خالد فحل يكتب لوطن: حين يصبح التهجير مشروعًا أوروبيًا

13/09/2026

لم يعد سموتريتش يخفي ما يريد. في تصريحه الأخير، حين قال إن القضية الفلسطينية يمكن أن «تنتهي بالكامل» لو أعلنت كل دولة أوروبية استعدادها لاستقبال عشرين أو ثلاثين ألفًا من سكان غزة، لم يكن يتحدث عن حلٍّ سياسي، ولا عن سلام، ولا عن مستقبل للفلسطينيين. كان يتحدث ببساطة عن فلسطين بوصفها عددًا من الرؤوس يمكن توزيعها على خرائط أوروبا، وكأن المشكلة ليست احتلالًا وحصارًا ودمارًا وتهجيرًا، بل مجرد فائض بشري يحتاج إلى عنوان بريدي جديد.

هذه هي الفكرة التي ينبغي التوقف عندها طويلًا: لماذا يفترض سموتريتش أن خروج الفلسطيني من غزة هو نهاية القضية، وليس بداية جريمة أخرى؟

لأن المسألة في جوهرها ليست كم فلسطينيًا يمكن لأوروبا أن تستقبل، وإنما كم فلسطينيًا تريد إسرائيل أن تُخرج من وطنه كي يصبح الاحتلال أقل كلفة وأكثر راحة. حين يُطرح استقبال عشرات الآلاف في أوروبا باعتباره «حلًا للقضية»، فإن المعنى السياسي واضح: أخرجوا الفلسطيني من فلسطين، ثم أعلنوا أن القضية انتهت.

وهنا تكمن خطورة العبارة.

فالفلسطيني الذي يغادر غزة تحت القصف والجوع والحصار ليس مهاجرًا يقرر تحسين ظروف حياته، ولا سائحًا يبحث عن فرصة جديدة. إنه إنسان يُدفع دفعًا إلى خارج المكان الذي عاش فيه، بعد أن دُمّرت مدنه وبيوته ومدارسه ومستشفياته، ثم يُطلب من العالم أن يسمي ذلك «استقبالًا».

ما أذكى اللغة حين تُستخدم لتجميل المأساة.

بالأمس كان الحديث عن «إخلاء مؤقت»، ثم عن «الهجرة الطوعية»، واليوم أصبح الحديث عن أن تستقبل أوروبا عشرات الآلاف من الفلسطينيين كي «تنتهي القضية». غدًا ربما يصبح المطلوب من العالم أن يصف اختفاء الفلسطيني من أرضه بأنه نجاح دبلوماسي.

لكن فلسطين ليست حقيبة سفر.

وليست غزة غرفة يمكن إخلاؤها ثم إغلاق بابها. وليست القضية الفلسطينية مجموعة أرقام يمكن تخفيضها حتى تختفي من جدول الأعمال. الفلسطيني لا يصبح أقل فلسطينية لأنه عبر البحر، ولا تتحول أرضه إلى أرض بلا أصحاب لأن حامل جواز السفر أصبح في عاصمة أوروبية.

والأخطر أن هذا الطرح يحاول نقل المسؤولية من الجلاد إلى الضحية. بدل أن يُسأل الاحتلال: لماذا هُدّمت غزة؟ ولماذا شُرّد أهلها؟ ولماذا حُرموا من الأمن والحياة؟ يصبح السؤال: أي دولة أوروبية تستطيع أن تستقبل ثلاثين ألفًا؟

هكذا تنقلب المعادلة: بدل أن يُوقف العالم التهجير، يبحث عن مقاعد إضافية له.

ولا تحتاج أوروبا إلى استقبال الفلسطيني كي «تنهي القضية». إذا كانت تريد فعلًا أن تساهم في إنهائها، فهناك طريق آخر أكثر وضوحًا وأقل كلفة أخلاقية: أن تساعد الفلسطيني على البقاء في أرضه، وأن تضغط من أجل وقف الحرب والاحتلال والاستيطان، وأن تدافع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير.

أما أن تتحول أوروبا إلى صندوق بريد لمشروع تهجير إسرائيلي، فذلك ليس حلًا للقضية الفلسطينية، بل مشاركة في صياغة نهايتها على الطريقة التي يريدها الاحتلال.

سموتريتش يريد أن يقنع العالم بأن فلسطين مشكلة سكان، بينما الحقيقة أنها مشكلة احتلال.

يريد أن يجعل عدد الفلسطينيين في غزة هو القضية، بينما القضية هي لماذا يُطلب من الفلسطيني أن يترك غزة أصلًا.

ويريد أن يجعل أوروبا شريكًا في عملية التفريغ، ثم يسمي ذلك «إنهاء القضية».

لكن هناك حقيقة واحدة لن يستطيع أي تصريح سياسي أن يمحوها:

القضية الفلسطينية لا تنتهي عندما يغادر الفلسطيني أرضه؛ القضية تبدأ من جديد كلما حاول أحد أن يجعل تهجيره هو الحل.

فلسطين ليست عددًا يُرحّل...
فلسطين وطنٌ، ومن يريد إنهاء قضيتها عليه أولًا أن ينهي الاحتلال، لا أن ينهي وجود أصحابها.