
وطن للانباء: لم تكن أشجار الزيتون بالنسبة للمواطن فايز عرموطي مجرد أشجار تنتظر موسم القطاف، ولم تكن قطعة الأرض الممتدة جنوب شرقي عابا الشرقية مجرد سبعين دونما تحسب بالأرقام والخرائط. هناك، في التراب، شيء من جده، وعرق والده وعمه، وذكريات عائلة بدأت حكايتها مع الأرض منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي.
ففي صباح السادس عشر من أيلول كان مختلفا حيث وصلت الجرافات، وبدأت بشق الأرض واقتلاع أشجار الزيتون، بينما كان فايز يشاهد فصلا جديدا من حكاية أرض؛ يقول إن عائلته أمضت عقودا في زراعتها وحمايتها وإعادة الحياة إليها. لم يكن المشهد بالنسبة إليه تجريفا للأرض فحسب؛ كان اقتلاعا لسنوات طويلة من التعب والانتظار.
ويضيف أن الأرض الواقعة في الحوض رقم 20090، قطعة رقم 6 من أراضي جنين، تبلغ مساحتها الإجمالية نحو سبعين دونما، وتعود لعائلته، وقد ورثوا حكايتها عن والده الراحل نجيب العزموطي وعمه محمد.
تبدأ الحكاية، وفق رواية فايز، قبل أكثر من ستة عقود زرع جده الأرض، ثم أكمل والده وعمه الاعتناء بها منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي. وتعاقبت المواسم؛ زيتون يزرع، وشجر يكبر، وأبناء يتعلمون أن هذه الأرض ليست ملكية مسجلة على الورق فحسب، بل جزء من تاريخ العائلة.
لكن الأرض تعرضت، بحسب العزموطي، للتجريف خلال إنشاء مستوطنة "جنيم" في ثمانينيات القرن الماضي. ومع إخلاء المستوطنة عام 2005، عاد فايز وإخوته إلى الأرض. عادوا إليها لا ليقفوا على أطلال ما مضى، بل ليبدأوا من جديد. أعادوا إعمارها وزرعوا أشجار الزيتون، وانتظروا السنوات حتى تكبر الأغراس وتصبح أشجارا.
ويقول فايز إنه قام بمراجعة دائرة الأراضي وأملاك الدولة في جنين لاستكمال إجراءات تسجيل الأرض، مستندا إلى وثائق وإيصالات دفع تعود إلى فترة الحكم الأردني، وإنه واصل فلاحتها وزراعتها طوال السنوات الماضية.
وبالنسبة إليه، كان كل موسم يمر بمثابة تأكيد جديد على العلاقة التي لم تنقطع بين العائلة وأرضها.
بعد سنوات من إعادة الزراعة، وجد فايز نفسه أمام المشهد ذاته تقريبا: جرافات وأشجار زيتون تقتلع من جذورها لكن الوجع هذه المرة، كما توحي حكايته، مضاعف ، فالشجرة التي اقتلعت لم تنمو في ليلة واحدة. احتاجت إلى سنوات من السقاية والتقليم والحراثة والانتظار. ومع كل شجرة تسقط، تسقط معها ساعات طويلة قضاها أصحاب الأرض بين أغصانها.
وحين تكون الشجرة قد زرعت فوق أرض أعاد أصحابها إعمارها بعد تجريف سابق، يصبح السؤال أكثر قسوة: كم مرة على الإنسان أن يبدأ من الصفر؟
حكاية فايز، بالنسبة إليه، لا تنفصل عن واقع عابا الشرقية نفسها يصف بلدته بأنها أصبحت "بين فكي كماشة"، في ظل ما يحيط بها من مواقع استيطانية وعسكرية وشارع التفافي، وما رافق ذلك، بحسب روايته، من أضرار طالت أراضي السكان ومصادر رزقهم.
وهكذا، لا يعود الخوف في القرية متعلقا بالأرض وحدها. هناك مزارع يخشى على شجرته، وصاحب منشأة يخشى أن يفقد مصدر رزقه، وأسرة تنظر إلى منزلها وتتساءل إن كان سيبقى قائما. وسط كل التفاصيل القانونية والسياسية، تبقى جملة فايز الأبسط والأكثر اختصارا للحكاية: هذه الأرض زرعها جدي وأبي وعمي، جملة تختصر ثلاثة أجيال.
فالأرض في القرى الفلسطينية ليست دائما رقما في سجل عقاري. قد تكون شجرة زرعها الجد ولم يعش حتى يرى أحفاده يقطفون ثمارها، أو حجرا وضعه الأب على حافة قطعة الأرض، أو موسما تجتمع فيه العائلة تحت الزيتون. ولهذا، فإن اقتلاع الشجرة بالنسبة إلى أصحابها لا يقاس بثمنها الزراعي فقط.
فالمال قد يشتري غرسة زيتون جديدة، لكنه لا يستطيع شراء عشرات السنوات التي تحتاج إليها الشجرة حتى تصبح جزءا من ذاكرة المكان.
فايز لا يريد أن تنتهي الحكاية عند صورة أشجار مقتلعة أو منشور عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. يقول إنه بدأ التحرك لمتابعة القضية، وإنه يعتزم تقديم استمارة إلى وزارة الزراعة وتوثيق ما حدث، كما يطالب الجهات الفلسطينية المختصة، وفي مقدمتها سلطة الأراضي ووزارة الزراعة والمؤسسات الحقوقية، بمتابعة القضية.
ويوجه في الوقت ذاته عتبا إلى وسائل الإعلام التي يرى أنها لم تمنح ما يجري في عابا الشرقية الاهتمام الكافي. بالنسبة إليه، إيصال الصوت جزء من معركة الحفاظ على الأرض. فما يخشاه الرجل ليس خسارة الأشجار وحدها، بل أن يتحول التجريف مع مرور الوقت إلى خبر عادي، وأن تصبح خسارة المزارع لأرضه مجرد رقم يضاف إلى أرقام كثيرة.
فبعد أن تغادر الجرافات، يبقى التراب مقلوبا، وتبقى آثار عجلاتها واضحة لبعض الوقت. لكن ما لا يظهر في الصور هو ما يحدث داخل أصحاب الأرض.
إذا كان الجد قد زرع الأرض، والأب حماها، والابن أعاد إعمارها وزراعتها بعد تجريفها... فكم مرة يجب على العائلة أن تثبت أن لها حكاية في هذا المكان؟