فايز محمد أبو شمالة يكتب لوطن: فلسطين في مرآة الباروميتر العربي: هل تغيّر الوعي العربي؟

20/09/2026

 في مطلع هذا العام، كتبتُ مقالًا بعنوان «فلسطين واختبار الوعي العربي: قراءة سياسية رقمية في نتائج المؤشر العربي 2025»، حاولت فيه قراءة مكانة القضية الفلسطينية في الوعي العربي من خلال نتائج «المؤشر العربي» الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

واليوم أعود إلى السؤال نفسه، ولكن من خلال مصدر بحثي مختلف، هو «الباروميتر العربي»، لأطرح السؤال بصيغة أخرى: هل تغيّر الوعي العربي تجاه القضية الفلسطينية؟ وهل أدت الحرب على غزة، وما رافقها من تحولات إقليمية ودولية، إلى تراجع حضور فلسطين في وجدان العرب؟

مصدران لقراءة الوعي العربي
من المهم، قبل الدخول في الأرقام، التمييز بين المشروعين البحثيين. فـ«المؤشر العربي» هو سلسلة دورية من استطلاعات الرأي ينفذها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات منذ عام 2011، ويغطي مجموعة واسعة من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من بينها القضية الفلسطينية، والموقف من «إسرائيل»، والتطبيع، والسياسة الأميركية، والأمن الإقليمي. وفي نسخته لعام 2025، شمل الاستطلاع خمسة عشر مجتمعًا عربيًا، وشارك فيه أكثر من أربعين ألف مستجيب، ما يمنحه نطاقًا واسعًا في قياس اتجاهات الرأي العام العربي.
أما «الباروميتر العربي» فهو شبكة بحثية مستقلة وغير حزبية متخصصة في استطلاعات الرأي العام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بدأت عملها عام 2006، وأجرت منذ ذلك الوقت استطلاعات متكررة في عدد كبير من الدول العربية. ويتميز المشروع بمحاولة تتبع التحولات في اتجاهات الرأي العام من خلال تكرار مجموعة من الأسئلة، إلى جانب إدخال أسئلة جديدة تتصل بالأحداث والتطورات التي تشهدها المنطقة.
وفي الاستطلاع التاسع للباروميتر العربي، شملت الدراسة مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب وموريتانيا وفلسطين وسورية وتونس، وأجريت المقابلات بصورة مباشرة مع عينات وطنية تمثل السكان في كل مجتمع. وهذه نقطة مهمة في قراءة النتائج، لأن الباروميتر العربي والمؤشر العربي ليسا مشروعًا واحدًا، ولا يجوز التعامل مع أرقامهما باعتبارها سلسلة إحصائية واحدة أو إجراء مقارنة حسابية مباشرة بينهما. فلكل مشروع منهجيته وعينته وتوقيت جمع البيانات وطريقة صياغة الأسئلة.
لكن أهمية قراءة نتائج المشروعين معًا لا تأتي من الرغبة في مطابقة الأرقام، وإنما من إمكانية النظر إلى القضية الفلسطينية من زاويتين بحثيتين مستقلتين. فإذا تكررت الاتجاهات العامة نفسها، رغم اختلاف الأسئلة والعينات والمنهجيات، فإن ذلك يمنحنا مؤشرًا إضافيًا على طبيعة مكانة فلسطين في الرأي العام العربي.
ومن هذه الزاوية، تبدو نتائج الاستطلاع التاسع للباروميتر العربي شديدة الدلالة، تبدأ الصورة من الموقف من «إسرائيل». ففي جميع الدول التي شملها الاستطلاع تقريبًا، لا تتجاوز النظرة الإيجابية إلى «إسرائيل» 5%، باستثناء المغرب التي بلغت فيها 13%. أما النظرة السلبية فكانت هي الاتجاه الغالب بوضوح في المجتمعات التي شملها الاستطلاع.
وهنا تأتي أهمية وضع هذه النتيجة إلى جانب ما أظهره المؤشر العربي 2025؛ إذ قال 87% من العرب إنهم يرفضون الاعتراف بـ«إسرائيل»، مقابل 6% فقط يؤيدون الاعتراف بها. وبلغت نسبة الرافضين 96% في ليبيا، و95% في الأردن، و94% في الكويت، و91% في فلسطين، و89% في كل من لبنان والمغرب وقطر.
قد تختلف صياغة السؤال بين المشروعين، لكن الاتجاه العام واضح: لا تزال «إسرائيل» تحظى بصورة سلبية للغاية لدى الرأي العام العربي، ولا يبدو أن مرور الزمن أو الاتفاقيات السياسية الرسمية قد أدى إلى تحول واسع في الموقف الشعبي منها.

فلسطين بين «إسرائيل» والتطبيع وحل الدولتين
المؤشر الثاني هو التطبيع. وهنا تكشف الأرقام عن فجوة واضحة بين العلاقات الرسمية التي أقامتها بعض الدول العربية مع «إسرائيل» وبين مستوى القبول الشعبي بهذه العلاقات.
ففي الاستطلاع التاسع للباروميتر العربي، لم تتجاوز نسبة المؤيدين لإقامة علاقات رسمية مع «إسرائيل» 25% في أي دولة من الدول التي شملها السؤال، بينما بقي التأييد عند مستويات منخفضة للغاية في مصر والأردن، إذ لم يتجاوز 4% في كل منهما.

لكن السؤال يصبح أكثر أهمية عندما يتغير الافتراض: ماذا يحدث إذا اعترفت «إسرائيل» بدولة فلسطينية؟
هنا ترتفع نسبة التأييد للتطبيع في عدد من المجتمعات العربية، لكن هذه الزيادة لا تعني بالضرورة تحول الأغلبية إلى موقف مؤيد. فقد ارتفعت نسبة التأييد بمقدار 27 نقطة مئوية في سورية، و26 نقطة في الأراضي الفلسطينية، و23 نقطة في الأردن، و19 نقطة في العراق، و18 نقطة في المغرب، و17 نقطة في لبنان.
إذا كانت نتائج الباروميتر العربي تقدم صورة عامة عن المزاج العربي، فإن الأردن يقدم حالة شديدة الوضوح في ارتباط الرأي العام بالقضية الفلسطينية.
فقد بلغت النظرة السلبية إلى «إسرائيل» 95%، وقال 70% إن ما جرى في غزة يمكن وصفه بأنه إبادة جماعية أو مجزرة. وفي ملف التطبيع، بقي 67% يعارضونه حتى مع افتراض اعتراف «إسرائيل» بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
لكن الأهم أن القضية لم تبقَ في حدود الموقف السياسي. فقد قال 89% من الأردنيين إنهم قاطعوا شركات تدعم «إسرائيل»، و59% تابعوا أخبار الحرب بصورة وثيقة، و23% قدموا تبرعات مالية، و18% نشروا رسائل تضامن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما شارك 11% في احتجاجات أو فعاليات تضامن عامة، وتظهر فلسطين كذلك في نظرة الأردنيين إلى الولايات المتحدة؛ إذ يرى 86% أن الولايات المتحدة تنحاز إلى «إسرائيل» على حساب الفلسطينيين، فيما يؤيد 67% حل الدولتين.
وهذه الأرقام تجعل الحالة الأردنية لافتة في سياق القراءة العربية العامة. فالقضية الفلسطينية هنا لا تظهر فقط في الموقف من «إسرائيل» أو في تأييد أو رفض التطبيع، وإنما تنتقل إلى السلوك اليومي: المقاطعة، والتبرع، ومتابعة الأخبار، والتضامن عبر وسائل التواصل، والمشاركة في الفعاليات العامة.

لكن السؤال الأوسع يبقى: هل تغير الوعي العربي؟
إذا نظرنا إلى الأرقام مجتمعة، فإنها تقدم دليلًا مكانة فلسطين في الوعي العربي. بل إن المؤشرات المتقاطعة تشير إلى استمرار حضورها بقوة: نظرة سلبية واسعة إلى «إسرائيل»، رفض واسع للتطبيع، تأييد لحل الدولتين في معظم المجتمعات التي شملها الاستطلاع، وموقف سلبي واسع من السياسة الأميركية بسبب ما يراه الرأي العام العربي انحيازًا إلى «إسرائيل» على حساب الفلسطينيين.

والأهم أن هذه المواقف لا تظهر فقط عند السؤال عن فلسطين بصورة مباشرة. إنها تظهر في الموقف من «إسرائيل»، ومن التطبيع، ومن الولايات المتحدة، ومن مستقبل الصراع،.
وتتفق هذه الصورة مع ما أظهره المؤشر العربي 2025 من أن 80% من العرب يرون أن القضية الفلسطينية قضية عربية جماعية، مقابل 12% فقط يرون أنها قضية فلسطينية وحدها. وهذا يعني أن فلسطين، رغم الحروب والأزمات والتحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، لا تزال تحتفظ بمكانة تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نفسه.
قد تختلف المجتمعات العربية في مواقفها من الحكومات والقوى السياسية والتحالفات الإقليمية، وقد تختلف في تصورها لشكل الحل النهائي للصراع، لكن البيانات المتاحة تكشف استمرار مساحة واسعة من التمسك بالقضية الفلسطينية.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل ما زالت فلسطين حاضرة في الوعي العربي
الأرقام تجيب عن ذلك بدرجة كبيرة من الوضوح.
السؤال الأهم هو: كيف يمكن لهذا الوعي العربي تجاه فلسطين، الذي يبدو ثابتًا في الشارع العربي، أن يتحول من موقف شعبي راسخ إلى تأثير سياسي فعّال في مستقبل القضية.