
وطن للانباء: بين الحديث عن تعيين أعضاء جدد في المجلس الوطني الفلسطيني في الداخل والخارج، والاستعدادات المعلنة لإجراء انتخابات للمجلس، تتجدد الأسئلة حول الآليات القانونية لتشكيل واحدة من أهم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ومصدر الشرعية التي تستند إليها عضوية المجلس واللجنة التنفيذية المنبثقة عنه.
فالنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي أُقر بعد تأسيس المنظمة عام 1964، يشكل إحدى الوثائق الناظمة لعمل مؤسساتها، وينص في مادته الخامسة على انتخاب أعضاء المجلس الوطني عن طريق الاقتراع المباشر من الشعب الفلسطيني. كما يحدد النظام الأساسي مدة المجلس بثلاث سنوات.
لكن الانتخابات العامة للمجلس الوطني لم تتحول إلى ممارسة دورية شاملة، لتبقى قضية تجديد عضوية المجلس وتمثيله موضع نقاش سياسي وقانوني متواصل.
- الانتخاب هو الأصل.. فماذا عن التعيين؟
أستاذ القانون العام في جامعة الخليل ومؤسس تجمع الكل الفلسطيني، د. بسام القواسمة، يرى أن النصوص الناظمة لمنظمة التحرير تجعل من الانتخاب أساساً لاختيار أعضاء المجلس الوطني، معتبراً أن اللجوء إلى التعيين يتعارض مع مبدأ الاحتكام إلى إرادة الشعب الفلسطيني.
ويستند القواسمة إلى المادة الرابعة من النظام الأساسي التي تنص على أن الفلسطينيين جميعاً أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير، وأن الشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى للمنظمة.
وبحسب رؤيته، فإن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم لا ينبغي أن يُستبدل بآليات تحد من مشاركتهم في تحديد تركيبة المؤسسة التي يفترض أن تمثلهم.
- 62 عاماً.. ومجلس يفترض أن تتجدد عضويته
ويشير القواسمة في حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، إلى أن المادة الثامنة من النظام الأساسي تحدد مدة المجلس الوطني بثلاث سنوات، متسائلاً عن استمرار المجلس لعقود من دون انتخابات عامة شاملة لتجديد تركيبته.
وبحسب هذا المنظور، فإن استمرار المجلس بهذه الصورة يطرح سؤالاً حول مدى تجديد شرعيته التمثيلية، خصوصاً في ظل التغيرات الكبيرة التي طرأت على الواقع الفلسطيني وتوزع الشعب الفلسطيني بين الوطن والشتات.
في المقابل، ينص النظام الأساسي على أنه إذا تعذر إجراء الانتخابات، يستمر المجلس الوطني قائماً إلى أن تتهيأ ظروف إجرائها، كما ينظم مسألة ملء المقاعد الشاغرة. ويمنح النظام المعدل المجلس الوطني كذلك صلاحية ضم أعضاء جدد وفق متطلبات الوحدة الوطنية وظروف العمل الوطني.
وهنا تبرز المسألة القانونية الأساسية: ما حدود هذه الصلاحيات؟ ومتى يكون التعيين أو الضم إجراءً استثنائياً، ومتى يتحول إلى بديل عن الانتخاب؟
- من ينتخب اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير؟
ولا تقف أهمية المجلس الوطني عند عضويته، إذ ترتبط به مباشرة آلية تشكيل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.
فالنظام الأساسي المعدل ينص في المادة الثالثة عشرة على أن *جميع أعضاء اللجنة التنفيذية يتم انتخابهم من قبل المجلس الوطني*، وأن رئيس اللجنة ينتخب من قبل اللجنة، فيما تنتخب اللجنة التنفيذية من داخل المجلس الوطني.
وبالتالي، فإن النقاش حول طريقة تشكيل المجلس الوطني ينسحب بالضرورة على المؤسسة التنفيذية التي تنبثق عنه، وعلى طبيعة التفويض الذي تستند إليه.
- من يمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات؟
ويرى القواسمة أن القضية لا تتعلق بمجرد تغيير أسماء أو إضافة أعضاء إلى مؤسسة قائمة، وإنما بحق ملايين الفلسطينيين في المشاركة في اختيار ممثليهم.
ويطرح في هذا السياق تساؤلاً حول كيفية ضمان تمثيل الفلسطينيين في الداخل والشتات، في ظل غياب انتخابات شاملة للمجلس الوطني على مدى عقود.
وفي حزيران/يونيو 2026، صودق على نظام انتخابي جديد للمجلس الوطني ينص على انتخاب 350 عضواً منهم 200 يمثلون الأراضي الفلسطينية و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات، عبر انتخابات عامة وحرة ومباشرة وبالاقتراع السري وفق التمثيل النسبي الكامل، كما يتضمن النظام آليات أخرى في مناطق الشتات التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات، بينها المجمع الانتخابي أو التوافق أو التعيين وفق أحكام النظام.
وهذا التطور يفتح نقاشاً جديداً حول كيفية الجمع بين المبدأ الانتخابي ومتطلبات الواقع في المناطق التي يتعذر فيها إجراء الاقتراع المباشر.
- مخاطر التعيين.. وفق رؤية قانونية
ويحذر القواسمة من أن التوسع في تعيين أعضاء المجلس الوطني، من وجهة نظره، قد يضعف العلاقة بين العضو والقاعدة الشعبية التي يفترض أن يمثلها.
ويصف التعيين الواسع، بحسب تعبيره، بأنه «التفاف على إرادة الشعب الفلسطيني»، ويرى أن استمرار اعتماد هذه الآليات يمكن أن يكرس واقعاً تصبح فيه العضوية مرتبطة بالتوافقات السياسية والفصائلية أكثر من ارتباطها بالاختيار الشعبي.
ويذهب القواسمة أبعد من ذلك، إذ ينتقد ما يصفه بـ«المحاصصة والحصص» بين بعض القوى والفصائل، معتبراً أن ذلك يضعف مفهوم الشراكة الوطنية القائمة على التمثيل الشعبي.
- من يتحمل مسؤولية استمرار الوضع؟
ويحمّل القواسمة الفصائل الفلسطينية جانباً من المسؤولية عن استمرار عدم تطبيق النصوص المتعلقة بالانتخاب، ويرى أن الخلاف لا ينبغي أن يبقى محصوراً في أسماء الأعضاء أو عدد المقاعد، بل يجب أن يتجه إلى أصل القضية، وهو حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم بصورة ديمقراطية.
وفي توصيفه للمفارقة، يقول إن الاحتلال «يغتصب الأرض، بينما تغتصب السلطات الفلسطينية إرادة الإنسان»، منتقداً استمرار ما يعتبره تجاوزاً للنصوص الدستورية والقانونية الناظمة للحالة الفلسطينية.
وهذه، وفق رؤيته، تطرح سؤالاً أوسع حول مبدأ سيادة القانون: إذا كان القانون هو أساس الحكم، فكيف يمكن ضمان احترام النصوص التي تنظم عمل مؤسسات منظمة التحرير؟
- بين الشرعية الانتخابية وتعقيدات الواقع
في المقابل، فإن النظام الأساسي نفسه لا يتجاهل الظروف الاستثنائية؛ فهو ينص على استمرار المجلس في حال تعذر إجراء الانتخابات، كما يتيح ملء المقاعد الشاغرة، بينما أقر النظام الانتخابي الجديد آليات بديلة في مناطق الشتات التي يتعذر فيها إجراء الاقتراع.
لذلك، فإن جوهر النقاش القانوني لا يبدو في وجود آليات استثنائية بحد ذاتها، وإنما في حدود استخدامها، ومدى ارتباطها بتعذر الانتخابات فعلاً، وما إذا كانت هذه الآليات مؤقتة أم تتحول إلى وسيلة دائمة لتشكيل المجلس.
- السؤال الأكبر.. من يملك حق اختيار ممثلي الشعب؟
وبين النصوص القانونية والواقع السياسي، تبقى قضية المجلس الوطني مرتبطة بسؤال جوهري: هل تكون عضوية المجلس الوطني نتاجاً لصوت الفلسطينيين واختيارهم، أم نتاجاً لتوافقات وتعيينات تفرضها ظروف الواقع السياسي؟
فإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير لا تتعلق فقط بعدد المقاعد أو أسماء الأعضاء، وإنما بمصدر التفويض الذي يمنح هذه المؤسسات قدرتها على تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
وفي ظل النظام الانتخابي الجديد الذي يحدد موعد انتخابات المجلس الوطني في الأول من تشرين الثاني نوفمبر 2026، تعود مسألة تجديد الشرعية التمثيلية إلى واجهة النقاش، ومعها السؤال حول كيفية الانتقال من آليات التعيين والضم، إلى تمثيل شعبي أوسع وأكثر انتظاماً.