يونس العموري يكتب لوطن: لما لا...

14/09/2026

لما لا نقولها مرة واحدة من دون خوف، ومن دون حسابات الاصطفاف، ومن دون ان ننظر خلفنا لنتأكد من هو الذي سيغضب؟ لما لا نسمي الاشياء بمسمياتها، ونقول اننا امام ازمة فلسطينية لم تعد ازمة فصيل بعينه، ولا ازمة سلطة وحدها، ولا ازمة معارضة وحدها، ولا ازمة انقسام فقط؟ نحن امام ازمة الكل، وفشل الكل، وعجز الكل عن انتاج لحظة سياسية جديدة تخرج من هذا الدوران الطويل حول الاسئلة نفسها، فيما الزمن يمضي، والوقائع تتغير، ونحن ما زلنا نتصرف وكأن المشكلة الوحيدة هي ان الطرف الاخر لم يفهمنا بعد.

لما لا نعترف بان المشروع الوطني نفسه يحتاج الى مراجعة شجاعة؟ لا اقصد تلك المراجعات التي تنتهي دائما الى بيان سياسي جديد، او الى لجنة جديدة، او الى مؤتمر يعيد انتاج الكلمات ذاتها بترتيب مختلف. اقصد المراجعة التي تضع يدها على الجرح وتقول .. هنا اخطأنا، وهنا فشلنا، وهنا تأخرنا، وهنا اصبحنا اسرى لخيارات لم تعد تنتج شيئا سوى المزيد من الانتظار. لما لا نتوقف عن التعامل مع الماضي باعتباره صندوقا مغلقا لا يجوز الاقتراب منه؟ الماضي ليس مقدسا لمجرد انه ماض. هناك افكار كانت عظيمة في لحظة تاريخية، ثم تحولت الى عبء عندما تغيرت اللحظة، وهناك تحالفات صنعتها الضرورة، ثم بقيت بعد ان انتهت الضرورة، وهناك اصطفافات نشأت في ظروف مختلفة تماما، ثم اصبحنا نتعامل معها كأنها جزء من الطبيعة، وكأن تغييرها خيانة لا مراجعة.

لما لا نعيد الاصطفافات من جديد؟ ليس لاننا نبحث عن تحالفات غريبة لمجرد الغرابة، ولا لان المطلوب ان يجلس الجميع الى الطاولة نفسها ويتبادلوا الابتسامات، بل لان الخريطة السياسية نفسها تغيرت، بينما الاصطفافات ما زالت عالقة في زمن مضى. هناك من تغير، وهناك من لم يتغير، وهناك من يصر على ان الاخر هو المشكلة كلها كي لا يضطر الى النظر في المرآة. ولما لا نعترف بان الانقسام الفلسطيني لم يعد مجرد خلاف سياسي بين مشروعين، بل تحول الى بنية كاملة لها مصالحها، ولها لغتها، ولها جمهورها، ولها قدرتها على اعادة انتاج نفسها؟ كم مرة سنقول ان الوحدة ضرورة، ثم نعود في اليوم التالي الى ممارسة كل ما يمنعها؟ وكم مرة سنعلن ان اللحظة تستدعي تجاوز الخلاف، ثم نكتشف ان الخلاف هو الشيء الوحيد الذي اتقننا ادارته؟

لما لا نعترف ايضا بان فشل السلطة لا يعفي المعارضة من مسؤوليتها، وان فشل المعارضة لا يمنح السلطة شهادة براءة؟ لما لا نخرج من هذه اللعبة السهلة التي تجعل كل طرف هو الضحية دائما والاخر هو الجاني دائما؟ ماذا لو كان الطرفان، بدرجات مختلفة، جزءا من المشكلة؟ ماذا لو كان الكل قد دفع نصيبه من الاخفاق، وان الوقت حان لكي نتوقف عن توزيع صكوك البراءة على انفسنا؟ ولما لا نقول للسلطة ان ضبط النفس ليس بديلا عن السياسة، وان سد الذرائع لا يمكن ان يصبح فلسفة دائمة للحياة السياسية؟ هناك لحظات يكون فيها ضبط النفس قوة، نعم، لكن هناك لحظات يتحول فيها الى عجز مقنع بلغة هادئة. وهناك فرق بين ان تختار توقيت المواجهة وبين ان تفقد القدرة على اختيارها. والعدو لا ينتظر حتى تنتهي من حساباتك الداخلية قبل ان يصنع وقائعه على الارض.

ولما لا نقول للمعارضة ايضا ان رفض السلطة ليس مشروعا سياسيا كاملا؟ المعارضة ليست ان تقول لا لكل شيء، وليست ان تنتظر سقوط الخصم كي تكتشف فجأة انها لا تعرف ماذا ستفعل بعد

سقوطه. المعارضة التي لا تقدم بديلا تظل جزءا من الازمة، حتى لو كانت اكثر صراخا من السلطة. والغضب ليس برنامجا، والشعارات ليست استراتيجية، وتسجيل النقاط على اخطاء الاخر لا يصنع بالضرورة طريقا للخروج.

لما لا نقول للفصائل كلها .. كفى اختباء خلف التاريخ؟ التاريخ مهم، لكنه لا يمنح احدا حصانة من السؤال. لا تكفي سنوات النضال وحدها، ولا الشهداء وحدهم، ولا السجون وحدها، ولا البيانات وحدها، ولا الشعارات التي حفظناها منذ عقود. كل ذلك يستحق الاحترام، لكنه لا يمنحنا حق الفشل الى ما لا نهاية. ولما لا نقول للنخب ايضا .. انتم لستم خارج الصورة؟ كم كاتبا ومثقفا وسياسيا واعلاميا اعتاد ان ينتقد الجميع من موقع آمن، ثم يكتشف ان دوره ينتهي عند كتابة النقد؟ النقد ليس ترفا، لكنه يصبح ترفا عندما لا ينتج مسؤولية. وربما نحن، الذين نكتب وننتقد، بحاجة الى قدر من الشجاعة كي نعترف باننا احيانا ساهمنا في حماية الاصطفافات التي نشكو منها، بالصمت، او بالمجاملة، او بالخوف من خسارة الاصدقاء.

لما لا نكسر هذا الخوف؟ الخوف من غضب الفصيل، والخوف من خسارة الصديق، والخوف من اتهامنا بالخيانة، والخوف من ان يقول هذا انحياز، وذاك تخوين، وثالث اننا نلعب في ملعب الاخر. لماذا نحتاج دائما الى موافقة الجميع كي نقول رأيا؟ ولماذا اصبح قول الحقيقة السياسية يحتاج الى تصريح مرور من هذا الفصيل او ذاك؟ لما لا تكون لدينا الجرأة على تسمية الاشياء؟ الاحتلال احتلال، والعجز عجز، والانقسام انقسام، والفشل فشل، والتواطؤ تواطؤ، والمزايدة مزايدة، والفساد فساد، والخطأ خطأ، مهما كان صاحبه قريبا منا او بعيدا عنا. الكلمات لا تصبح اقل حقيقة لان قائلها صديق، ولا تصبح اكثر حقيقة لان قائلها خصم.

ولما لا نسأل السؤال الذي يبدو اكثر ازعاجا .. هل ما زالت كل ادواتنا السياسية صالحة؟ لماذا نفترض ان ما نجح في مرحلة ما يجب ان ينجح الى الابد؟ ولماذا نعتبر مجرد التفكير في ادوات جديدة نوعا من العبث؟ الشعوب التي تريد البقاء لا تعيش على امجاد ادواتها القديمة، بل تعيد اختراع نفسها كلما تغيرت شروط الصراع. ولما لا نعيد تعريف المقاومة ايضا؟ لا اقصد ان نستبدل شعارا بشعار، ولا ان ندخل في معركة جديدة حول من يملك تعريفها. اقصد ان نسأل بصدق .. ما الذي يخدم مقاومتنا فعلا؟ ما الذي يزيد قدرتنا على الصمود؟ ما الذي يحمي مشروعنا؟ ما الذي يجعل الاحتلال يدفع كلفة سياسية وقانونية واخلاقية؟ وما الذي لا يفعل سوى استهلاكنا الداخلي؟

ولما لا نعيد تعريف السياسة؟ السياسة ليست ان ننتظر ان يتغير الاخر، والسياسة ليست ان نطلب من العالم ان ينقذنا، والسياسة ليست ان نعيش بين رد الفعل والبيان والتصريح. السياسة هي ان نمتلك القدرة على المبادرة، وعلى المفاجأة، وعلى تغيير قواعد اللعبة عندما تصبح القواعد القديمة سجنا. لما لا نجرب ان نفكر خارج القوالب التي وضعنا انفسنا داخلها؟ لما لا نعيد ترتيب البيت السياسي الفلسطيني على اساس الكفاءة والقدرة والمشروع، لا على اساس من سبق ومن لحق ومن يملك تاريخا اطول في الفصيل؟ لما لا نفتح المجال لوجوه وافكار وطاقات لم تجد طريقها الى مواقع القرار لانها لا تنتمي الى النادي القديم؟

ولما لا نقول ان الشرعية ليست شيكا مفتوحا؟ الشرعية تحتاج الى تجديد، والسياسة تحتاج الى تجديد، والقيادات تحتاج الى تجديد، والخطاب يحتاج الى تجديد. لا يمكن ان نطلب من جيل جديد ان يعيش في القرن الحادي والعشرين بعقلية سياسية تشكلت في القرن الماضي، ثم نغضب عندما لا يصدق خطابنا. لما لا نعترف بان العالم تغير، وان الاقليم تغير، وان اسرائيل تغيرت، وان ادوات

التأثير تغيرت، وان المجتمع الفلسطيني نفسه تغير؟ وحدنا تقريبا نصر على ان نبقى كما نحن، ثم نستغرب لماذا لا تتغير النتائج.

لما لا نخرج من فكرة ان البديل يجب ان يكون شخصا واحدا او فصيلا واحدا؟ ربما البديل الحقيقي ليس اسما، بل صيغة جديدة، ليس قائدا جديدا فقط، بل طريقة جديدة في ادارة الاختلاف، وصناعة القرار، وتوزيع المسؤولية، وربط السياسة بالمجتمع، والمقاومة بالمشروع الوطني، والسلطة بالمساءلة. لما لا نجرب ان نكون اقل خوفا من بعضنا؟ فما يهددنا ليس اختلافنا بحد ذاته، بل خوفنا من الاختلاف، وليس تعدد الاصوات، بل رغبتنا في اسكات بعضها، وليس وجود تيارات متعددة، بل اصرار كل تيار على ان الوطن لا يتسع الا له...

لما لا نقول في النهاية ان احدا منا لا يملك الحقيقة كاملة؟ ربما يكون هذا الاعتراف هو البداية الحقيقية. لما لا نعترف بفشل الكل، كي نفتح الطريق لنجاح جديد لا ينسبه احد الى نفسه وحده؟ لما لا نكف عن البحث عن مذنب واحد نعلق عليه كل شيء، ونبدأ بالبحث عن طريق جديد لا يحتاج الى كراهية الاخر كي يثبت نفسه؟

لما لا؟ ربما لاننا خائفون، وربما لاننا تعودنا، وربما لان القديم، حتى عندما يفشل، يمنح صاحبه راحة لا يمنحها الجديد. لكن ربما حان الوقت لكي نجرب شيئا مختلفا، ليس لان لدينا ضمانة بالنجاح، بل لان الاستمرار في الفشل، مع معرفة انه فشل، لم يعد شجاعة. لما لا؟