
كتبت أسماء هريش: تقاتل المدارس في التجمعات الفلسطينية في يطا جنوب الخليل في جنوب الضفة الغربية المحتلة، لا سيما في مسافر يطا، من أجل البقاء، في ظل طبقات متعددة من التهديدات التي تواجهها، من أوامر وإخطارات إسرائيلية بالهدم، واعتداءات ومضايقات من المستوطنين، إلى ضعف وتراجع في الخدمات ومقومات الصمود المتوفرة.
واقع دفع المجتمع المحلي إلى السعي لتغيير شكل المدارس الخارجي، لتصبح أشبه بسجون محاطة بالأسلاك الشائكة، في محاولة للتقليل من إمكانية اقتحام المستوطنين ومواشيهم ساحات المدارس.
بدأ العام الدراسي الجديد في السادس من أيلول/ سبتمبر الجاري، وكان الشغل الشاغل لكل من لهم علاقة بالعملية التعليمية في مديرية يطا، التحضير لبدء الدراسة في 28 مدرسة مهددة رسميا من سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالهدم، وتتعرض بشكل متواصل للمضايقات والاعتداءات من المستوطنين.
مدرسة فلسطين: رعب يومي بسبب المستوطنين، وعجز عن إقامة سياج حولها
حاول المجتمع المحلي وإدارة مدرسة فلسطين في منطقة جورة الجمل القريبة من تجمع شكارة وقرية خربة سوسيا في مسافر يطا، إقامة سياج من الأسلاك الشائكة حول المدرسة، قبل بدء العام الدراسي.
تؤكد مديرة المدرسة مها أبو حسان، أن التحضيرات لذلك بدأت قبل أسابيع من موعد انطلاق الفصل الدراسي الأول، وتم تجهيز الأدوات، وبدأت آلية ثقيلة تتبع لبلدية يطا بالمساعدة في الحفر للتجهيز لذلك، لكن المستوطنين أبلغوا فورا الجيش بالأمر، ليقوم الأخير بمصادرة الآلية.
تقول أبو حسان إن إدارة المدرسة والمجتمع المحلي غير قادرين على صيانة حديقة بسيطة لطلبة مرحلة رياض الأطفال، بسبب منع الاحتلال أية أعمال صيانة، ولا حتى إكمال تعبيد الساحة الرئيسية للمدرسة بالإسمنت والجزء الآخر لا يزال ترابا، وحتى قيام عدد من العمال بتنظيف المدرسة وما حولها من الأعشاب والأشواك أدى إلى اعتراض المستوطنين.
التحدي اليومي الذي يواجه الطاقم التدريسي، هو تواجد المستوطنين قرب المدرسة وأحيانا إفلات المواشي بحيث تدخل إليها، في كل مرة يقترب المستوطنون بها من المدرسة يهرع الطلبة إلى المعلمات وسط حالة من الخوف، فالصفوف في هذه المدرسة من الأول وحتى الرابع الأساسي أي أن أكبرهم بعمر 10 سنوات، ويدفع ذلك المديرة والمعلمات إلى الخروج بأنفسهن لمنع اقتراب المستوطنين أكثر، وخشية من هجمات المستوطنين على المدرسة بعد انتهاء الدوام، تضطر أبو حسان والمعلمات لرفع علم فلسطين في كل صباح في المدرسة ثم إزالته بعد انتهاء الدوام الرسمي.
كل ذلك يضاف إلى حواجز جيش الاحتلال التي يتكرر نصبها في الطريق إلى المدرسة، ما يضطر الطاقم التدريسي ليسلك طرقا أطول وأكثر صعوبة للوصول.
مدرسة فلسطين واحدة مما تعرف بمدارس التحدي التي أقيمت عند التجمعات الفلسطينية في المناطق المهددة من الاحتلال والمستوطنين لتثبيتها، وهي تخدم خمس تجمعات في المنطقة، وأنشئت في العام 2020، وكانت عبارة عن 5 غرف صغيرة من الطوب وسقف من الصفيح، وحين تمت توسعة المدرسة لتصبح 8 غرف، أخطرها الاحتلال بوقف العمل ثم الهدم، وهي مدرسة تعاني من الاكتظاظ بسبب حجم الغرف الصفية الصغير، حيث تخدم قرابة 150 طالبا وطالبة.
الأولوية للحماية.. مدارس تتحول إلى ما يشبه السجون
في مدارس أخرى بمسافر يطا تمكن المجتمع المحلي ونشطاء المقاومة الشعبية من وضع سياج من الأسلاك الشائكة، في محاولة لمنع المستوطنين من اقتحامها.
يؤكد رئيس مجلس قروي مسافر يطا نضال يونس، والذي تندرج تحت منطقة صلاحيات مجلسه سبع مدارس كلها مخطرة بالهدم وهي في مراحل التقاضي في محاكم الاحتلال، أن الحاجة أصبحت ملحة لتغيير شكل هذه المدارس من الخارج، ففي حين كان المجلس والمجتمع المحلي والمؤسسات الداعمة يحرصون على إقامة سياج حول المدارس بشكل جميل يراعي احتياجات الطلبة النفسية، أصبح التركيز هذا العام على إقامة ما يمكن أن يشكل حماية بالحد الأدنى من خلال الأسلاك الشائكة، ما حول المدارس لما يشبه السجون أو المعسكرات.
يقول يونس إن الحماية أصبحت هي الأولوية لا جمالية المدرسة، خصوصا أن المستوطنين قاموا بتخريب العديد من بوابات وأسيجة المدارس العادية خلال الأعوام الماضية، لكن بحسب رئيس المجلس، فالمجتمع المحلي لم يتمكن من نصب أسلاك شائكة حول كل المدارس بسبب شح الإمكانات المادية.
طريق محفوف بالمخاطر.. ومطالب بتوفير وسائل نقل
ويخشى الأهالي حتى من الطريق إلى المدارس؛ يراقب إسماعيل عوض طريق ابنته رزان في الصف السابع الأساسي كل يوم حتى تصل إلى مكان يبعد 500 متر عن منزلها تصل فيه مركبة لتقلها إلى مدرسة المجاز على مسافة 2.5 كيلومتر، وأكثر ما يخشاه تحركات المستوطنين الدائمة على الطريق، حيث يستخدمون مركبات صغيرة رباعية الدفع، وفي حال عدم وجود مركبة لنقل الطلبة يفضل عوض عودة ابنته إلى المنزل بدلا من ذهابها مشيا، فالعام الماضي شهد ملاحقة مستوطنين للطلبة وإلقاء الحجارة عليهم، وما رافق ذلك من ذعر لديهم.
يرى رئيس مجلس مسافر يطا أن قضية نقل الطلبة من الأمور الملحة التي يطالب بإعطائها أولوية، فقبل ثلاث سنوات تعطلت مركبة كانت خصصتها مديرية التربية لنقل الطلبة، ليتكفل المجلس لاحقا بالتعاقد مع سائقين لنقل الطلبة وفقا لما يتوفر من دعم مالي من مؤسسات وجمعيات محلية ودولية، لكن وحتى الآن لم يحصل المجلس على دعم، وقام بالتعاقد مع السائقين لمدة شهر واحد.
ويقول رئيس قسم العلاقات العامة في مديرية التربية والتعليم في يطا جبريل دبابسة إن عطاء تم طرحه لتوفير وسائل نقل للطلبة، لكنها تحتاج وقتا يمتد حتى منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، مشيرا إلى أن موعد طرح العطاء ارتبط بتوفير الجهات المانحة للدعم اللازم.
كفاح لتوفير الأمن والاحتياجات الأساسية
وتعد عملية التحضير للعام الدراسي في هذه المدارس المهددة وعددها 28 في يطا أمرا معقدا، وتأخذ القسم الأكبر من الوقت بحسب دبابسة، سواء بالعمل على توفير الحافلات، أو عمل جولات تفتيشية في المدارس بشكل مسبق، خشية قيام مستوطنين بوضع مواد مشبوهة فيها.
تلك الخشية ليست وليدة الخيال، بل إن تاريخ المستوطنين مع هذه المدارس يؤكد ضرورة الحذر، في العام 2002، انفجرت قنبلة قرب دورة مياه مدرسة زيف شمال شرق يطا، وعثر لاحقا على قنبلة أخرى داخل المدرسة.
وتتعاون المجالس المحلية والمجتمع المدني في محاولة توفير الأمن عبر لجان حراسة محلية، وتوفير مستلزمات الطلبة مع بداية العام الدراسي، في ظل وضع اقتصادي صعب مع ضرب اقتصاد التجمعات الفلسطينية بمنع الرعي وحصار الزراعة، يؤكد رئيس مجلس قروي مسافر يطا أن المجلس استطاع تأمين الحقائب المدرسية والقرطاسية عبر داعمين لكل الطلبة في المدارس السبعة التابعة لمنطقته، ويعمل كذلك على توفير صهاريج المياه للشرب رغم تكلفتها الباهظة، بعد أن قطّع المستوطنون شبكة المياه في التجمعات الفلسطينية بالمسافر والتي يبلغ طولها 48 كيلومترا حسب المجلس القروي، وكذلك يعمل على توفير خلايا طاقة شمسية للمدارس بدلا من تلك التي أتلفها المستوطنون.
ويعد بقاء هذه المدارس، أساسا لبقاء التجمعات السكانية الفلسطينية، فهي ككل مهددة بالترحيل بأوامر رسمية إسرائيلية، ومهددة بالتهجير بسبب عنف المستوطنين ومضايقاتهم للسكان، فالمدرسة كما يقول الأهالي شريان حياة، وحتى الآن هدم الاحتلال ثلاث مدارس في يطا وأجزاء من مدرسة رابعة؛ وهي مدرسة خلة الضبع عام 2018، ومدرسة صفي عام 2022، ومدرسة خلة عميرة عام 2024، وأجزاء من مدرسة شعب البطم في آب/ أغسطس الماضي.