
وطن للأنباء: تتزايد الضغوط النفسية التي تواجهها الشابات الفلسطينيات في ظل واقع مثقل بالحرب والدمار في قطاع غزة، والاقتحامات وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، إلى جانب البطالة والأزمة الاقتصادية والعنف داخل الأسرة والمجتمع، وسط انتقادات لضعف منظومة الدعم النفسي والخدمات الحكومية المتاحة.
وخلال حلقة من منصة "مواطنات" التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، قالت الأخصائية النفسية منى أبو شمط زامل إن الشابات الفلسطينيات يواجهن ضغوطا متعددة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلى جانب صعوبة التنقل والحواجز والاعتقالات والعنف.
وأوضحت منى أن "الضغط النفسي" يظهر عندما تصبح المتطلبات المحيطة بالإنسان أكبر من قدرته على التحمل، مشيرة إلى أن هذه الضغوط قد تنعكس في صورة عدم التركيز والقلق والانسحاب والعزلة، وقد تتحول إلى حالة مستمرة تحتاج إلى تدخل متخصص إذا بدأت تؤثر في نمط الحياة.
وأضافت أن المجتمع الفلسطيني يعيش ظروفا صادمة ومتكررة، قائلة: "معظم، إذا لم يكن كل، الشعب الفلسطيني يعيش تحت صدمة، وكأنه يتحدث عن صدمة واقع على أرض الواقع."
وفي قطاع غزة، أشارت منى إلى أن آثار الحرب لا تتوقف بانتهاء الحدث نفسه، موضحة أن الصدمة تمتد إلى ما بعد القصف والدمار، خصوصا مع فقدان أفراد الأسرة والبيت ومصادر الأمان. وأكدت أن التعافي يحتاج إلى وقت ودعم أسري ومجتمعي ومؤسساتي، وليس إلى العلاج النفسي وحده.
من جانبها، قالت الناشطة الشبابية المهتمة بالصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي ريناد حموز إن الشابات يعانين بصورة كبيرة، لكن أصواتهن لا تكون دائما مسموعة، مشيرة إلى أن أبرز ما يواجهه الشباب اليوم هو الخوف من المستقبل وعدم القدرة على التخطيط للغد.
وقالت ريناد: "أكثر معاناة لهم هي أنهم يخافون من بكرة، ينامون بدون خطة لبكرة، ولا يعرفون ما سيحدث غدا: هل سأصل لشغلي؟ هل سأصل للجامعة؟ ربما أواجه اقتحاما، وربما تكون هناك منطقة مغلقة عسكريا."
وأضافت أن هذا الواقع يدفع بعض الشباب إلى الشعور بأنهم يعيشون "يوما بيوم"، مؤكدة أن الشباب والشابات بحاجة إلى من يسمعهم وينصت إليهم، وأن وجود البيئة الداعمة يمثل أساسا للمرونة النفسية.
وفي ملف العنف الأسري والمجتمعي، حذرت ريناد من أن صمت النساء عن العنف لا يحميهن، بل يفاقم أزمتهن النفسية، قائلة: "الصمت هو ضريبة. الشابة لما تصمت، هي بتدفع ضريبة على حياتها، وعلى كرامتها، وعلى حقوقها، وعلى أولادها."
وأشارت إلى أن الخوف من نظرة المجتمع وردود فعل الأسرة يمثل أحد الأسباب التي تدفع نساء وشابات إلى عدم الحديث عما يتعرضن له، موضحة أن بعضهن يخشين أن يُحمّلن مسؤولية ما يحدث لهن، أو أن يقال لهن إنهن "خربن بيتها بيدها".
ولفتت ريناد كذلك إلى أن البطالة تشكل ضغطا إضافيا على الشابات، خصوصا بعد سنوات الدراسة والبحث عن فرصة عمل دون جدوى، أو الحصول على وظائف بأجور منخفضة أو دون مقابل، معتبرة أن غياب فرص العمل الكريمة يفاقم الإحباط والمشكلات النفسية.
وأكدت أن العنف الأسري والمجتمعي، بما يشمله من الضرب والاعتداء والتحرش وأشكال أخرى من العنف، يأتي فوق ضغوط البطالة وعنف الاحتلال في غزة وعنف المستوطنين في الضفة، لتتراكم الضغوط على الشباب والشابات بصورة متزامنة.
وفيما يتعلق بدور الحكومة، انتقدت ريناد ضعف الاستجابة الرسمية لاحتياجات الشباب في مجال الصحة النفسية، معتبرة أن المؤسسات الحكومية غير مهيأة لاستيعاب حجم الاحتياجات القائمة.
وقالت: "هناك تقصير كبير جدا. عندما نتحدث عن المؤسسات الحكومية التي تقدم خدمات الإرشاد النفسي للشباب، فهل هي قادرة على استيعاب عدد كبير من الشابات؟ للأسف هناك تقصير كبير، وحتى على مستوى الأجندة الوطنية، قطاع الصحة النفسية ليس موجودا بشكل كاف، ولا حتى للشابات."
وشددت على أن مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص تقوم بدور أكبر في هذا المجال، لكنها بحاجة إلى دعم حكومي، معتبرة أن معالجة الصحة النفسية لا يمكن أن تعتمد على جهود المؤسسات الأهلية وحدها.
بدورها، أكدت منى أن الصحة النفسية لا يمكن فصلها عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالشابات، وأن تقديم جلسات الإرشاد وحدها لا يكفي إذا كانت الشابة تفتقد الاستقلالية أو فرصة العمل أو مقومات الحياة الأساسية.
ودعت إلى بناء منظومة متكاملة تضم الأسرة والمؤسسات والمجتمع، وإلى تعزيز دور المرشدين والأخصائيين النفسيين في المدارس والجامعات، معتبرة أن الصحة النفسية يجب أن تكون جزءا من السياسات والخطط العامة، لا مجرد تدخلات محدودة.
وفي مواجهة الوصمة الاجتماعية، وجهت منى رسالة للشابات بضرورة طلب المساعدة عند الحاجة، قائلة: "ليس عيبا أن تقولوا إنكم تعبانين، وأن تتوجهوا إلى أخصائي أو إلى أي شخص يمكن أن يكون مساندا لكم، وليس شرطا أن يكون أخصائيا، فمن الممكن أن يكون شخصا من العائلة أو من المحيط."
وأشارت إلى أن من أبرز المؤشرات التي تستدعي طلب المساعدة استمرار القلق والتوتر وصعوبة النوم، والانسحاب والعزلة، وفقدان القدرة على ممارسة العمل أو الدراسة أو النشاطات التي اعتاد الشخص القيام بها، خصوصا عندما تتراكم هذه الأعراض وتؤثر في الحياة اليومية.
واتفقت الضيفتان على أن معالجة الأزمة النفسية للشابات الفلسطينيات لا تبدأ من العيادة وحدها، بل من توفير بيئة آمنة وداعمة، وحماية من العنف، وفرص عمل كريمة، ومساحات آمنة للتعبير والمشاركة، إلى جانب توفير خدمات نفسية متاحة وميسرة.
وأكدت الحلقة في ختامها أن الصحة النفسية ليست رفاهية، خصوصا في مجتمع يعيش الحرب والخوف والفقر والبطالة والعنف والفقدان، وأن التعافي يتطلب الأمان والحماية والدعم الاجتماعي وفرص العمل والسياسات التي تضع صحة الإنسان النفسية ضمن أولوياتها.