خبراء: النفايات الصلبة قضية سياسية بيئية بين قيود الاحتلال وواقع اقتصادي صعب

17/09/2026

وطن للأنباء: تعتبر إدارة النفايات الصلبة من أبرز المشاكل البيئية التي تعاني منها الضفة الغربية، بسبب الظروف المعقدة، والتي تجمع بين النمو السكاني المتصاعد والعجز المالي والتشغيلي المتراكم، والتداعيات الناتجة عن قيود الاحتلال.

وباتت هذه المشكلة  تفرض تحديات على الهيئات المحلية والجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني البيئية الفلسطينية في ظل تزايد كميات النفايات الصلبة، وانتشار المكبات العشوائية، والحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة واستدامة وتحقق عائدا اقتصاديا .

المناظرة البيئية التي نظمها مركز العمل التنموي معًا وبتنفيذ من شبكة وطن الإعلامية وبدعم من مؤسسة "هاينريش بل" الألمانية، وخصصت لمناقشة واقع النفايات الصلبة في الضفة الغربية، والبحث عن الحلول الممكنة لإدارتها والتخلص منها بطرق صحية وبيئية، وكيفية الاستثمار فيها باعتبارها احد الموارد الهامة التي تحقق عائدا اقتصاديا.

وشارك في المناظرة الأستاذ بهجت جبارين مدير عام حماية البيئة في سلطة جودة البيئة، والدكتور عصام الخطيب الخبير البيئي والباحث الأكاديمي في جامعة بيرزيت، والأستاذة فدوى خضر مدير عام جمعية عباد الشمس لحماية الإنسان والبيئة، والأستاذ وليد أبو الحلاوة مدير عام المجالس المشتركة في وزارة الحكم المحلي، وبحضور عدد من المهتمين بقضايا النفايات الصلبة وإدارتها، وتقديم الدكتور عقل أبو قرع الخبير البيئي وممثل مركز العمل التنموي من خلال كلمة ترحيبية تعريفية بالمشروع وأهدافه.

أبو قرع: كل مواطن ينتج نحو 1.2 كغم من النفايات الصلبة يوميًّا

وركز الخبير البيئي د.عقل ابو قرع  في كلمة تقديمية باسم مركز العمل التنموي/معًا، على أهمية التعامل مع النفايات الصلبة من خلال تقليلها من المصدر أي الحد من انتاجها، وإعادة تدويرها، وعدم التخلص منها بشكل عشوائي، قائلًا إنّ موضوع النفايات الصلبة يمس عصب كلّ مواطن فلسطيني، حيث إن كل مواطن ينتج نحو 1.2 كغم من النفايات الصلبة يوميًّا.

وطرح ابو قرع ثلاثة محاور للتعامل مع معضلة النفايات الصلبة، وهي تقليل النفايات من مصادر إنتاجها، وتوعية المواطنين بترشيد الاستهلاك والفصل وإعادة الاستخدام، إضافة إلى كيفية التخلص من النفايات بشكل صحي وبيئي غير عشوائي، والاستفادة منها اقتصاديًّا في إنتاج الطاقة او من خلال إعادة تدويرها.

جبارين: سياسات الاحتلال تسببت بزيادة عدد المكبات العشوائية بأكثر من 100% في الضفة الغربية

وأكّد بهجت جبارين مدير عام حماية البيئة في سلطة جودة البيئة أنّ حواجز الاحتلال التي تفصل قرى وبلدات الضفة عن بعضها البعض تعيق وصول طواقم البلديات إلى المكبات الصحية لنقل النفايات الصلبة، ما أدى إلى زيادة عدد المكبات العشوائية بأكثر من 100%، محذّرًا من أنّ معظم النفايات - خاصة الخطيرة - في المكبّات العشوائية هي نفايات إسرائيلية مهربة إلى أراضي الضفة، وذلك حسب تقارير لسلطة جودة البيئة.

وقال جبارين إنّ سلطة جودة البيئة وبالتعاون مع وزارتي الحكم المحلي والصحة والمجالس المحلية المشتركة تمكّنت من القضاء على معظم المكبات العشوائية ما بعد عام 2010، ولكنّ نحو 53 مكبًّا عشوائيًّا بقيت قائمة في مناطق وسط الضفة نتيجة لمنع الاحتلال ترخيص مكب رمون.

الخطيب: أكثر من 85% من النفايات الصلبة في الضفة قابلة لإعادة التدوير

وشدد عصام الخطيب الخبير البيئي والباحث الأكاديمي في جامعة بيرزيت على ضرورة توعية الأسر الفلسطينية لتقليل النفايات الصلبة من مصادر إنتاجها، وكيفية إعادة تدويرها واستخدامها، مبيّنًا أن أكثر من 85% من النفايات الصلبة في الضفة قابلة لإعادة التدوير. واضاف انه ما زال لدينا فرصة لاعادة تدوير النفايات الصلبة حيث أنه على مستوى الوطن اكثر من 85% من النفايات الصلبة قابلة لاعادة التدوير، ولكن نسبة ما يعاد تدويره حتى اليوم تقدر ب 4.5 %، وهذا يوجب السعي الى مشاريع حقيقية يقوم بها القطاع الخاص وعلى الجهات الحكومية المساعدة بنجاح عملية اعادة التدوير من خلال اقرار تشريعات وتسهيل سياسات ومنح التراخيص اللازمة ومحفزات تشجع القطاع الخاص للاستثمار في هذا المجال ليصل الى نسبة 85% من تدوير ما يجمع من نفايات صلبة. 

خضر: المكبات العشوائية تخنق بلدة الرام المحاصرة بحاجزين عسكريين

من جانبها قالت فدوى خضر مديرة جمعية عباد الشمس لحماية الإنسان والبيئة إن الاحتلال استغل بلدة الرام المحاصرة بحاجزين عسكريين (جبع وقلنديا) لعمل مكبات عشوائية، وهرّب إليها نفاياته الخطيرة التي تتسبّب بكوارث بيئية للمواطنين، مضيفة أن تدمير الاحتلال لمكبس الرام في شهر آذار 2024 وما لحقه من عرقلة وصول طواقم البلدية لمكب المنية تسبب بزيادة المكبات العشوائية حول البلدة.

ودعت خضر وزارة الحكم المحلي إلى استحداث نظام بلديّ لإتمام عمليّات فرز النفايات الصلبة، وبالتالي الاستفادة من خامات الاقتصاد الدائري الأخضر الذي يمكن أن يتحول إلى منتج وطني يستخدم في مجال الطاقة وغير الطاقة.

أبو الحلاوة: وزارة الحكم المحلي أقامت 3 مكبات صحية في الضفة الغربية و2 في قطاع غزة، وعجزت عن إقامة مكب في منطقة وسط الضفة نتيجة لسياسة الاحتلال

بدوره قال وليد أبو الحلاوة مدير عام المجالس المشتركة في وزارة الحكم المحلي إن الحكومة الفلسطينية ومن خلال وزارة الحكم المحلي عملت على إعداد الاستراتيجية الوطنية للنفايات الصلبة، والتي تتمثل في إقامة ثلاثة مكبات صحية في الضفة الغربية واثنين في قطاع غزة، ةأضاف ان المشكلة الاساسية تكمن في عدم سماح الاحتلال بإنشاء مكب للنفايات في مناطق وسط الضفة، وما نتج عنه من انتشار للمكبات العشوائية في هذه المناطق.

وتسائل ابو الحلاوة لماذا لا يوجد مكبات عشوائية في مناطق بيت لحم والخليل وطولكرم وقلقيلية، في المناطق التي بذلت فيها الحكومية خلال السنوات الماضية وبتمويل من الشركاء الدوليين لاغلاق هذه المكبات بشكل كامل.

وقال ابو الحلاوة انه لا يعقل ان تتحمل بلديات الوسط في رام الله والبيرة وبيتونيا التكلفة العالية لترحيل النفايات الى مكب زهرة الفنجان وتحديدا في ظل الوضع المالي الصعب لهذه البلديات. 

وأشار أبو الحلاوة إلى العديد من التدخلات التي نفذتها وزارة الحكم المحلي في قضية إنتاج السماد العضوي، والطاقة، قائلًا إنّ الحكومة الفلسطينية هي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي استطاعت أن تخطو خطوة باتجاه قضية إنتاج الطاقة من النفايات وذلك من خلال عطاء دولي تم طرحه في منطقة زهرة الفنجان من أجل تقليل النفايات والاستفادة منها بشكل أمثل ولكن الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة آلت دون تنفيذه.

ونوه ابو الحلاوة الى ان احد المشاكل الرئيسية التي تواجه عملية تدوير النفايات هي تسويق ما يتم انتاجه من عملية التدوير.

أبو عون: الشركات المنتجة والمصنعة تحمل مسؤولية التخلص من نفايات منتجاتها من خلال دفع تكاليف ترحيلها وطمرها

من جانبه حمّل حسين أبو عون مدير مجلس الخدمات المشترك في محافظة رام الله والبيرة الشركات المصنعة والمستوردة  مسؤولية إدارة مخلفات منتجاتها، مبيّنًا أنّ تحميل المواطن مسؤولية فرز النفايات وإعادة تدويرها يزيد من أعبائه في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشها.

وبدوره قال الخطيب إنّ كل ما يتم استيراده من الخارج لا بد من دراسة كمية النفايات التي يمكن أن تنتج عنه، محمِّلًا من ينتج النفايات مسؤولية دفع تكاليفها، للتخفيف من عبء إدارتها.

وأضاف الخطيب إنّ القطاع الخاص وضعه الاقتصادي قد يكون أفضل نسبياً من الموظف الحكومي أو عامة الشعب، وبالتالي لا بد من دراسة كمية النفايات الناتجة عن كل ما يتم استيراده من الخارج، وإنّ من ينتج النفايات لا بد أن يدفع تكاليفها، وبالتالي على القطاع الخاص أن يساهم في التخفيف من عبء إدارة النفايات.

أبو الحلاوة: ارتفاع فاتورة المحروقات المستخدمة في جمع وترحيل النفايات التي تتكبدها وزارة الحكم المحلي إلى 40%

بدوره أبو الحلاوة قال إن هناك معضلة تكمن في تكلفة جمع النفايات وترحيلها وطمرها، مشيرًا إلى ارتفاع فاتورة المحروقات المستخدمة في جمع وترحيل النفايات إلى 40%، ولذلك يترتب على المواطن الذي يولد النفايات دفع بدل جمعها وترحيلها وطمرها حسب إجراءات نظام منع المكاره الذي طرحته الوزارة.

وفي السياق قالت خضر إن المواطن يتحمل جزءًا من المسؤولية، والقطاع الخاص الجزء الآخر من خلال التزامها بدفع رسوم النفايات للبلدية التي تقف عاجزة أمام تحمل تكاليفها في ظل ضعف تدفق الأموال.

جبارين: النفايات الإلكترونية والكهربائية تعتبر من أكبر كميات النفايات المصنفة خطرة في فلسطين

قال جبارين إن سلطة جودة البيئة تقوم بإعداد سياسة وطنية لقضية المسؤولية الممتدة عن النفايات الإلكترونية والكهربائية التي تعتبر من أكبر كميات النفايات المصنفة خطرة في فلسطين.

الخطيب: النفايات العضوية التي تخرج من المنازل تتراوح ما بين 46% إلى 50% من النفايات المنزلية

قال الخطيب إن هناك محطات عدة لعمل (الكمبوس) أو السماد الطبيعي توقفت عن العمل، وأخرى لا تزال تعمل من فترة طويلة ويديرها القطاع الخاص، مشيرًا إلى أنّ النفايات العضوية التي تخرج من المنازل تتراوح ما بين 46% إلى 50% من النفايات المنزلية.

توصيات عديدة بانتظار أن ينظر إليها للحد من أزمة النفايات الصلبة في الضفة الغربية

وفي ختام المناظرة أوصى المهندس عبد الحي عرفة المدير التنفيذي لمجلس الخدمات المشترك في محافظة الخليل وزارتي المالية والتخطيط والاقتصاد الوطني بتشجيع الاستثمار في مجال البيئة، من خلال تخفيف الضرائب.

وبدوره أوصى مهند عثمان رئيس مجلس قروي دير ابزيع وزارة الحكم المحلي ومجلس الخدمات المحلية وسلطة جودة البيئة بالتدخل العاجل في قضية تحكم الاحتلال بإغلاق مكب دير ابزيع بسبب الاستيطان في المناطق المحيطة بالقرية، ما أدى الى ارتفاع تكلفة جمع النفايات وترحيلها التي تقع على عاتق المجلس القروي وطالب بالضغط من أجل فتح المكب.

من جانبه أوصى بهجت جبارين بأن تتحول النفايات من مشكلة إلى مورد، من خلال إعادة تدوير النفايات الصلبة والاستفادة منها.

ومن جهته أوصى عصام الخطيب بإدارة النفايات الطبية من خلال إنشاء حفرة صماء في إحدى القرى النائية وإلقاء النفايات الطبية الصلبة فيها.

ومن جانبها أوصت فدوى خضر بإعطاء دور للقطاع الخاص في إعادة تدوير النفايات الطبية، من خلال نظام الاقتصاد الدائري الأخضر، إلى جانب التخفيف من كميات النفايات المنتجة من بلدة الرام.

وبدوره أوصى وليد أبو الحلاوة جميع مؤسسات المجتمع المدني والأكاديمي وكذلك المؤسسات الحكومية بضرورة تحمل المسؤولية تجاه إدارة النفايات الصلبة، وأن يبقى ملف النفايات الصلبة مطروحًا على طاولة النقاش بشكل دائم.

وتشكل النفايات الصلبة قضية حيوية يتوجب التباحث فيها بشكل أكبر، وهي في الحقيقة قضية سياسية أكثر منها بيئية، نتيجة للسياسات الإسرائيلية التي تضيق الخناق على المواطنين، وتبسط يدها على مساحات كثيرة من الأراضي الفلسطينية، وتعيق وصول الطواقم المحلية لأداء عملها بشكل أفضل في مختلف قرى وبلدات الضفة الغربية.