
لماذا يمكن لفيلم وثائقي مثل "نازا" أن يثير كل هذا الغضب في دولة تمتلك واحدة من أقوى المنظومات العسكرية والإعلامية في العالم؟ السؤال لا يتعلق بفيلم سينمائي فحسب، ولا بما يمكن أن يقدمه عمل فني من صور وشهادات عن الحرب على غزة، بل بما هو أعمق: ماذا يحدث عندما تنتقل الرواية من الضحية الفلسطينية إلى أشخاص كانوا جزءاً من المؤسسة التي صنعت الحرب؟
وفيلم "نازا" وثائقي استقصائي من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل شور، وهما من مخرجي الفيلم الحائز على أوسكار "لا أرض أخرى". تبلغ مدة "نازا" نحو 80 دقيقة، ويتناول المنظومات والآليات التي تقف وراء عمليات القصف الإسرائيلي في قطاع غزة، مستنداً إلى تحقيقات صحفية وشهادات من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية. وعُرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في المسابقة الرسمية للدورة الـ83 لمهرجان البندقية السينمائي، حيث حظي بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة، في واحدة من أبرز محطات المهرجان.
يكمن جانب مهم من قوة فيلم "نازا" في أنه لا يكتفي بعرض نتائج الحرب على غزة، من قتل ودمار ونزوح، وإنما يحاول الاقتراب من المكان الذي تُصنع فيه قرارات الاستهداف. وبدلاً من أن تأتي الشهادة من الضحية وحدها، يقدم الفيلم شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، ومن أشخاص عرفوا آليات العمل وشاركوا، بدرجات مختلفة، في المنظومة التي أدارت العمليات، وهو ما يجعل التعامل مع الرواية أكثر صعوبة بالنسبة لإسرائيل.
ما يجعل فيلم "نازا" حساساً بصورة خاصة هو أن الشهادة فيه لا تأتي من الطرف الذي اعتادت إسرائيل اتهامه بالتحيز، وإنما من داخل المؤسسة نفسها. فالجندي أو ضابط الاستخبارات الذي يتحدث عن آليات جمع المعلومات والاستهداف لا يقدم صورة إنسانية عن غزة فقط، بل يفتح نافذة على طريقة صناعة القرار العسكري، ويطرح سؤالاً بالغ الخطورة: كيف تحولت حياة المدنيين إلى بيانات ومعايير تدخل في عملية تحديد الأهداف؟
ويكشف فيلم "نازا" جانباً آخر من المشكلة من خلال اللغة العسكرية التي يمكن أن تحول المأساة الإنسانية إلى مصطلحات تقنية، وعلى رأسها تعبير "الأضرار الجانبية". فالعبارة تبدو محايدة على الورق، لكنها في الواقع قد تعني طفلاً لم يعد إلى مدرسته، أو أماً فقدت أبناءها، أو عائلة اختفت من السجل المدني، أو بيتاً تحول إلى ركام. وهنا يعيد فيلم "نازا" الإنسان إلى مركز الصورة، بعد أن حاولت لغة الحرب اختزاله في رقم داخل معادلة.
وتزداد أهمية فيلم "نازا" عندما يضع التكنولوجيا الحديثة في قلب النقاش. فالذكاء الاصطناعي وأنظمة تحليل البيانات يمكن أن تصبح أدوات شديدة التأثير في الحروب، لكن التكنولوجيا لا تملك وحدها تصوراً أخلاقياً عن قيمة الحياة الإنسانية. لذلك يطرح الفيلم سؤالاً يتجاوز غزة نفسها: من يضع المعايير التي تعمل وفقها هذه الأنظمة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول الخوارزمية إلى جزء من قرار يتعلق بحياة المدنيين؟
ومن منظور فلسطيني، تكمن حساسية فيلم "نازا" في أنه يغيّر طبيعة معركة الرواية. فإسرائيل تستطيع عادةً مواجهة الشهادة الفلسطينية بالإنكار أو التشكيك أو اتهام صاحبها بالتحيز، كما تستطيع الدخول في مواجهة مع المؤسسات الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية. لكن عندما تأتي الشهادة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، يصبح السؤال مختلفاً: ماذا يقول الإسرائيليون الذين كانوا داخل المنظومة؟
ولهذا لا يمكن النظر إلى فيلم "نازا" باعتباره عملاً سينمائياً منفصلاً عن معركة الذاكرة. فالحرب على غزة خلفت ملايين الصور والتسجيلات والشهادات التي وثقها الفلسطينيون والصحفيون والأطباء والعاملون في المجال الإنساني. لكن الفيلم يضيف طبقة أخرى إلى هذا التوثيق، هي رواية من داخل المؤسسة التي نفذت العمليات، وليس فقط رواية من المكان الذي سقطت عليه القنابل.
ولا يحتاج الفلسطيني إلى فيلم "نازا" كي يعرف ماذا حدث في غزة؛ فقد عاش الفلسطيني الحرب، ودفن ضحاياه، وحمل أسماءهم وصورهم، ووثق ما استطاع توثيقه. لكن قيمة الفيلم تكمن في قدرته على نقل الأسئلة إلى جمهور دولي لم يعش التجربة، ووضعه أمام قضية تتعلق ليس فقط بحجم الدمار، وإنما بكيفية اتخاذ القرارات التي أدت إليه.
ومن هنا يمكن فهم سبب القلق الإسرائيلي من فيلم "نازا"، إذا صحت المعطيات المتداولة حول ردود الفعل عليه. فالمسألة لا تتعلق فقط بما يعرضه الفيلم، وإنما بما يمكن أن تفتحه شهاداته من نقاش حول المسؤولية والمحاسبة. فالدولة تستطيع مهاجمة فيلم أو مخرجيه، لكنها لا تستطيع بسهولة إلغاء شهادة جاءت من داخل المؤسسة التي كانت جزءاً من الأحداث.
ويضع فيلم "نازا" بذلك صورة "الجيش الأكثر أخلاقية" أمام اختبار مختلف. فالفلسطينيون لطالما قالوا إن هذه الصورة تتناقض مع واقع الاحتلال والحرب، لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تبدأ أصوات من داخل إسرائيل نفسها في طرح الأسئلة حول سلوك المؤسسة العسكرية. عندها لا تعود القضية مجرد رواية فلسطينية في مواجهة رواية إسرائيلية، وإنما تصبح نقاشاً داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه حول ما جرى باسم الدولة.
ومن وجهة نظر فلسطينية، فإن قوة فيلم "نازا" الحقيقية لا تكمن في أنه اكتشف أن الفلسطينيين يُقتلون؛ فهذه حقيقة عاشها الفلسطينيون ووثقها العالم. قوته تكمن في أنه يفتح نافذة على الجهة الأخرى من المشهد: على الغرفة التي كانت فيها الشاشات والبيانات والأوامر والقرارات، وعلى الأشخاص الذين كانوا جزءاً من هذه المنظومة.
ولهذا ربما يكون السؤال الذي يطرحه فيلم "نازا" أكثر إزعاجاً من أي صورة للدمار: ماذا يعرف الذين كانوا داخل الغرفة التي اتُّخذت فيها قرارات الاستهداف؟ فالضحية تستطيع أن تقول: "لقد قتلتمونا"، وقد تواجه شهادتها بالإنكار والتشكيك. لكن عندما يقول شخص من داخل المؤسسة: "كنت هناك ورأيت كيف اتُّخذ القرار"، فإن طبيعة الرواية تتغير، ويصبح من الصعب اختزالها في مجرد صراع سياسي أو إعلامي.
لهذا قد يخيف "نازا" دولة إسرائيل: ليس لأنه يروي أن غزة تعرضت للقتل والدمار، فالعالم رأى ذلك، وإنما لأنه يحاول أن يفتح الباب أمام الحقيقة من الجهة التي خرجت منها القرارات. وعندما تبدأ الشهادة بالخروج من داخل المؤسسة، تصبح المعركة ليست فقط على ما حدث، بل على من سيكتب ذاكرة ما حدث.