
لا تبدو معركة إسرائيل حول منطقة E1، الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، مجرد خلاف جديد حول الاستيطان. فالقرار الإسرائيلي بالمضي في مناقصة لبناء 1,234 وحدة سكنية يكشف صراعًا أعمق داخل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي حول مستقبل الضفة الغربية والقدس والدولة الفلسطينية و"اليوم التالي" لحرب غزة.
واللافت أن الخلاف لا يدور فقط بين إسرائيل والفلسطينيين أو المجتمع الدولي، بل داخل مؤسسات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية نفسها. فالبروفيسور إفرايم إنبار في معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) يرى البناء في E1 ضرورة استراتيجية للحفاظ على القدس موحدة وتأمين الاتصال الإسرائيلي بغور الأردن. أما معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، فيقر بأهمية المنطقة لإسرائيل، لكنه يحذر من أن تحويلها إلى واقع استيطاني دائم قد يحقق مكسبًا سياسيًا آنيًا على حساب المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
وهنا يكمن جوهر الخلاف: هل تستخدم إسرائيل E1 لتأمين شروط تسوية مستقبلية، أم لتغيير هذه الشروط بحيث تصبح الدولة الفلسطينية أقل قابلية للتحقق؟
إنبار: الأمن يبدأ من الأرض
ينظر إنبار إلى E1 من زاوية جيوستراتيجية. فالمنطقة تقع على المحور الذي يربط القدس بمعاليه أدوميم وغور الأردن، والسيطرة عليها ضرورية، في رأيه، للحفاظ على طريق عسكري آمن من الساحل إلى الحدود الشرقية.
ومعاليه أدوميم، في رؤيته، ليست مجرد مستوطنة، بل جزء من منظومة أمنية تشمل القدس وغور الأردن، ومن هنا دفاعه عن إقامة ممر استيطاني يهودي يربط القدس بها. لكنه لا يدعو إلى استيطان كل الضفة، بل إلى استيطان انتقائي في المناطق التي يعتبرها ذات أهمية أمنية وقومية، خصوصًا القدس ومحيطها ومعاليه أدوميم وغور الأردن، مع مواجهة البؤر غير القانونية وعنف المستوطنين. وهذا يميزه عن مشروع الضم الشامل الذي يتبناه اليمين الأكثر تطرفًا.
لكن إنبار يصل إلى نتيجة سياسية واضحة: إذا كانت إسرائيل تعتبر القدس الموحدة وغور الأردن من مصالحها الحيوية، فعليها تثبيت هذه المصالح على الأرض.
INSS: المكسب الآني قد يتحول إلى خسارة استراتيجية
لا ينكر INSS أهمية E1، لكنه يرفض اعتبارها مبررًا كافيًا للبناء. فالخطر لا يتعلق فقط بعدد الوحدات، وإنما بالانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
الحكومات الإسرائيلية السابقة دفعت بمخططات E1، لكنها توقفت عند المناقصات بسبب المعارضة الأميركية والأوروبية. أما الحكومة الحالية فتجاوزت هذه العتبة. وبما أن المشروع يحتاج إلى وقت قبل البناء الفعلي، تبدو قيمته السياسية المباشرة أكبر من قيمته العمرانية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، حيث تستطيع الحكومة القول إنها غيرت قواعد اللعبة، وتجعل التراجع مستقبلًا أكثر كلفة سياسية.
ومن هنا يقرأ INSS المشروع باعتباره جزءًا من سياسة أوسع لفرض الوقائع بدلًا من إدارة التفاوض.
بين إنبار وسموتريتش: تأمين المصالح أم دفن الدولة؟
يدعو بتسلئيل سموتريتش إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى "دفن" الدولة الفلسطينية. وهنا يختلف عن إنبار: الأخير يقدم E1 أداة لحماية مصالح إسرائيل الاستراتيجية، فيما يمنحها سموتريتش وظيفة سياسية مباشرة، هي منع قيام دولة فلسطينية.
فإذا كان الهدف حماية القدس وغور الأردن، يمكن تصور E1 جزءًا من ترتيبات حدودية مستقبلية. أما إذا كان الهدف دفن فكرة الدولة الفلسطينية، فإنها تصبح أداة لتغيير طبيعة الصراع وتقليص الشروط الجغرافية والسياسية اللازمة لقيام الدولة.
لكن السؤال الذي لا يجيب عنه مشروع اليمين هو: ماذا بعد منع قيام الدولة الفلسطينية؟ فحتى مع توسيع الاستيطان والسيطرة على المنطقة C، تبقى قضية ملايين الفلسطينيين قائمة. والخيارات تنحصر بعد ذلك في حكم ذاتي محدود، أو الضم، أو سيطرة أمنية طويلة الأمد، أو شكل من الإدارة المشتركة، أو طرد وتهجير، أو إبادة جماعية، ولذلك فإن منع حل معين ليس استراتيجية بحد ذاته.
السلطة الفلسطينية: ضعيفة لكنها ضرورية
قد يرغب اليمين في إضعاف السلطة الفلسطينية، لكنه لا يستطيع بسهولة تحمل انهيارها، فهي تدير السكان والخدمات المدنية، وتتحمل جزءًا من العبء الاقتصادي، وتساهم في منع الفوضى الأمنية.
لذلك قد يكون السيناريو الأنسب لبعض القوى الإسرائيلية هو إبقاء سلطة فلسطينية ضعيفة بلا أفق سيادي. لكن هذا النموذج يصطدم بالضغوط الأميركية والعربية والأوروبية التي ترى في سلطة فلسطينية مُصلحة عنصرًا محتملًا في ترتيبات "اليوم التالي" في غزة والضفة. وهكذا تصبح E1 جزءًا من الصراع على مستقبل السلطة نفسها.
غزة والضفة مساران مختلفان
تتضح المفارقة أكثر عند الربط بين غزة والضفة. ففي غزة يجري الحديث عن إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وقوة استقرار دولية، ودور عربي وإقليمي، مع إبعاد حماس عن إدارة القطاع. أما في الضفة، فإن بناء E1 وتوسيع المستوطنات يقللان من المجال الجغرافي والسياسي لقيام كيان فلسطيني قابل للحياة.
وهنا يبرز التناقض والاختلاف: هل تريد إسرائيل بناء نظام فلسطيني جديد في غزة، بينما تمنع في الضفة تشكل نظام فلسطيني قابل للحياة؟ إذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام هندسة مختلفة للضفة وغزة، هدفها إبقاء السيطرة الاستراتيجية الإسرائيلية في الحالتين.
ترامب: فرصة قد تتحول إلى قيد
عدم اعتراض إدارة دونالد ترامب بصورة مباشرة على E1 منح الحكومة الإسرائيلية هامشًا لم يتوفر للحكومات السابقة، لكنه لا يعني بالضرورة أن واشنطن تتبنى الضم أو إنهاء حل الدولتين.
والمخاطرة تكمن في تفسير الصمت الأميركي المؤقت كضوء أخضر استراتيجي دائم. فقد تتغير أولويات واشنطن إذا ارتبط الملف الفلسطيني بالتطبيع العربي وإعادة ترتيب الشرق الأوسط. لذلك تحتاج إسرائيل إلى تقدير تأثير E1 في المشروع الإقليمي الأوسع، لا الاكتفاء بالموقف الأميركي الراهن.
فلسطين والنظام الإقليمي
لا يمكن فصل E1 عن الدور العربي. فمصر والأردن معنيان مباشرة، بحكم الجغرافيا والأمن، بمستقبل الضفة وغزة، فيما تتعامل الإمارات مع القضية الفلسطينية ضمن هندسة أوسع للنظام الإقليمي وعلاقاتها مع واشنطن وإسرائيل.
بالنسبة لهذه الدول، المشكلة ليست E1 وحدها، بل احتمال تحول سياسة فرض الوقائع الإسرائيلية إلى عقبة أمام ترتيب إقليمي جديد.
وهنا تكمن المفارقة: تريد إسرائيل استخدام قوتها على الأرض لتعزيز موقعها الإقليمي، لكن سياساتها في الضفة قد تعيد القضية الفلسطينية إلى قلب النظام الإقليمي. وبذلك قد تصبح E1 جزءًا من صفقة إقليمية أوسع.
الخلاف على معنى الأمن الإسرائيلي
تكشف المقارنة بين إنبار وINSS انقسامًا جوهريًا داخل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. إنبار يقول عمليًا: ثبّت المصالح الحيوية على الأرض، حافظ على التفوق الجغرافي والأمني، ثم تفاوض من موقع قوة.
أما INSS فيحذر من أن تثبيت الوقائع قد يتحول إلى قيد على إسرائيل نفسها إذا جعل التسوية أكثر صعوبة. إنبار يخشى أن يؤدي ترك E1 خالية إلى خسارة استراتيجية، بينما يخشى INSS أن يؤدي بناؤها إلى خسارة سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.
لذلك لا يدور الخلاف حول من يؤيد الأمن الإسرائيلي ومن يعارضه؛ فكلاهما ينطلق منه. الخلاف هو في تعريف الأمن نفسه: هل يتحقق بالسيطرة على الأرض، أم يشمل أيضًا القدرة على المناورة السياسية، والحفاظ على التحالفات، وإبقاء خيارات المستقبل مفتوحة؟
"اللواء أحمد عيسى، باحث متخصص في الأمن القومي الفلسطيني والإسرائيلي"