يونس العموري يكتب لوطن: (نازا)... حين يفضح القاتل القتل

17/09/2026

هذه المرة لم يأت الشاهد من خارج البيت. لم يأت من غزة ولا من رام الله ولا من بيروت ولا من عاصمة اوروبية بعيدة ولم يكن فلسطينيا يحمل في ذاكرته حكاية القصف والموت والركام. هذه المرة جاء الشاهد من داخل البيت نفسه وباللسان العبري نفسه ومن المؤسسة العسكرية نفسها ومن بين الذين عرفوا كيف تعمل الآلة وكيف تتحول المعلومات الى اهداف وكيف تتحول الاهداف الى بيوت وكيف يتحول البيت الى رقم والرقم الى موت. هذه المرة جاء الشاهد اسرائيليا عسكريا واستخباريا ولذلك ربما كانت الصدمة اكبر من الفيلم نفسه لان اسرائيل التي اعتادت ان ترد على الشهادة الفلسطينية باتهام صاحبها بالكذب وعلى الصحفي الاجنبي بمعاداة السامية وعلى الصور القادمة من غزة بانها دعاية فلسطينية تجد نفسها امام شيء مختلف تماما. امام اسرائيليين يتحدثون عن اسرائيل وامام رجال كانوا جزءا من المنظومة يتحدثون عن المنظومة وامام فيلم لا يحتاج الى مترجم كي يفهم القارئ ان الشهادة هذه المرة جاءت من اهل البيت.

(نازا) ليس مجرد فيلم عن غزة وليس مجرد فيلم عن الحرب وليس مجرد مجموعة مقابلات مع جنود اسرائيليين سابقين او عاملين في اجهزة الاستخبارات. الفيلم الذي اعده يوفال ابراهام وراشيل زور على مدى ثلاث سنوات يضع امام المشاهد شهادات 24 شخصا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الاسرائيلية تحدثوا عن طرق الاستهداف والمراقبة وعن انظمة تستخدم الذكاء الاصطناعي في تحديد الاهداف وعن بيوت كان يعرف من فيها وعن مدنيين يدخلون مسبقا في حسابات الضربة. وقد اخفيت هويات هؤلاء واصواتهم وصورهم حماية لهم من تبعات ما يقولون لكنهم يتحدثون من داخل المعرفة لا من خارجها. والفيلم الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية لم يأت بحكاية مجهولة تماما عن الحرب بل وضع ما كشفته التحقيقات السابقة في سياق اكثر قسوة حين جعل الذين يتحدثون عن الالة جزءا من الالة نفسها.

والعنوان نفسه ليس بريئا ولا عابرا. (نازا) هو تعبير عسكري اسرائيلي يستخدم للاشارة الى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة ما. هنا تكمن واحدة من اكثر مفارقات الفيلم قسوة. فالانسان الذي يموت في غزة لا يظهر دائما بوصفه انسانا له اسم وعائلة وبيت وام واطفال بل يمكن ان يتحول داخل اللغة العسكرية الى رقم متوقع للخسارة المدنية. والامر لا يتوقف عند الرقم فالذين تحدثوا في الفيلم يصفون منظومة تستخدم البيانات واشارات الهواتف والمعلومات الاستخبارية والادوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي للوصول الى الاهداف ثم تأتي الضربة. بمعنى اخر ان الموت لا يأتي دائما كحادث جانبي ظهر في نهاية العملية بل يظهر في رواية الشهود بوصفه جزءا من عملية حسابية تسبق العملية نفسها.

وهنا تصبح حكاية الذكاء الاصطناعي في الفيلم اكثر رعبا من الحكاية التقنية نفسها. ليست القضية ان جهازا الكترونيا قرر وحده ان يقتل وانتهى الامر. القضية ان التكنولوجيا دخلت الى قلب عملية القتل وساعدت في انتاج الاهداف وتسريعها وتوسيع نطاقها بينما يبقى القرار في النهاية قرارا بشريا. الشاشة لا تضغط على الزناد وحدها ولكن الانسان الذي يجلس امام الشاشة هو الذي يحول ما تنتجه المنظومة الى قرار. وهذه هي المفارقة التي يجب الا تضيع وسط الكلام عن الخوارزميات فالقتل لا يصبح اقل بشرية لان الطريق اليه مر عبر برنامج ولا يصبح اقل فظاعة لان اليد التي ضغطت على الزناد لم تكن ترى البيت الذي ستدمره الا على شاشة.

ما يكشفه (نازا) في هذه النقطة تحديدا يتجاوز غزة بوصفها ساحة حرب الى السؤال عن العقل الذي يدير الحرب. ماذا يحدث عندما يصبح وجود عائلة داخل بيت معلومة في جهاز استخباري لا سببا لالغاء الضربة. ماذا يحدث عندما يصبح عدد المدنيين المتوقع موتهم جزءا من الحساب قبل سقوط القنبلة. ماذا يحدث عندما تتحول حياة البشر الى بيانات والبيانات الى خرائط والخرائط الى قوائم اهداف ثم يأتي من يقول ان كل ذلك مجرد حرب وان كل ما حدث مجرد اخطاء جانبية. هنا لا يعود السؤال عن حادثة منفردة ولا عن جندي منفرد ولا عن ضربة منفردة. هنا يصبح السؤال عن منظومة كاملة صنعت لغتها الخاصة للموت ثم مارست الموت بلغتها الخاصة.

وهذا هو المكان الذي يصبح فيه (نازا) اكثر من فيلم. انه مرآة وضعت امام البيت الاسرائيلي وقالت له انظر الى نفسك. انظر الى ما تقوله شاشاتك عن البشر. انظر الى ما يقوله جنودك عن عملهم. انظر الى الكلمات التي صنعتها مؤسستك كي يصبح القتل قابلا للحساب والادارة والتبرير. انظر الى اولئك الذين كانوا جزءا من هذه المنظومة وهم يتحدثون عنها من الداخل. وربما لهذا كانت الضجة حول الفيلم اسرع من الحديث عن مضمونه. فبدلا من ان يكون السؤال ماذا قال هؤلاء الذين ظهروا في الفيلم تحول السؤال الى لماذا يتحدث هؤلاء ولماذا صنع الفيلم ولماذا حصل على الجائزة ولماذا يراه العالم ولماذا يتحدث الاسرائيليون عن اسرائيل.

وهنا تصبح عبارة شهد شاهد من اهلها اكثر من مجرد عبارة بل تصبح مفتاحا لفهم الصدمة. اسرائيل تستطيع ان تقول عن الفلسطيني انه منحاز وان الفلسطيني يتحدث من موقع العداء وان الصحفي الاجنبي لا يفهم تعقيدات الحرب وان المنظمات الدولية مسيسة وان الصور القادمة من غزة لا تكفي. لكنها تجد نفسها في مأزق مختلف عندما يجلس رجال من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية ويتحدثون عن المؤسسة نفسها. لا يمكن ببساطة ان يصبح الجميع فلسطينيين لمجرد انهم تحدثوا عن الفلسطينيين. ولا يمكن ان يصبح كل اسرائيلي يروي ما شاهده او شارك فيه عدو الدولة. ولا يمكن ان تكون المشكلة في ان الشاهد يتحدث بل في ان الشهادة نفسها اصبحت محرجة.

ولذلك كان المشهد الاسرائيلي بعد ظهور الفيلم شديد الدلالة. وزير الثقافة ميكي زوهار طالب بسحب الجنسية من المخرجين ووصف عملهما بالخيانة فيما صدرت ادانات من نتنياهو ومن قيادة الجيش الاسرائيلي ووصل الامر الى الحديث عن اجراءات قانونية ضد الفيلم ومخرجيه. وفي المقابل خرجت اصوات واسعة من الوسط الثقافي والاعلامي الاسرائيلي للدفاع عنهما ووقع اكثر من 1500 من صناع السينما الاسرائيليين على عريضة تضامن مع المخرجين. كل هذا حدث قبل ان يصل الفيلم الى الجمهور الاسرائيلي على نطاق واسع اصلا.

وهنا المفارقة التي تستحق ان تكتب لا ان تمر. الفيلم الذي يتحدث عن قتل المدنيين يصبح هو المتهم. المخرج الذي يصور الشهادات يصبح هو المشكلة. الاسرائيلي الذي يتحدث عن المؤسسة التي خدم فيها يتحول الى خائن. اما المؤسسة التي يتحدث عنها فيستدعي السؤال عنها ردودا سياسية واعلامية وقومية. كأن المطلوب ليس الاجابة عن السؤال بل قتل السؤال نفسه. ليس مهما ماذا حدث في غزة بل المهم من يجرؤ على الكلام عما حدث.

لقد انكشفت اسرائيل في غزة بصورة لم يعد ممكنا معها اعادة العالم الى ما قبل الصور والاشلاء والبيوت المهدمة والمستشفيات المدمرة والاف الشهادات القادمة من القطاع. لكن ما يجعل (نازا) مختلفا ان الانكشاف هذه المرة لا يأتي فقط من الضحية وانما من داخل الجهة التي صنعت المشهد. لم يعد الامر صورة فلسطيني امام دبابة او طفلا تحت الركام او اما تصرخ على ابنها المقتول. هذه المرة هناك رجل اسرائيلي يتحدث عن الشاشة التي كان يعمل عليها وهناك جندي يتحدث عن

الهدف وهناك استخباري يتحدث عن النظام وهناك شهادة تخرج من داخل البيت لتقول ان ما شاهده العالم من الخارج له ايضا رواية من الداخل.

وهنا ايضا لا ينبغي ان نحصر المسألة في حرب غزة وحدها وكأن اسرائيل اكتشفت القتل في السابع من اكتوبر 2023 ثم مارسته بعد ذلك. غزة لم تبدأ تاريخ العنف الاسرائيلي ولم تكن اول مكان يعرف معنى القصف والتهجير والحصار والقتل. الجديد ان حجم ما جرى في غزة وطبيعته وطول مدته جعل كثيرا مما كان يجري خلف الحواجز وخارج شاشات العالم اكثر وضوحا. ثم جاء (نازا) ليضع جزءا من هذه الصورة في فم اسرائيليين عرفوا الادوات واللغة والطرق. ولذلك فان قيمة الفيلم لا تكمن فقط في انه يقول ان مدنيين قتلوا في غزة فهذا يعرفه العالم. قيمته في انه يحاول ان يشرح كيف يمكن لمنظومة دولة ان تجعل قتل المدنيين قابلا للادارة عبر المصطلحات والارقام والانظمة والاهداف والخرائط ثم تستمر في الحديث عن الامر بلغة الضرورة الامنية.

ولعل اكثر ما يكشفه الفيلم هو ان القبح حين يصبح مؤسسيا لا يحتاج الى وحش منفرد. يكفي ان يعمل كل شخص في مكانه. واحد يجمع المعلومات وواحد يحدد الهدف وواحد يشغل النظام وواحد يراجع الرقم وواحد يعطي الموافقة وواحد يضغط الزر ثم يسأل الجميع عن المسؤولية فلا تجد الا سلسلة طويلة من الاصابع التي تشير الى بعضها. هنا يصبح السؤال عن المسؤولية اكبر من السؤال عن القاتل الفردي لان المأساة ان القتل نفسه يمكن ان يتحول الى عمل منظم موزع على مكاتب وشاشات وملفات واجهزة وانظمة.

لهذا فان محاولة تحويل (نازا) الى قضية خيانة او معاداة لاسرائيل لا تلغي ما جاء به الفيلم بل تزيد الضوء عليه. فكلما ارتفع الصوت ضد الفيلم ارتفع السؤال الذي يريد الفيلم ان يطرحه. لماذا يخاف البيت من الشاهد القادم من داخله. لماذا يصبح الحديث عن المدنيين الذين قتلوا خطرا على من يتحدث عنه. لماذا يصبح كشف الالة جريمة اكبر من مساءلة الالة نفسها. ولماذا تكون الجنسية قابلة للتهديد عندما يتحدث اسرائيلي عن ما تفعله دولته في غزة.

(نازا) لا يحتاج الى ان ينقذ الفلسطيني من الموت فقد مات الفلسطيني امام العالم. ولا يحتاج الى ان يخبر غزة بما حدث فيها فغزة تعرف جيدا ما حدث لها. الفيلم يخاطب مكانا اخر تماما. يخاطب اسرائيل نفسها ويقول لها ان الرواية لم تعد ملكا واحدا وان الشهادة لم تعد تأتي دائما من الجهة التي تستطيعين اسكاتها او اتهامها. هناك من عاش داخل الآلة وخرج منها بالكلام. وهناك من قرر ان يقول ما يعرفه. وهناك مخرجان اسرائيليان قررا ان يضعا هذه الشهادات امام العالم. ولذلك فان المعركة الحقيقية التي فتحها (نازا) ليست مع فيلم ولا مع مخرجين ولا مع مهرجان فينيسيا. انها مع السؤال الذي لا تريد منظومة القتل ان تسمعه وهو كيف اصبح قتل انسان في غزة رقما يمكن حسابه قبل ان يموت.

وهذه ربما هي اكثر مفارقات (نازا) قسوة. اسرائيل التي تريد دائما ان تتحدث عن نفسها بوصفها دولة تخوض حربا دفاعية وجدت نفسها امام فيلم يتحدث عن الطريقة التي يمكن ان يتحول بها الدفاع الى منظومة قتل وعن الطريقة التي يمكن بها للتكنولوجيا ان تجعل القتل اسرع وعن الطريقة التي يمكن بها للغة العسكرية ان تخفف وقع الكلمة حتى يصبح المدني رقما ويصبح الرقم (نازا) ويصبح الموت بندا في جدول. وفي النهاية يأتي الشاهد من داخل البيت ليقول ما لم تعد الصور وحدها قادرة على قوله. ليس الفلسطيني وحده من يرى القبح. هذه المرة هناك لسان عبري يراه ويتحدث عنه.