ترجمة وتعليق اللواء أحمد عيسى لوطن: هل مسار حماس الجديد يشبه القديم؟ ماذا يعني انتخاب خليل الحية؟

13/09/2026

نشر معهد مسغاف للأمن والاستراتيجية الصهيونية، يوم الإثنين الموافق 31/8/2026، ورقة بعنوان «هل مسار حماس الجديد يشبه القديم؟ ماذا يعني انتخاب خليل الحية؟» للبروفيسور المعروف كوبي ميخائيل.

يرى الكاتب في ورقته أن انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحماس جاء في تصويت داخلي متقارب جدًا، إذ هزم خالد مشعل بفارق صوت واحد فقط، 35 مقابل 34.
ويعتبر ميخائيل أن هذه النتيجة تحمل دلالة سياسية كبيرة؛ فهي تكشف أن حماس لم تحسم بعد سؤالًا أساسيًا حول مستقبلها: هل تبقى رأس حربة للمقاومة المسلحة، أم تتحول إلى حزب سياسي شرعي ينافس داخل النظام السياسي الفلسطيني؟
ويرى أن فوز الحية الضيق يعني أن التيار الأكثر تشددًا، المرتبط بغزة وبإيران وبالجناح العسكري، لا يزال يمسك بزمام الحركة، وإن كان بفارق صوت واحد.
الحية: عودة غزة إلى مركز القرار
بحسب الكاتب، فإن انتخاب الحية يعيد تثبيت غزة باعتبارها مركز الثقل الحاسم لحماس.
فالحية من مواليد حي الشجاعية، وينتمي إلى الجيل المؤسس للحركة، وعمل منذ بداياتها إلى جانب الشيخ أحمد ياسين. كما شارك في بناء أجهزتها الأمنية، واعتُقل في السجون الإسرائيلية، وأصبح أحد أبرز وجوه الحركة في غزة.
وكان الحية من المقربين جدًا من يحيى السنوار، ويتبنى، وفق المقال، رؤية تتمحور حول غزة والمواجهة مع إسرائيل.
كما شارك في المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار وصفقات الأسرى، ولذلك يجمع بين الخبرة العسكرية والسياسية والتفاوضية.
مدرسة الحية
يحدد ميخائيل ثلاثة عناصر رئيسية في رؤية الحية:
إقليميًا: يعتبر محور المقاومة بقيادة إيران مصدرًا لا يمكن الاستغناء عنه للحصول على السلاح والتمويل والعمق الاستراتيجي.
استراتيجيًا: يرى غزة باعتبارها الجبهة الرئيسية ومركز الثقل، ويعطي للمقاومة المسلحة أولوية باعتبارها الأداة الأساسية لتحقيق أهداف حماس.
سياسيًا: يعتمد على الجناح العسكري في غزة، وعلى العلاقة الوثيقة مع إيران وحزب الله، ويتبنى موقفًا عدائيًا تجاه السلطة الفلسطينية.
مدرسة خالد مشعل
في المقابل، يمثل مشعل، حسب الكاتب، اتجاهًا مختلفًا:
• إعادة حماس إلى محيطها السني.
• الاعتماد على قطر وتركيا.
• قدر أكبر من البراغماتية السياسية.
• محاولة إدماج حماس في النظام السياسي الفلسطيني والعربي.
• نقل مركز الثقل من غزة إلى القيادة الخارجية.
• علاقة أقل صدامية مع السلطة الفلسطينية.
ومن هنا يرى الكاتب أن الانتخابات عكست صراعًا بين رؤيتين جغرافيتين وإقليميتين داخل حماس: غزة في مواجهة القيادة الخارجية، وإيران في مواجهة المجال السني الذي تمثله قطر وتركيا.
تهميش الضفة الغربية
هذه نقطة شديدة الأهمية في المقال.
يرى ميخائيل أن فوز الحية يعني أن غزة ستبقى القلب النابض لحماس، وأن الضفة الغربية ستظل جبهة تابعة، لا مركزًا لصنع القرار.
ويحذر من أن هذا قد يخلق استياءً بين عناصر حماس في الضفة، لأنهم يتحملون الاعتقالات والعمليات الأمنية، بينما تستمر القرارات في الخروج من غزة.
والأهم أن الكاتب يرى أن حماس في عهد الحية ستتعامل مع الضفة باعتبارها جبهة مكملة لغزة، وليس باعتبارها قاعدة لإعادة بناء حركة سياسية فلسطينية.
وهذا يعني استمرار احتمالات المواجهة ليس فقط مع إسرائيل، بل أيضًا مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.
القيادة الخارجية: ليست مركز القرار
هنا يقدم الكاتب قراءة مثيرة للاهتمام لدور قطر وتركيا.
في عهد مشعل، كان من الممكن أن تصبح القيادة الخارجية هي رأس النظام.
أما في عهد الحية، فإن الخارج يتحول إلى ذراع تنفيذية لخدمة غزة.
أي أن قطر وتركيا تصبحان، في هذا التصور، قناتين للتمويل والاتصالات والعلاقات الدبلوماسية، وليس مركزًا مستقلًا لصناعة القرار.
والهدف النهائي هو ضمان بقاء الجناح العسكري في غزة والحفاظ على غزة باعتبارها مركز ثقل الحركة.
الأسرى
يولي الحية أهمية كبيرة لقضية الأسرى الفلسطينيين، وهو في ذلك، وفق الكاتب، قريب من إرث السنوار.
ويرى ميخائيل أن الأسرى يشكلون إحدى أهم القواعد الأيديولوجية داخل حماس، ولهم روابط بغزة والضفة معًا.
ولذلك فإن قيادة الحية ستعطي الأولوية لتحرير الأسرى في أي صفقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخط المتشدد للجناح العسكري.
تركيز السلطة في يد الحية
ربما هذه هي أهم فكرة في المقال.
يرى الكاتب أن الحية أصبح يجمع ثلاثة مفاتيح قوة:
1- رئيس المكتب السياسي.
2- المفاوض الرئيسي في ملفات وقف إطلاق النار والرهائن والأسرى.
3- القناة المالية التي تتحكم بتدفقات أموال حماس في قطر وتركيا.
وهذا يمنحه، بحسب ميخائيل، قدرة حقيقية على فرض القرارات على القيادات الميدانية والجناح العسكري.
وفي سياق ما يسميه المقال «الخطة ذات النقاط العشرين»، يستطيع الحية دفع المفاوضات إلى الأمام أو تعطيلها.
لكن هناك مشكلة: فوزه بفارق صوت واحد يعني أن شرعيته الداخلية ليست قوية بما يكفي لتحمل تنازلات كبيرة.
التعليق والتحليل
أعتقد أن أهمية الورقة تتجاوز موضوع انتخاب الحية نفسه، فهي في الحقيقة تقدم لنا تصورًا إسرائيليًا عن الخريطة الداخلية لحماس والخريطة الإقليمية لغزة في المرحلة المقبلة، وتنطلق من حقيقة أن حماس بانتخاب الحية رئيسًا للمكتب السياسي قررت عدم مغادرة مربع المقاومة المسلحة والتحول إلى حزب سياسي.
الأمر الذي يبرر الموقف الإسرائيلي المعلن برفض خارطة الطريق التي قدمها مؤخرًا ميلادينوف للبدء بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب ذات العشرين نقطة، قبل تجريد غزة برمتها من السلاح والتطرف وفقًا للمعايير الإسرائيلية.
وتكشف الورقة في الوقت نفسه بوضوح أن غاية إسرائيل تجاه غزة وحركة حماس في المرحلة المقبلة، هي التصعيد العسكري وعدم الالتزام بوقف إطلاق النار وفقًا لاتفاقية شرم الشيخ في أكتوبر الماضي، ومواصلة حرب الإبادة، وعدم الانسحاب من غزة، وعدم السماح بإعادة الإعمار وفتح المعابر، ومواصلة تجويع المواطنين وتعطيشهم وحرمانهم من العلاج والتعليم وباقي حقوقهم الإنسانية، علاوة على إغلاق الطريق أمام الرؤية الإقليمية والدولية الرامية إلى بناء نظام سياسي فلسطيني يكون جزءًا من نظام إقليمي جديد، لا يستثني حركة حماس كأحد مكوناته.
ولإثبات صحة استنتاجه:
1- يرى الكاتب أن الصراع داخل حماس كصراع على «مركز الثقل» فهو ليس صراعًا فقط بين شخصين: الحية ومشعل، بل هو صراع بين نموذجين:
غزة → إيران → الجناح العسكري → المقاومة
في مقابل:
القيادة الخارجية → قطر وتركيا → البراغماتية السياسية → النظام الفلسطيني والعربي.
وبالتالي فإن انتخاب الحية يعني، وفق القراءة الإسرائيلية، أن حماس لم تتحول بعد من حركة مقاومة إلى حركة سياسية.
في الواقع، لدي تحفظات مهمة على ورقة الكاتب، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1- الكاتب كان متسرعًا وبعيدًا عن القواعد الأكاديمية في استنتاجه بأن حماس بانتخاب الحية قد حسمت أمرها بعدم مغادرة مربع المقاومة المسلحة، علاوة على عدم مغادرتها التموضع في محور المقاومة بقيادة إيران الشيعية على حد وصفه، وذلك لأن الحية انتُخب رئيسًا (مسيّرًا) للمكتب السياسي، لحين إجراء انتخابات عامة للحركة في أقاليمها الثلاثة (غزة والضفة الغربية والخارج) بعد ستة أشهر أو عام، وفقًا لمواد النظام الداخلي للحركة، الذي ينص على أن الانتخابات تجري كل أربع سنوات لانتخاب مجلس الشورى والمكتب السياسي، وفي الظروف الاستثنائية يتم انتخاب رئيس المكتب السياسي لفترة تستمر من 6-12 شهرًا، الأمر الذي يعني أن الحية يبقى ملتزمًا بقرارات مجلس الشورى والمكتب السياسي الذي جرى انتخابه العام 2021، وتناوب على رئاسته كل من إسماعيل هنية ويحيى السنوار.
2- يبدو أن الكاتب يتجاهل عمدًا أو جهلًا مواد النظام الداخلي التي تنظم الانتخابات داخل الحركة، بإبرازه أن الحية فاز على منافسه مشعل بفارق صوت واحد، إذ تنص مواد النظام الداخلي على أن الفائز يجب أن يحصل على 50%+1، الأمر الذي تحقق في هذه الأرقام.
3- ويبدو كذلك أن الكاتب يتجاهل عمدًا أو جهلًا حقيقة أن المكتب السياسي، بما في ذلك رئيسه، لا يمكنهم الخروج على السياسات العامة التي يضعها مجلس شورى الحركة ومؤسساتها ذات العلاقة، الأمر الذي يعني أن تحديد الاستراتيجيات لا يحدد فقط من قبل رئيس المكتب السياسي، والأهم أنه لا يمكن لأي من أعضاء المكتب السياسي معارضة القرارات الشورية الجماعية إذا ما خالفت رأيه، كما تجلى بوضوح في مصالحة حركة حماس مع نظام بشار الأسد قبل سقوطه، إذ جرت المصالحة رغم معارضة خالد مشعل، إلا أنه لم يخرج رغم ذلك على الحركة ولم يغادر المكتب السياسي.
4- وفيما يتعلق بالمقاومة المسلحة، يتجاهل الكاتب مرة أخرى حقيقة أن أيًا كان رئيس المكتب السياسي لا يمكنه الخروج على هذه الاستراتيجية، لا سيما وأن الحركة تعرف نفسها بأنها حركة مقاومة مسلحة، سواء في ميثاق العام 1988، أم وثيقة العام 2017.
5- الكاتب يميل إلى تصوير المسألة باعتبارها صراعًا بين غزة والخارج، وينطوي ذلك على مغالطة كبيرة، فالحية نفسه ومعه عدد من أعضاء المكتب السياسي يعيشون خارج غزة. وفي هذا الشأن ينبغي التوضيح أن الخلافات جزء أصيل داخل الحركة، لكنها لم تبدُ أبدًا كخلافات بين داخل وخارج أو بين جناح سياسي وعسكري، وأي تصوير لهذه الخلافات على غير ذلك إنما يعكس عدم فهم لحماس، الأمر الذي يقود إلى تبني سياسات وتطوير قرارات لا تقود إلا إلى نتائج خاطئة.
6- قول الكاتب إن انتخاب الحية سيُبقي حماس في معسكر الشيعة، فيما انتخاب مشعل كان سيعيد الحركة إلى المعسكر السني، ينطوي على مغالطة كبيرة تفوح منها رائحة الفتنة، خاصة وأن حماس التي تعتبر وارثة للكثير من تراث حركة الإخوان المسلمين لم تغادر معسكر السنة، وليس من الوارد التفكير في ذلك، وفلسطين ومقاومة الاحتلال والظلم هما المحرك الرئيس لعلاقتها مع مكونات محور المقاومة، وليس المحركات الطائفية أو المذهبية، الأمر الذي يجرد الاحتلال وحلفاءه من مواصلة بث الفتنة في المجتمعين العربي والإسلامي، الأمر الذي لطالما حافظت عليه كشرط من شروط البقاء.
7- أخطر استنتاج في المقال يتعلق بالسلطة الفلسطينية.
إذا صح تحليل ميخائيل، فإن انتخاب الحية يعني أن حماس لن تتجه في المدى القريب إلى الاندماج السياسي الكامل داخل النظام الفلسطيني. بل العكس:
حماس في غزة → قيادة مركزية → جناح عسكري قوي → علاقة متوترة مع السلطة → الضفة جبهة إضافية، الأمر الذي يبدو غير مقنع لأصغر الفلسطينيين سنًا، لا سيما وأنه بات واضحًا لديهم أن حماس تسعى بجد لتصبح مكونًا مقبولًا إقليميًا ودوليًا وفلسطينيًا من مكونات النظام السياسي الفلسطيني الجديد.
وهذا يتناقض مع ما ذهب إليه الكاتب في ورقته، باعتبار أن انتخاب الحية لا يعني فقط انتصار جناح داخل حماس، بل يعكس معركة على مستقبل غزة نفسها.
فإذا بقيت غزة كما يقول تحت مركزية الحية، فهذا يعني: إيران + الجناح العسكري + غزة ستكون نواة حماس.
ويضيف: أما إذا تمكنت قطر وتركيا ومصر والدول العربية، مع الولايات المتحدة، من فرض ترتيبات سياسية جديدة، فقد يتحول ميزان القوى تدريجيًا نحو:
غزة + السلطة الفلسطينية + الدول العربية + إعادة الإعمار + نزع السلاح/إعادة تشكيل حماس.
وهنا تحديدًا تصبح الإمارات ودحلان أكثر أهمية مما يظهر في مقال ميخائيل، لأنهما قد يشكلان، في بعض السيناريوهات، الجسر بين غزة والبيئة العربية السنية، في مقابل النموذج الذي يربط غزة بإيران.
المعركة القادمة ليست فقط على من يحكم غزة، وإنما على أي محور ستنتمي إليه غزة: محور إيراني-مقاوم، أم محور فلسطيني-عربي برعاية مصرية وخليجية، أم صيغة هجينة تتعايش فيها حماس مع سلطة فلسطينية مُعاد تشكيلها.
وفي الختام، أعيد التأكيد أن السيناريو الأكثر احتمالًا في قادم الأيام هو مزيد من التصعيد الإسرائيلي ضد غزة وأهلها، ولكن هذه المرة بذريعة انتخاب الحية رئيسًا للمكتب السياسي، وللاستدلال على ذلك جاء نشر ورقة ميخائيل على موقع معهد مسغاف، وليس معهد (INSS) الذي يعمل فيه الكاتب كباحث رئيسي، وينسجم ذلك مع ما نشر رئيس المعهد مئير بن شبات من أوراق، الأولى كانت بتاريخ 6/8/2026 وحملت عنوان "استمر في مكافحة الإرهاب"، والثانية كانت بتاريخ 13/8/2026 وحملت عنوان "الرأي العام الإسرائيلي لن يقبل صفقات دبلوماسية تبقي العدو على قدميه".