسة وغياب الوحدة الفلسطينية. ومن جهة أخرى، تنامي فاعلية وأهمية قمم بريكس من كل عام بوضع الخطط والمبادرات لحل معظم القضايا بهدف تحقيق السلام والإستقرار والتنمية عبر تحقيق المساواة والمنفعة المتبادلة للجميع دون إستثناء من خلال التعاون وإحترام الأخر ورفض الإعتداء والهيمنة والتسلط. وتؤكد قمم بريكس المتعاقبة دعمها لعدالة القضية الفلسطينية "بحزم وثبات"، ولكن هل من متابع فلسطينياً للبناء على تلك المواقف والإستفادة منها عملياً؟ وهنا تقع المسؤولية على عاتق الفلسطيني المسؤول ومدى إهتمامه وإكتراثه أو حتى إدراكه بأهمية ذلك.
لم نسمع أن قدم الساسة الفلسطينيون أي مبادرات أو خطط إو مقترحات لدول قادة مجموعة بريكس بهدف ترجمة تصريحاتهم بالواقع الملموس في فلسطين تجاه معظم الجوانب وأهمها السياسية والإقتصادية والإجتماعية وغيرهما، وذلك من خلال عمل لجان مشتركة من أكاديميين وسياسيين وخبراء ومتخصصون وما شابه، للمتابعة والنقاش والتنسيق ومن ثم التقييم. لقد سمعنا كغيرنا أن الساسة الفلسطينيون يرحبون ويشيدون بمخرجات قمم مجموعة بريكس فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتحقيق التعددية والحوكمة الدولية وما شابه، ويأملون أن ينعكس ذلك على حل القضية الفسلطينية وتحقيق العدالة الدولية والخلاص من الأحادية القطبية التي تمثلها أمريكا وحلفاؤها الغربيون. في المقابل، مازال الساسة الفلسطينيون يراهنون على الموقف الأمريكي والغربي لحل قضيتهم وتحقيق أهدافهم بالحرية والإستقلال، وهذا لم يحدث وقد يكون من الأحلام. كذلك، أصبح الساسة الفلسطينيون جزء من التحالفات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والإقليم، يدينون تارةً ويثمنون تارةً أخرى، فالتجاذبات الإقليمية ألقت بظلالها عليهم فأصبحوا جزء أصيل منها، لذلك أصبحوا حلفاء، بمعنى مع طرف ضد طرف أخر، وليسوا شركاء، فالشراكة أفضل للفلسطينيين كونها تعمل وفق تعاون جماعي هدفه المنفعة المتبادلة على كافة الصعد. إضافة لذلك، معظم تصريحات الساسة الفلسطينيون هي مجرد تحليل للواقع أو إشادة أو إدانة لما يحدث، ولم نشهد نحن كفلسطينيون حالة من إتخاذ قرار أو وضع مبادرات وخطط ومقترحات مدروسة بالتنسيق والتشاور مع الأصدقاء والشركاء في الجنوب العالمي، أو مع أحرار العالم الغربي وغيرهما الذين يساندون الفلسطينيين وقضيتهم العادلة "بحزم وثبات"، التي تهدف لتغيير الواقع في فلسطين، إبتداءاً من الموقف السياسي وإنتهاءاً بحق الفلسطينيون بتقرير مصيرهم على ارضهم أسوة بشعوب العالم، وهذا يحتاج لإرادة وطنية موحدة وزمام المبادرة.
وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني، فحدث بلا حرج، غياب الوحدة الوطنية وتجاهل "إعلان بكين" لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية. كذلك، غياب حوكمة المؤسسة الفلسطينية، نسمع عن تطوير برامج الإصلاح والحوكمة وتحقيق العدالة وما شابه، في المقابل نرى المناشدات اليومية من المواطنين للساسة الفلسطينيون من اجل حل قضاياهم التي طال إنتظارها في المحاكم على سبيل المثال لا الحصر هنا، ناهيك عن غياب برامج الرعاية الإجتماعية وإضطراد حالات البطالة والفقر وقلة فرص العمل بين الشباب والعمال في المناطق الفلسطينية لأسباب كثيرة يطول شرحها هنا. إضافة لذلك، غياب التكامل والشرعية في حكم المؤسسة الفلسطينية، فمنذ عشرون عاماً لم تجري أي إنتخابات فلسطينية عامة، رئاسية وتشريعية، والمفترض ان تجري الإنتخابات العامة كل خمس سنوات أو أقل، وتعمل المؤسسة وفق إصدار مراسيم لن يتفق الفلسطينيون عليها، لأنها لا تلبي طموحاتهم أو إحتياجاتهم وفق بعض الأراء، تارةً يعارضونها وتارةً يرحبون بها. ومؤخراً، كثر الحديث عن تأجيل الإنتخابات التشريعية المزمع عقدها في نهاية نوفمبر القادم، والبعض يرى أن الظروف غير مؤاتيه لإجراء الإنتخابات، وأنه يجب التركيز على الحوار والتوافق والإكتفاء بتشكيل مجلس وطني توافقي قدر المستطاع ليكون برلمان فلسطين لاحقاً. فالقوى والأحزاب االفلسطينية وغيرهما ملزمون بتقديم برامج إنتخابية هدفها خدمة الشعوب والحفاظ على مكتسباتهم الوطنية، وعندئذ فالشعب من يقرر فقط وهو مصدر السلطات.
في المحصلة، فالحالة الفلسطينية، سواء السياسية أو الداخلية المتعلقة بغياب الوحدة والتكامل، تتطلب فتح الباب أمام الخبراء والمختصين والباحثين في كافة التخصصات إلى حد ما، إلى جانب المؤسسات الأهلية، ليكونوا شركاء في صناعة القرار في القطاعات كافة، وذلك بهدف تعزيز الحوار والتشاور لتقديم أفكار ومقترحات ومبادرات من شأنها أن تخدم الحالة الفلسطينية بشقيها السياسي والخدماتي. وهذا سيمهد الطريق للإستفادة من أي مبادرات عالمية أو إقليمية مثل قمة بريكس في نيودلهي مؤخراً، التي تقف لجانب عدالة القضية الفلسطينية ومساندة الفلسطينيين وصولاً لتحقيق السلام والتنمية المستدامين على حد سواء. وعليه، فالساسة الفلسطينيون عليهم مسؤولية تاريخية أمام ما يحصل في الحالة الفلسطينية، سواء على الصعيد السياسي وتنامي إجراءات الإحتلال اليومية، والمواطن ومكتسباته من يدفع الثمن، أو على صعيد الوحدة والتكامل في العمل الوطني، فالأهمية هنا تكمن في تعزيز سيادة المؤسسة وحوكمتها وليس في تعزيز حكم الأفراد أو الأحزاب فقط. إضافة لذلك، يتعين على الساسة الفلسطينيون البعد بتحليل الواقع وكأنهم محللون سياسيون، فهناك الكثير من المحللون يترك الأمر لهم، والتركيز على إتخاذ القرار لخلق أمل في مستقبل أفضل وفق الوسائل والأدوات المتاحة. وكذلك تقع عليهم مسؤولية جدية بالإنتباه لما يحدث ويدور من حولهم من تطورات على الصعيد الإقليمي والدولي، وأن يتم دراسة المبادرات والمقترحات والأفكار فلسطينياً بهدف الإستفادة من كل تطور يحدث، وتقديمها للأطراف المشاركة من أجل تحقيق شيء ملموس، وهذه مسؤوليتنا، مثل قمة قادة دول مجموعة بريكس الأخيرة وغيرها من القمم التي تؤيد الحق الفلسطيني. وأخيراً، كفاكم رهاناً على الموقف الأمريكي والغربي الذي مازال يتجاهل الحق الفلسطيني، والذهاب جنوباً لتعلم دروس وعبر من التجربة الصينية "الدبلوماسية الصينية المتكاملة" التي نجحت في تحقيق وإستدامة الحوكمة والأمن والسلام والرخاء للأمة الصينية وللشركاء من الشعوب والدول على حد سواء.