جمعية المرأة العاملة: المباني الآيلة للسقوط في غزة "موت مؤجل" وصمت دولي غير مقبول

16/09/2026

 رام الله - وطن للأنباء: حذرت جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية من استمرار تهديد حياة آلاف الفلسطينيين والفلسطينيات في قطاع غزة جراء المباني المتصدعة والآيلة للسقوط، والركام الملوث، والذخائر غير المنفجرة، وغياب السكن الآمن، مؤكدة أن انهيار المباني فوق سكانها لا يمكن فصله عن حجم الدمار الذي أصاب القطاع، ولا عن السياسات التي دمرت المساكن، وقيّدت إدخال المعدات، وعرقلت توفير البدائل الآمنة وإعادة الإعمار.

وقالت الجمعية، في بيان بعنوان "المباني الآيلة للسقوط في قطاع غزة.. موت مؤجل وصمت دولي غير مقبول"، إن الآثار الكارثية للتدمير الواسع الذي خلفته حرب الإبادة على قطاع غزة تتكشف يوما بعد يوم، مشيرة إلى أنه حتى مع تراجع وتيرة القصف مقارنة ببداية الحرب، لا تزال حياة آلاف الفلسطينيين والفلسطينيات مهددة نتيجة المباني المتضررة والركام والذخائر غير المنفجرة وغياب السكن الآمن.

وأوضحت أن آلاف العائلات، وبعد التدمير الواسع للمباني السكنية والأعيان المدنية، لم تجد سوى خيارين ينطوي كلاهما على الخطر، إما الإقامة في خيام مهترئة لا توفر الحماية، أو العودة إلى مبان متضررة وغير صالحة للسكن.

وأكدت أن العودة إلى هذه المباني لم تكن خيارا طوعيا، وإنما جاءت نتيجة مباشرة لانعدام البدائل، واستمرار الحصار، وتقييد إدخال مواد البناء ومعدات الإنقاذ، وتعطيل جهود إعادة الإعمار، في ظل ظروف إنسانية ومناخية بالغة القسوة.

وأضافت الجمعية أن سكان هذه المباني يعيشون تحت تهديد دائم، إذ يمكن أن تنهار فوقهم في أي لحظة، خصوصا مع استمرار الغارات والاهتزازات الناجمة عنها، وغياب الفحوص الهندسية وأعمال التدعيم والإصلاح العاجل.

وفي هذا السياق، أشارت الجمعية إلى انهيار عمارة "السعادة" في منطقة شارع الصناعة غربي مدينة غزة فجر الأربعاء، 16 أيلول 2026، موضحة أنه، وفق المعلومات المتاحة حتى وقت إعداد البيان، أسفرت الحادثة عن استشهاد ما لا يقل عن 14 فلسطينيا وفلسطينية، غالبيتهم من النساء والأطفال، وإصابة آخرين، فيما أفاد الدفاع المدني بأن مصير نحو 100 شخص لا يزال مجهولا تحت الأنقاض.

وأكدت أن حصيلة الضحايا لا تزال أولية وقابلة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ.

وشددت الجمعية على أنه لا يجوز التعامل مع انهيار المباني باعتباره حادثا عرضيا أو منفصلا عن السياق الأوسع للحرب والحصار، مؤكدة أن حجم الدمار الذي أصاب قطاع غزة، والسياسات التي دمرت المساكن وقيّدت إدخال المعدات وعرقلت توفير البدائل الآمنة وإعادة الإعمار، كلها عوامل لا يمكن فصلها عن الكارثة.

ورأت أن استمرار الحصار، ومنع أو تقييد إدخال آليات الإنقاذ والمعدات الهندسية ومواد البناء، يفاقم الكارثة ويحول المباني المتضررة إلى خطر يومي على حياة المواطنين والمواطنات.

ولفتت إلى أن طواقم الدفاع المدني والإنقاذ في قطاع غزة تعمل بإمكانات محدودة، ومن دون الآليات الثقيلة اللازمة، موضحة أنه في كثير من المواقع يضطر أفرادها إلى إزالة الركام بأدوات يدوية لا تتناسب مع حجم الدمار، ما يقلل فرص الوصول إلى العالقين والعالقات وإنقاذهم في الوقت المناسب.

وبحسب تقرير قطاع الإيواء الصادر في آذار 2026، أشارت الجمعية إلى أن عمليات التقييم شملت 17,432 مبنى تضم أكثر من 91 ألف وحدة سكنية، صُنفت عشرات الآلاف منها مدمرة كليا أو متضررة جزئيا.

وقالت إن هذه الأرقام توضح حجم الخطر والحاجة الملحة إلى فحص المباني، وتدعيم ما يمكن إصلاحه، وإخلاء المباني شديدة الخطورة بعد توفير مساكن بديلة وآمنة لسكانها.

فجوة بين الخطاب الدولي وحماية المدنيين

وأكدت الجمعية أن الكارثة تكشف مجددا الفجوة بين الخطاب الدولي بشأن حماية المدنيين والمدنيات، والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون والفلسطينيات، مشيرة إلى أنه في الوقت الذي تنهار فيه المباني فوق العائلات وينتشل الضحايا من تحت الركام، يواصل المجتمع الدولي إصدار البيانات من دون اتخاذ إجراءات فعلية توقف الانتهاكات وتحمي السكان.

وقالت إن عدم وجود آليات ملزمة لتنفيذ الاتفاقات والتفاهمات المعلنة يعني عمليا أن المدنيين والمدنيات سيواصلون دفع الثمن من حياتهم وأمنهم، بينما تبقى حمايتهم التزاما مؤجلا على طاولة السياسة الدولية، معتبرة أن هذا التقاعس يضع الدول والمؤسسات القادرة على التدخل أمام مسؤولياتها السياسية والقانونية والأخلاقية.

وذكرت الجمعية أنه في 19 تموز 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري بشأن عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يترتب على ذلك من التزامات على إسرائيل والدول والأمم المتحدة.

وأكدت أنه لا يجوز أن يبقى هذا الرأي وثيقة قانونية بلا أثر، داعية إلى الانتقال من الإدانة إلى المساءلة، ومن التوصيات إلى إجراءات عملية وملزمة.

كما حمّلت الجمعية ما يسمى "مجلس السلام"، الذي يقدم نفسه إطارا لتحقيق السلام وإعادة إعمار قطاع غزة، مسؤولية مباشرة، مؤكدة أنه لا يمكن الحديث عن السلام بينما يموت المواطنون والمواطنات تحت الأنقاض، ولا يمكن لأي ترتيبات سياسية أن تكتسب المصداقية ما لم تضمن حماية السكان، ووقف الانتهاكات، وإدخال معدات الإنقاذ، وتوفير المأوى الملائم، والبدء الفعلي في إعادة الإعمار.

إعادة الإعمار حق وليست منحة سياسية

وأكدت جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية أن إعادة إعمار قطاع غزة ليست منحة إنسانية، ولا ورقة للمساومة أو وسيلة لفرض شروط سياسية على الشعب الفلسطيني، وإنما حق يرتبط بالحق في الحياة والسكن الملائم والصحة والكرامة وتقرير المصير، وبحق المتضررين والمتضررات في جبر الضرر والتعويض وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وشددت على ضرورة ألا تتحول إعادة الإعمار إلى وسيلة لفرض التهجير أو تغيير التركيبة السكانية أو مصادرة حقوق الفلسطينيين والفلسطينيات، داعية إلى أن تتم العملية بمشاركة السكان والمؤسسات الفلسطينية، وأن تعطي الأولوية للعائلات الأشد تضررا، وللنساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي وذوات الإعاقة، وأن تضمن بقاء السكان على أرضهم وحقهم في العودة إلى مناطقهم ومساكنهم.

وقالت إن إجبار العائلات على الاختيار بين خيمة لا توفر الحماية ومبنى مهدد بالانهيار يمثل انتهاكا واضحا للحق في الحياة والسكن الملائم والأمان، ويجعل التدخل الدولي العاجل واجبا قانونيا وأخلاقيا لا يحتمل التأجيل.

واستنادا إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والالتزامات الناشئة عن اتفاقيات جنيف، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 2024، طالبت الجمعية مجلس الأمن الدولي بتحمل مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الدوليين، والانتقال من الإدانة إلى الإنفاذ، بما في ذلك النظر في اتخاذ تدابير ملزمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لحماية المدنيين والمدنيات، ووقف الانتهاكات، وإزالة العوائق أمام وصول المساعدات ومعدات الإنقاذ والإعمار.

كما طالبت بالضغط على إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، لرفع القيود المفروضة على إدخال آليات الإنقاذ ورفع الأنقاض والمعدات الهندسية ومواد البناء، وإدخال المعدات الثقيلة اللازمة للبحث والإنقاذ وإزالة الأخطار فورا ومن دون قيود.

ودعت إلى توفير مأوى بديل وآمن وكريم للعائلات قبل إخلاء المباني الخطرة، وإنشاء قاعدة بيانات وخرائط محدثة للمباني المهددة بالانهيار، ونشر تحذيرات واضحة للسكان.

وطالبت بالسماح بدخول فرق دولية متخصصة في كشف الذخائر غير المنفجرة وإزالتها، وتوفير المعدات اللازمة لعملها، وتمويل أعمال الترميم العاجل والإصلاحات الطارئة، خصوصا قبل فصل الشتاء.

كما دعت إلى حماية طواقم الدفاع المدني والإنقاذ، وضمان وصولها الآمن ومن دون عوائق إلى مواقع الانهيار، وإطلاق عملية دولية عاجلة وشفافة لإعادة إعمار قطاع غزة، باعتبار الإعمار حقا وجزءا من جبر الضرر، وليس مساعدة مشروطة أو أداة للضغط السياسي.

وطالبت الجمعية كذلك بضمان مشاركة المؤسسات الفلسطينية والمجتمعات المحلية، ولا سيما النساء والفئات الأكثر تضررا، في تحديد أولويات الإعمار والإيواء والتعافي، ووضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات الدولية، مع آليات للرقابة والمساءلة عن أي تعطيل أو عرقلة.

وختمت جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بيانها بالتأكيد أن كارثة انهيار المباني في قطاع غزة لا تحتمل مزيدا من البيانات غير الملزمة أو الوعود المؤجلة، مشددة على أن كل يوم يمر من دون إدخال المعدات، وتوفير المأوى الآمن، والبدء في إعادة الإعمار، يضع مزيدا من العائلات أمام خطر الموت تحت أسقف كان يفترض أن تحميها.