محمود كلّم يكتب لوطن: بعد كل هذه الشهادات… ما زلت أسأل: كيف يصبح الإنسان وحشاً؟

20/09/2026

بعد العودة إلى صبرا وشاتيلا، وبعد أن فتحت دفاتر شهادات قديمة، وجلست من جديد أمام أصوات سمعتها قبل سنوات طويلة، أشعر أنني لم أخرج من تلك الأيام كما دخلتها.

كنتُ أظن أنني أعرف ما يكفي عن صبرا وشاتيلا، لكنني كنتُ مخطئاً.

فبعض الشهادات لا تُقرأ مرتين بالطريقة نفسها، وبعض الذكريات لا تفقد قدرتها على الصدمة مهما طال الزمن.

وأول من حدّثني عن مجزرة صبرا وشاتيلا، وعن تفاصيل ما جرى، كان صديقي عصام أبو دهيس.

أتذكر صوته وكلماته، وأتذكر كيف كنت أصغي إليه وأنا أحاول أن أستوعب ما يقوله لي.

كانت شهادته بالنسبة إليّ كالصاعقة التي وقعت على رأسي.

لم تكن صدمتي لأنني لم أكن أعرف أن مجزرة وقعت. كنت أعرف، لكن هناك فرقاً هائلاً بين أن تعرف أن مجزرة حدثت، وبين أن يجلس أمامك إنسان ويقول لك: «كنت هناك، رأيتهم، رأيت الذين قُتلوا، وسقط صهري بجانبي، ونجوت بأعجوبة».

عندما سمعت عصام أبو دهيس، لم تعد صبرا وشاتيلا بالنسبة إليّ تاريخاً يُقرأ، ولا خبراً قديماً في صحيفة، ولا صوراً محفوظة في أرشيف.

صارت وجهاً وصوتاً ورجلاً يجلس أمامي ويحاول أن يستعيد، بعد سنوات، ليلة كان الموت فيها قريباً منه إلى درجة أنه رأى صهره يسقط إلى جانبه.

لكن علاقتي بصبرا وشاتيلا لم تبدأ مع شهادة صديقي عصام أبو دهيس، ولم أكن غريباً عنها في يوم من الأيام.

أنا لست غريباً عن صبرا وشاتيلا. أنا ابنها. أعرف أهلها وناسها، أعرف بيوتها وزواريبها، وأعرف تفاصيلها الصغيرة ووجوه أهلها وحكايات الذين عاشوا فيها.

لهذا لم تكن صبرا وشاتيلا بالنسبة إليّ مكاناً أقرأ عنه في الكتب، أو اسماً يرد في الأخبار.

كانت وما زالت جزءاً من حياتي وذاكرتي.

وحين أعود إليها، لا أعود إلى مكان فقط، بل إلى ناس أعرفهم، وإلى بيوت وزواريب تحفظ خطوات أهلها، وإلى ذاكرة عشت بالقرب منها وكبرت وهي تكبر معي.

ومن هنا، كانت شهادة صديقي عصام أبو دهيس أقسى.

لأنني لم أكن أستمع إلى حكاية بعيدة.

كنت أستمع إلى شيء حدث في المكان الذي أعرفه، ومع الناس الذين أعرفهم.

ومنذ ذلك اليوم، بقيت شهادته في ذاكرتي.

وبقي السؤال الذي لا أجد له جواباً:

أمعقول أن يبلغ الإنسان هذا الحدّ من القسوة؟ أمعقول أن يكون في البشر من يفعل كل هذا؟

أمعقول أن يقف إنسان أمام إنسان آخر أعزل، ثم يطلق عليه النار؟

أمعقول أن يُقتل طفل لأنه ذهب يبحث عن الماء؟

أمعقول أن تُذبح فتاة، ثم تُغتصب وهي ميتة؟

أمعقول أن تُقتل امرأة، أو رجل، أو شيخ، فقط لأنه كان في المكان الخطأ، في اللحظة الخطأ؟

أمعقول أن تتحول الأحياء والبيوت والملاجئ إلى أماكن للموت؟

هذه السلسلة التي نشرتها لم تكن محاولة لإعادة كتابة تاريخ صبرا وشاتيلا.

التاريخ كُتب، والتقارير كُتبت، والكتب صدرت، والصور بقيت، لكنني كنت أريد شيئاً آخر.

كنت أريد أن أعيد الإنسان إلى قلب الحكاية.

لهذا عدت إلى عصام أبو دهيس.

وإلى سَنِيّة رمضان «أم جهاد».

وإلى سمر قاسم أبو حرب.

وإلى يوسف عبد نايف مجذوب «أبو جمال».

وإلى محمد سرور «أبو علي».

وإلى ميلانة بطرس ألها «أم حسين البرجي».

كل واحد منهم حمل جزءاً من تلك المأساة. بعضهم فقد أباً، وبعضهم فقد زوجاً، وبعضهم فقد ابناً أو أخاً أو قريباً، وبعضهم نجا من الموت نفسه، لكنه لم ينجُ من الذاكرة.

وهنا تكمن قسوة صبرا وشاتيلا.

أن الموت لم يتوقف عندما توقفت المجزرة، بل واصل طريقه داخل ذاكرة الناجين.

عاش معهم، ودخل بيوتهم، وجلس إلى موائدهم، ورافقهم إلى نومهم، وكبر معهم.

ولهذا، عندما جلست أراجع هذه الشهادات بعد كل هذه السنوات، لم أكن أراجع نصوصاً صحفية قديمة.

كنت أراجع أعماراً كاملة.

كنت أراجع أصوات أشخاص جلسوا أمامي في لحظات مختلفة من حياتهم، وفتحوا لي أبواباً من الألم ربما لم يكن من السهل عليهم فتحها.

بعضهم لم يعد موجوداً اليوم.

وهذه الفكرة أخافتني أكثر من أي شيء آخر:

أن يموت الشاهد، أن يختفي الصوت.

لهذا أعدت نشر هذه الشهادات، ليس رغبةً في نبش الماضي، بل لأن الذاكرة تحتاج إلى من يحملها.

فالذين رحلوا لم يكونوا أرقاماً.

كانت لهم أسماء، وكان لهم آباء وأمهات، وكان لهم أولاد، وكان لهم بيت ينتظرهم.

وكانوا يخططون لليوم التالي، ثم جاء الموت وأغلق كل شيء.

أما الذين نجوا، فقد حملوا أسماء من فقدوهم إلى آخر العمر.

ولهذا لم أجد في هذه الشهادات مجرد حكايات عن الموت، بل وجدت أيضاً حكايات عن النجاة.

عن امرأة دفنت زوجها ثم عادت إلى بيتها.

وعن رجل رأى صهره يُقتل أمامه، ثم بقي حياً.

وعن أبناء عادوا إلى بيوتهم، فلم يجدوا آباءهم وإخوتهم.

وعن امرأة دفنت زوجها وابنها وقريبها، ثم قالت بعد سنوات:

«بعد المجزرة، ما حدا واساني، ولا حدا سأل عني».

أي وجع يمكن أن يكون أكبر من أن تفقد أحب الناس إليك، ثم تجد نفسك وحيداً في مواجهة كل ما حدث؟

وأي ذاكرة تستطيع أن تحمل كل هذا دون أن تنكسر؟

قد يسأل البعض:

لماذا العودة إلى الماضي؟

لأن الماضي الذي لم يُفهم، ولم تُحفظ شهاداته، يمكن أن يتحول إلى نسيان.

والنسيان أحياناً يكون شكلاً آخر من أشكال الموت.

أنا لا أريد أن تموت الشهادات مرة ثانية.

ولا أريد للأصوات التي سمعتها أن تختفي مع أصحابها.

لذلك أضعها هنا، أمام جيل لم يرَ ما رأيناه، ولم يجلس أمام هؤلاء الشهود، ولم يسمع أصواتهم وهي ترتجف عند بعض التفاصيل، ولم يرَ ذلك الصمت الطويل الذي كان يأتي أحياناً قبل الجملة التالية.

هذه السلسلة تنتهي هنا، لكن شهاداتهم لا ينبغي أن تنتهي.

سيبقى صديقي عصام أبو دهيس في ذاكرتي ما حييتُ، لأنه كان أول من فتح أمامي باب صبرا وشاتيلا بطريقة لم تعد بعدها مجرد حدث تاريخي.

وستبقى أم جهاد، وسمر أبو حرب، وأبو جمال، وأبو علي، وأم حسين، وكل من حمل شهادة في ذاكرته، حاضرين في هذه الحكاية.

لم يكونوا مجرد شهود على الماضي، بل كانوا حراساً للذاكرة.

وإذا كان الموت قد أخذ أصحاب الحكاية، فإن علينا نحن الذين سمعناها أن نحملها، حتى لا يصبح القاتل وحده هو من يكتب نهاية القصة.

انتهت السلسلة… لكن حكاية صبرا وشاتيلا لا تنتهي.

لأن هناك أسماء لا يحق لنا أن ننساها، وشهادات لا ينبغي أن تموت مع أصحابها.

وأنا، لأنني ابن صبرا وشاتيلا، أعرف أن الحكاية ليست في الكتب وحدها.

الحكاية في أهلها، في بيوتها، في زواريبها، في وجوه الذين عاشوا فيها، وفي الذين رحلوا عنها، وفي الذين حملوا ذاكرة من رحلوا حتى اليوم.

لهذا أعود إلى صبرا وشاتيلا.

لا لأفتح جرحاً انتهى، لأن بعض الجروح لم تنتهِ أصلاً.

ولا لأتحدث باسم الذين رحلوا، لأن لهم أصواتاً تركوها خلفهم.

بل لأقول:

هؤلاء كانوا هنا، عاشوا هنا، ماتوا هنا.

وكان لهم أسماء، وكان لهم من يحبهم، وكان لهم حق في الحياة.

وبعد كل هذه السنوات، ما زلت واقفاً أمام السؤال نفسه:

كيف استطاع الإنسان أن يفعل كل هذا بالإنسان؟

لا أملك جواباً.

لكنني أعرف شيئاً واحداً:

أن الزمن يمكن أن يغيّر الوجوه والأمكنة، وأن الشهود يمكن أن يرحلوا، لكن الذاكرة، إذا حملها أحد، تستطيع أن تبقى.

ولهذا يجب أن نستمر في رواية الشهادة.

حتى لا يصبح الموت هو الكلمة الأخيرة.

وحتى لا تتحول صبرا وشاتيلا إلى اسم في كتاب، بل تبقى ذاكرة ناس عاشوا فيها، وأحبوا فيها، وفقدوا فيها، وتركوا لنا شهاداتهم.

ومع ذلك، بعد كل هذه الشهادات، وبعد كل هذه السنوات، ما زلت أسأل:

أمعقول… أن يكون بين البشر مَن هم كالوحوش المفترسة؟