بسام زكارنة يكتب لوطن: الصين.. من السور الذي يحمي إلى الجسر الذي يربط العالم

18/09/2026

هناك بلدان تستطيع أن تقرأ تاريخها في الكتب وبلدان تستطيع أن ترى حاضرها في صور الأخبار لكن هناك بلدا مثل الصين البعيدة التي تصلنا عنها روايات كثيرة وتحيط بها حملات تشويه تقودها الولايات المتحدة ودول غربية. وفي حالة الصين لا يكفي أن تقرأ عنها ولا أن تشاهدها من بعيد بل عليك أن تذهب إليها لترى بعينيك كيف تحولت الفكرة إلى دولة وكيف تحولت المعاناة إلى قوة وكيف استطاع شعب أن يبني من ظروفه الصعبة مسيرة غيرت وجه بلاده وكيف استطاعت 56 قومية أن تعيش وتعمل كأنها فريق واحد ضمن دولة واحدة.

ذهبنا إلى الصين لنرى بأنفسنا كيف تتعامل مع تنوعها القومي وكيف تقدم تجربتها في المساواة بين القوميات واحترام خصوصياتها والحفاظ على وحدة الدولة. وشاهدنا في أماكن مختلفة من الرحلة مظاهر هذا التنوع وكيف يجتمع تحت مظلة وطن واحد. وفي الوقت نفسه لمسنا أن الصين تنظر بحساسية شديدة إلى الأفكار الانفصالية التي يمكن أن تهدد وحدة الدولة وتحول التنوع إلى صراع وتفكك المجتمع إلى كيانات متنازعة. وهذا جعلنا نستحضر تجارب مناطق أخرى من العالم حيث أدى توظيف الانقسامات القومية والطائفية إلى إضعاف الدول وتحويل شعوبها إلى ساحات للصراع.

ومن هنا اكتسب سور الصين العظيم بالنسبة لنا معنى يتجاوز كونه أثرا تاريخيا. فقد بناه الصينيون قبل آلاف السنين لحماية وطنهم من الأخطار القادمة من الخارج. أما الصين التي رأيناها اليوم فتبدو وكأنها تبني صورة أخرى للسور: جسورا للتواصل مع العالم وجسورا للتعاون وجسورا للمعرفة والتجارة والمنفعة المتبادلة.

كانت رحلتنا إلى الصين ضمن ندوة التعاون الإعلامي بين الأحزاب السياسية تجربة مختلفة بكل معنى الكلمة. ثلاثون حزبا من ثلاثين دولة وثقافات وتجارب سياسية واجتماعية مختلفة اجتمعوا في مكان واحد لا لكي يتحدث كل طرف عن نفسه فقط بل لكي يستمع إلى الآخر ويتعرف عليه ويناقشه ويفهم كيف يرى العالم من زاويته. وهذه بحد ذاتها كانت درسا في أهمية الحوار لأن الاختلاف لا يصبح مشكلة عندما نمتلك القدرة على الاستماع والفهم والبحث عن المساحات المشتركة.

جئنا إلى الصين ونحن نحمل معنا الكثير من الأسئلة والصور والانطباعات التي صنعتها الأخبار والكتب والروايات المتداولة عنها. لكننا اكتشفنا أن الصين التي تراها بعينيك أكبر بكثير من الصين التي يمكن أن تنقلها إليك شاشة أو تقرير. ولهذا لم نأت إلى الصين لنصدق كل شيء ولم نأت لنرفض كل شيء. جئنا لنرى ونسأل ونناقش ونقارن ونفكر ثم نعود بما رأيناه وعرفناه بأنفسنا.

في بكين بدأنا من الصين الحديثة ومن الإعلام والتكنولوجيا والمؤسسات. رأينا كيف تستخدم الصين أدوات الإعلام والتقنية للوصول إلى العالم وكيف تقدم تجربتها من خلال مؤسساتها ووسائل إعلامها. وكان الدرس واضحا بالنسبة لي: الدولة التي تمتلك تجربة كبيرة لا يكفي أن تنجح في الداخل بل تحتاج أيضا إلى أن تعرف كيف تشرح تجربتها للعالم وأن تستمع في الوقت نفسه إلى روايات الآخرين.

ثم انتقلنا إلى يانآن حيث أخذتنا الرحلة إلى مكان مختلف تماما. هناك رأينا آثار مرحلة قاسية من تاريخ الثورة الصينية حيث كانت الإمكانات محدودة والظروف صعبة لكن الإرادة والتنظيم والعمل كانت حاضرة. ومن يانآن خرجت بفكرة بسيطة لكنها عميقة: الظروف الصعبة لا تحدد وحدها مستقبل الشعوب بل طريقة تعامل الشعوب معها هي التي تصنع الفارق.

وفي ليانغجياخه رأينا جانبا آخر من التجربة حيث عاش الامين العام شي جين بينغ سنوات من حياته في الريف وعمل بين الناس وفي ظروفهم اليومية. بالنسبة لي كان الدرس أعمق من مجرد محطة تاريخية. عندما تكون القيادة قد خرجت من بين الناس وعاشت ظروفهم واحتكت بالفقر والعمل والمعاناة تصبح أقرب إلى فهم احتياجات المجتمع وتفاصيل حياته اليومية.

وهذا ما لفت انتباهنا في التجربة الصينية حيث خرج عدد من القيادات من بيئات شعبية ومن العمل الثوري والريف والمجتمع وعاشوا مراحل صعبة من حياة بلدهم. ومن هنا بدا لنا أن معرفة الناس ليست شعارا سياسيا بل معرفة حقيقية بظروفهم واحتياجاتهم ومشكلاتهم. وعندما تكون هذه المعرفة متراكمة يمكن أن تتحول إلى سياسات وخطط وبرامج تستجيب للمشكلات وتدفع بعجلة التنمية إلى الأمام.

ومن المواقع التاريخية التي زرناها إلى الصين التي نراها اليوم كان السؤال دائما حاضرا: كيف انتقل بلد من تلك الظروف الصعبة إلى هذه القدرة الاقتصادية والتكنولوجية والتنموية الهائلة؟

وجدنا جزءا من الإجابة في فكرة الاستمرارية. الصين لم تبن حاضرها من فراغ ولم تتعامل مع تاريخها باعتباره شيئا يجب إخفاؤه أو تجاوزه. وقادتها لم يأتوا من فراغ أيضا بل مروا بتجارب طويلة وعاشوا مراحل مختلفة من حياة الدولة والمجتمع. ورأينا كيف تحافظ الصين على ذاكرتها التاريخية وفي الوقت نفسه تستثمر في المستقبل.

وسمعنا العبارة التي قالها الرئيس شي جين بينغ: عندما تشرب الماء لا تنس من حفر البئر. وهي بالنسبة لي ليست مجرد حكمة جميلة بل تختصر فلسفة كاملة في احترام من سبقوا والبناء على ما أنجزوه وتراكم الخبرات وتطويرها بدلا من البدء من الصفر في كل مرة.

حتى مفهوم الاشتراكية نفسه ظهر لنا بصورة مختلفة. كنا نفكر أن الاشتراكية نموذج ثابت لا يتغير فإذا بنا أمام اشتراكية بخصائص صينية تحاول أن توائم المبادئ مع الواقع الصيني وتبحث باستمرار عن الأدوات التي تناسب احتياجات المجتمع. وهنا كان الدرس أن الفكرة الكبيرة تستطيع أن تحافظ على جوهرها بينما تتطور أدواتها وفقا للزمان والمكان.

وشاهدنا أثر هذا النهج في المدن والقرى التي زرناها. فالصين التي تحمل إرثا تاريخيا وفكرا سياسيا واضحا هي في الوقت نفسه دولة تبحث باستمرار عن أدوات جديدة في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتجارة والإدارة. وهذا جعلنا نفهم أن التنمية ليست وصفة جامدة بل عملية مستمرة من التجربة والتقييم والتطوير.

وكانت حتى التفاصيل الصغيرة تحمل لنا دروسا غير متوقعة. كنا نعرف الباندا دائما بالأبيض والأسود فإذا بنا في شيآن نرى بأعيننا باندا بيضاء وبنية. ولو لم نشاهدها بأنفسنا ربما لما صدقنا وجودها. قد تبدو المسألة تفصيلا بسيطا لكنها حملت لنا درسا كبيرا: أحيانا لا تكفي الصورة ولا الرواية ولا ما تعتقد أنك تعرفه مسبقا. عليك أن ترى بعينيك لتكتشف الحقيقة كاملة.

وفي الزراعة رأينا شيئا آخر كنا نعتقد أنه غير مألوف: زراعة بدون تربة وفي طبقات وداخل أماكن مغلقة وعلى الأسطح باستخدام تقنيات حديثة. وهنا أدركنا أن محدودية الأرض لا تعني بالضرورة محدودية الإنتاج وأن التكنولوجيا تستطيع أن تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والأرض والغذاء.
وفي مدينة إيوو كان الدرس مختلفا تماما مدينة لم تكن تملك في بداياتها ما يكفي من مصادر الإنتاج والثروات الطبيعية لكنها استطاعت أن تتحول إلى واحدة من أهم المساحات التجارية التي تربط الصين بالعالم و هناك رأينا كيف يمكن لمكان محدود الموارد أن يصبح مركزا عالميا تتقاطع فيه المنتجات والأفكار والأسواق حتى أصبح من الصعب أن تدخل بيتا في أي مكان من العالم ولا تجد فيه شيئا مر عبر هذه المدينة أو ارتبط بسلاسل التجارة التي تنطلق منها من حذاء إلى هاتف ومن لعبة إلى إكسسوار ومن قطعة إلكترونية إلى أدوات منزلية وحتى منتجات التكنولوجيا والروبوتات.
إيوو جعلتنا نفهم أن الثروة لا تقاس فقط بما تملكه من النفط أو الغاز أو المعادن أو الأراضي الزراعية بل بما تستطيع أن تصنعه من الفرص وما تقدر على تنظيمه من إنتاج وما تبنيه من شبكات تجارة وما تفتحه من أسواق و الدرس الذي أخذناه من إيوو أن من لا يملك كل شيء يمكنه أن يصنع الكثير إذا امتلك الفكرة والتنظيم والإرادة والقدرة على ربط المنتج بالسوق وربط السوق بالعالم.
وفي ليانغتشو عدنا آلاف السنين إلى الوراء لنرى كيف استطاعت حضارة قديمة أن تبني نظاما متقدما لإدارة المياه والزراعة والمدينة و القنوات والبوابات والمنشآت المائية لم تكن مجرد آثار تاريخية بل كانت دليلا على أن التنمية تبدأ أحيانا من أبسط الأشياء: الماء والغذاء والتنظيم والقدرة على إدارة الموارد.

أما شيآن فقد جمعت أمامنا التاريخ والحاضر في مكان واحد حيث جيش التيراكوتا أعادنا إلى تاريخ الصين القديم وطريق الحرير ذكّرنا بأن الصين لم تكن معزولة عن العالم بل كانت جزءا من حركة التجارة والتبادل بين الحضارات وفي المقابل رأينا الصين الحديثة في مصانع السيارات الكهربائية وفي البطاريات والروبوتات والتكنولوجيا والبحث والتطوير.
الروبوتات كانت بالنسبة لي من أكثر المشاهد التي تستحق التفكير و لم يكن السؤال فقط ماذا تستطيع الآلة أن تفعل بل ماذا يمكن للتكنولوجيا أن تفعل للإنسان و ان استخدامها في الأعمال الخطرة وفي الفحص والإنقاذ والزراعة والتعليم والبحث يفتح سؤالا أكبر عن مستقبل العمل وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تقلل المخاطر وتزيد الإنتاج وتحرر الإنسان من بعض الأعمال الشاقة والخطرة.

والسيارات الكهربائية كانت قصة أخرى عندما ترى التكنولوجيا من داخل المصنع وليس في إعلان تجاري تدرك أن المسألة ليست سيارة فقط بل منظومة كاملة من البحث والتطوير والبطاريات والبرمجيات وسلاسل الإنتاج والأسواق وهنا كان الدرس واضحا: من يريد أن يكون جزءا من المستقبل لا يكفي أن يكون مستهلكا للتكنولوجيا بل عليه أن يستثمر في المعرفة والبحث والتطوير والصناعة.
والقطار السريع قدم لنا درسا آخر عندما تختصر المسافة والوقت فإنك لا تختصر رحلة فقط بل تفتح فرصا جديدة أمام الإنسان والتجارة والسياحة والعمل والتعليم و البنية التحتية في هذه الحالة لا تكون مجرد طرق وجسور وقطارات بل تصبح جسورا اقتصادية واجتماعية تربط المدن والناس والفرص.
وفي هانغتشو رأينا كيف يمكن للتاريخ أن يعيش إلى جانب التكنولوجيا ، مدينة تحمل إرثا ثقافيا عميقا وفي الوقت نفسه تقف في قلب الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة وكان الدرس أن الحداثة لا تعني بالضرورة قطع العلاقة مع الماضي بل يمكن للمجتمع أن يحافظ على ذاكرته وهو يبني مستقبله.
ومن أكثر ما أثار اهتمامنا أيضا طريقة تقديم الصين لتجربتها في التعامل مع مجتمع يضم 56 قومية و رأينا كيف تقدم الدولة تجربتها في إدارة التنوع القومي وكيف تتحدث عن المساواة بين القوميات والحفاظ على خصوصياتها وإشراكها في مسيرة التنمية كما شاهدنا مظاهر الحياة الدينية ووجود المساجد والكنائس وممارسة الشعائر الدينية بكل حرية وبالنسبة لنا كان من المهم أن نرى هذه الأمور بأنفسنا وأن نتعامل معها من خلال المشاهدة والحوار وليس فقط من خلال ما يكتب عنها من الخارج.

وخلال الرحلة لمسنا كذلك حضورا واضحا لفكرة الانضباط المؤسسي ومكافحة الفساد وتعزيز الرقابة على أداء المؤسسات التي تبناها الرئيس تشي جين بينغ وهي قضية تدرك أي دولة أهميتها لأن التنمية لا تقوم فقط على الأموال والمشاريع بل تحتاج إلى مؤسسات وقواعد ومسؤولية ومحاسبة.
لكن الصين بالنسبة لنا لم تكن فقط قصة تنمية داخلية كان لها أيضا حضور تاريخي في دعم حركات التحرر الوطني ومساندة قضايا الاستقلال ومناهضة الاستعمار في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ومن الأمثلة التي توقفنا عندها دعم الصين للثورة الجزائرية ومساندة الشعب الفيتنامي وحركات التحرر في عدد من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ودعمها للثورة الكوبية و التي سمعناها من افواه قادة الاحزاب الذين شاركوا في الزيارة وفي القضية الفلسطينية كانت العلاقة مع حركة التحرر الوطني الفلسطيني مبكرة حيث افتتحت منظمة التحرير الفلسطينية مكتبها في بكين عام 1965 وكانت الصين من أوائل الدول التي دعمت حركة التحرر الوطني الفلسطيني واعترفت بدولة فلسطين عام 1988 وهذه صفحات تاريخية مهمة بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين لأنها تعني أن العلاقة لم تبدأ اليوم ولم تكن مجرد علاقة سياسية عابرة.

ومن هنا نفهم أيضا لماذا كان مفهوم بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية حاضرا في كثير من النقاشات التي خضناها و قد تختلف الدول في أنظمتها وتجاربها ومصالحها لكن العالم الذي نعيش فيه أصبح مترابطا إلى درجة تجعل التعاون ضرورة وليس ترفا وهذا المفهوم كما لمسنا خلال رحلتنا ليس مجرد شعار يطرح في الخطاب السياسي الصيني بل فكرة يؤكد عليها الحزب الشيوعي الصيني ويعمل على ترسيخها لدى كوادره باعتبارها رؤية تقوم على الحوار والتعاون والمنفعة المتبادلة واحترام الاختلاف بدلا من فرض نموذج واحد على الآخرين.
وما رأيناه خلال هذه الرحلة وجدناه أيضا منسجما مع صفحات من تاريخ جمهورية الصين الشعبية التي قدمت نفسها كدولة لم تبن قوتها على استعمار دول أخرى أو إخضاع شعوبها بل ارتبط تاريخها بمواقف داعمة لشعوب خاضت معارك التحرر والاستقلال ومواجهة الاستعمار ومن الثورة الجزائرية إلى فيتنام وكوبا وحركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وصولا إلى دعم الشعب الفلسطيني بقيت فكرة التضامن مع الشعوب التي تناضل من أجل استقلالها وحقوقها حاضرة في محطات مختلفة من السياسة الصينية كانت و لا زالت مستمرة .
وبالنسبة لي كفلسطيني كان لهذا المعنى أهمية خاصة نحن شعب يبحث عن الحرية والعدالة والسلام وحق تقرير المصير وبناء دولته المستقلة ولذلك فإن فهم تجارب الدول التي مرت بمراحل تاريخية صعبة وبنت نفسها عبر العمل والتنمية والتعاون يساعدنا على التفكير بصورة أوسع في مستقبل شعوبنا ودولنا.

لقد عدنا من الصين بفائدة أكبر بكثير من مجرد زيارة بلد جديد عدنا بفهم أعمق للتاريخ والسياسة والاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والتنمية وإدارة الموارد والتجارة والعلاقات الدولية و تعلمنا من قرية صغيرة ومن مدينة تجارية ومن موقع أثري ومن مصنع للسيارات الكهربائية ومن مركز إعلامي ومن قطار سريع ومن مزارع حديثة ومن لقاءات مع الصينيين أنفسهم وكل محطة كانت تضيف سؤالا جديدا وتقدم إجابة جديدة.
والأهم من ذلك أننا اكتشفنا أن أفضل طريقة لفهم الشعوب ليست أن نسمع عنها فقط بل أن نجلس معها ونرى كيف تفكر وكيف تعمل وكيف تنظر إلى تاريخها ومستقبلها و عندما يلتقي ثلاثون حزبا من ثلاثين دولة في مساحة واحدة يصبح الاختلاف نفسه فرصة للتعلم وفي هذا المعنى كانت الندوة أكثر من برنامج تدريبي أو رحلة سياسية وإعلامية كانت مساحة للتعارف والحوار وبناء الصداقة.

جئنا إلى الصين ضيوفا بعضنا لا يعرف الاخر و لكننا غادرناها أصدقاء و خرجنا من الصين ونحن نحمل معنا صورا كثيرة وذكريات أكثر وأسئلة جديدة وأفكارا تستحق أن ننقلها إلى مجتمعاتنا ولم تعد الصين بالنسبة لي مجرد دولة بعيدة نقرأ عنها أو قوة اقتصادية نسمع عنها في الأخبار بل أصبحت تجربة رأيتها بعيني وتحدثت مع أهلها ومؤسساتها وناقشت أبناءها وشاهدت بعضا من تفاصيل مسيرتها.

وفي النهاية عدنا إلى الصورة الأولى التي بدأت منها الرحلة: سور الصين العظيم ذلك السور الذي بناه الصينيون قبل آلاف السنين ليحمي وطنهم ويواجه الأخطار القادمة من الخارج وبعد آلاف السنين تبدو الصين وكأنها تبني نوعا آخر من الأسوار أقل ارتفاعا وأكثر تأثيرا و تصنع السلام و ترسخ الاستقرار : جسور التواصل بين الشعوب وجسور التعاون بين الدول وجسور التجارة والمعرفة والتكنولوجيا والثقافة هكذا انتقلت الصين من السور الذي يحمي إلى الجسر الذي يربط العالم وهذه هي الصورة التي بقيت معي من الصين: أمة تعرف كيف تحمي تاريخها وتحترم جذورها لكنها في الوقت نفسه تنظر إلى المستقبل بثقة وتفتح أبوابها للتواصل والتعاون والمنفعة المتبادلة فالمستقبل لا ينتظر أحدا ومن يريد أن يصنع المستقبل عليه أن يبدأ ببنائه اليوم

وهذه الرحلة علمتنا أن من يريد أن يفهم الصين عليه أن يذهب إليها ويرى ويسأل ويستمع ويفكر لا أن يكتفي بما تنقله عنه الشاشات والروايات الجاهزة القادمة من أمريكا والغرب الذي يقود حملات تشويه ضد الصين و أنا اقول بصدق لقد رأيت الصين بعيني لا بعين الآخرين ولهذا أستطيع أن أقول بثقة: الصين تجربة تُرى بالعين ولا تُروى من الآخرين.