المعارضة الإسرائيلية... إسقاط نتنياهو أم إعادة إنتاجه؟

18/09/2026

 كتبت اسماعيل الريماوي: المشهد السياسي الإسرائيلي الراهن، تبدو المعركة وكأنها تدور بين نتنياهو ومعارضيه، بين اليمين الذي يقوده وبين قوى سياسية تسعى إلى إسقاطه وإعادة ترتيب البيت الإسرائيلي من الداخل، لكن التدقيق في تاريخ هذه القوى ومواقفها يكشف مفارقة أكثر عمقاً: كثير من قادة المعارضة لا يمثلون قطيعة حقيقية مع المنظومة السياسية والأيديولوجية التي أنتجت بنيامين نتنياهو، وإنما يمثلون في كثير من الأحيان نسخة أكثر هدوءاً وأقل صخباً منها.

فمن يائير لبيد وبيني غانتس ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، وصولاً إلى غادي آيزنكوت، نجد أنفسنا أمام شخصيات لم تكن خارج النظام الذي قاد إسرائيل نحو مزيد من الاحتلال والاستيطان والتوسع العسكري، بل كانت جزءاً من هذا النظام، وشغلت مواقع مؤثرة في حكوماته ومؤسساته الأمنية والسياسية، ولذلك فإن تقديم هذه الشخصيات اليوم باعتبارها بديلاً جذرياً عن نتنياهو يحتاج إلى كثير من المراجعة، لأن الاختلاف في الأسلوب لا يعني بالضرورة اختلافاً في الجوهر.
لقد أثبت التاريخ السياسي الإسرائيلي أن الخصومة مع نتنياهو لم تمنع قادة من العمل معه عندما اقتضت مصالح النظام ذلك، إيهود باراك انضم إلى حكومته عام 2009 وتولى وزارة الدفاع، ويائير لبيد أصبح وزيراً للمالية في حكومة نتنياهو عام 2013، فيما دخل غانتس وآيزنكوت لاحقاً في أطر سياسية وحكومات طوارئ مع نتنياهو تحت عناوين الأمن والوحدة الوطنية، هذه الوقائع ليست مجرد تفاصيل من الماضي، وإنما تكشف حدود المعارضة الإسرائيلية عندما يتعلق الأمر بالقضايا الأساسية التي تتصل بالأمن والاحتلال والقوة العسكرية والسياسة تجاه الفلسطينيين.
والأكثر دلالة أن دخول بعض قادة المعارضة إلى حكومة نتنياهو خلال الحرب على غزة لم يكن مجرد مشاركة شكلية، بل جعلهم جزءاً من عملية اتخاذ القرار وإدارة الحرب ، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كان الخلاف مع نتنياهو لا يمنع المشاركة في حكومته عندما تكون الحرب في أوجها، فأين تقع الحدود الفاصلة بين المعارضة والائتلاف عندما يتعلق الأمر بجوهر السياسة الإسرائيلية؟
المشكلة الحقيقية ليست في نتنياهو وحده، مهما كان حجم مسؤوليته السياسية، وإنما في منظومة أوسع جعلت من الاحتلال والاستيطان والقوة العسكرية مكونات راسخة في التفكير السياسي الإسرائيلي، نتنياهو لم يخترع هذه المنظومة من العدم، لكنه دفعها إلى مستويات أكثر تطرفاً، ونجح في تحويل كثير من أفكار اليمين إلى حقائق سياسية يصعب على خصومه التراجع عنها، ولذلك فإن إسقاط نتنياهو من دون إسقاط المنطق الذي أنتجه قد يؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج سياساته بوجه جديد ولغة مختلفة.
وهنا تكمن المعضلة: كيف يمكن مواجهة نتنياهو بنسخة مخففة منه؟ وكيف يمكن تقديم شخصيات شاركت في إدارة الاحتلال والحروب باعتبارها مشروعاً للتحول السياسي الجذري؟ قد يختلف المعارضون مع نتنياهو في طريقة إدارة الحرب، أو في مستوى التصعيد، أو في أسلوب مخاطبة المجتمع الدولي، أو في الحسابات المتعلقة بالمصلحة الإسرائيلية، لكن ذلك لا يعني أنهم تجاوزوا الإطار الفكري الذي ينظر إلى الفلسطينيين وقضيتهم من زاوية أمنية وعسكرية قبل أي شيء آخر.
إن المعارضة التي تكتفي بالمطالبة بإدارة أكثر عقلانية للمنظومة نفسها لا تقدم تغييراً حقيقياً، وإنما تقدم إدارة مختلفة للأزمة، وقد يكون هذا التغيير مهماً للإسرائيليين على مستوى السياسة الداخلية، لكنه لا يعني بالضرورة تغييراً في واقع الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال والاستيطان والحصار والحروب المتكررة.
الأخطر من ذلك أن الاعتماد على ما يسمى «الاعتدال» داخل النظام الإسرائيلي قد يتحول إلى وسيلة لمنح المنظومة نفسها شرعية جديدة أمام العالم، فالحكومة التي يقودها نتنياهو تواجه انتقادات دولية واسعة بسبب سياساتها، لكن استبداله بشخصية أقل صداماً وأكثر قدرة على استخدام اللغة الدبلوماسية قد يسمح لإسرائيل بإعادة تسويق السياسة ذاتها بوجه أكثر قبولاً، من دون أن يتغير جوهرها على الأرض.
ولهذا فإن المعركة السياسية داخل إسرائيل ليست بالضرورة معركة بين مشروعين متناقضين، بل قد تكون في كثير من الأحيان صراعاً بين تيارات داخل المشروع نفسه على من يدير الدولة، وكيف تُدار القوة، وكيف تُقدم سياساتها للعالم، وليس على السؤال الأهم: هل يجب إنهاء الاحتلال والاستيطان والتمييز ضد الفلسطينيين أم استمرارها؟
لقد أصبح نتنياهو، في جانب من جوانب المشهد، أكثر من مجرد رئيس حكومة؛ أصبح عنواناً لمرحلة كاملة من السياسة الإسرائيلية،  لكن الخطأ هو الاعتقاد بأن رحيله يعني تلقائياً نهاية هذه المرحلة، فقد يرحل نتنياهو، وقد تتغير الحكومة، وقد تأتي المعارضة إلى السلطة، لكن إذا بقيت الأسس التي قام عليها النظام السياسي والأمني الإسرائيلي على حالها، فإن البديل لن يكون سوى نسخة أخرى من المنظومة نفسها.
إن إسرائيل لا تحتاج فقط إلى تغيير رئيس الحكومة، بل إلى مواجهة السؤال الذي تهرب منه منذ عقود: ماذا يعني أن يستمر احتلال شعب آخر إلى أجل غير مسمى؟ وماذا يعني أن يتحول الاستيطان إلى سياسة دائمة، وأن تصبح الحرب وسيلة لإدارة القضية الفلسطينية بدلاً من حلها؟ ومن دون مواجهة هذه الأسئلة، ستظل الانتخابات الإسرائيلية تدور حول الأشخاص والتحالفات، بينما يبقى الفلسطينيون وحدهم يدفعون ثمن استمرار المنظومة.
ولهذا فإن الرهان على سقوط نتنياهو وحده قد يكون وهماً سياسياً، فالرجل قد يغادر، لكن النظام الذي صنعه يمكن أن يبقى، والسياسات التي رسخها يمكن أن تستمر، وربما يأتي من بعده من هو أكثر قدرة على تنفيذها من دون أن يثير الضجيج نفسه، وعندها لن تكون المشكلة أن نتنياهو عاد، بل أن نتنياهو لم يكن سوى مرحلة في مسار أطول، وأن المنظومة التي أنجبته قادرة على إنتاج من هو أكثر تطرفاً منه.
فالمطلوب ليس استبدال وجه بوجه، ولا نقل مفاتيح السلطة من نتنياهو إلى خصومه، وإنما تغيير القواعد التي سمحت بإنتاج هذه السياسة من أساسها، أما الاكتفاء بتغيير الحاكم مع إبقاء الاحتلال والاستيطان ومنطق القوة، فلن يكون سوى إعادة تدوير للأزمة، وتأجيل لانفجار جديد، وفتح الطريق أمام جيل آخر من السياسيين قد يكون أكثر تطرفاً وأشد ظلامية من كل من سبقهم.